سفينة الاستعارات الحسينية
ضمير العطش وضمير النهر

شوقي بزيع


السفير (الجمعة، 31 آب 2001)

تخترق واقعة كربلاء في بعدها الرمزي الحدث الذي تنعقد حوله وتتحول الى طاقة للإيحاء وبؤرة للاستدلال والقراءة وتلمس المصائر. وإذا كانت هذه الواقعة المؤلمة قد حدثت قبل ثلاثة عشر قرنا من الزمن فهي قد استطاعت بما تختزنه من قرائن وأحداث ومفارقات، أن تتجاوز راهنيتها في المكان والزمان وأن تجدد في كل عصر ذلك الدم المراق على ضفتي الفرات وتمنعه من التخثر. كأن المأساة بوقوعها على ضفة النهر تعطي الاشارة الاولى للتماثل بين المكان ونزلائه وتكتسب من النهر قوة التدفق وأبدية الجريان كما تكتسب منه طقوسية العلاقة بين الموت والحياة.

والواقعة من بعض وجوهها ليست سوى تجسيد بالغ الكثافة لملحمة الوجود الارضي وبحث الانسان عن جنته الموعودة التي يحتاج البشر لبلوغها الى الصراع مع التنين كما فعل مار جرجس (او الخضر وفق التسمية الاسلامية)، او مع الخنزير البري كما فعل أدونيس، او مع الشياطين كما فعل بوذا، او مع الساحرات ووحوش البحر كما فعل عوليس في الأوذيسة او مع الفريسيين وسدنة الهيكل كما فعل المسيح. لقد استطاعت كربلاء وحدها ان تزيل الفواصل بين ما هو وثني وما هو توحيدي وأن تحل على التاريخ قوة الطقس ورعف الاسطورة وأن توحد الآلهة المتعددة في إله واحد وأن تجعل النهر شاهدا على العطش والشهادة وقوة الاحتمال. ورغم قدرة الحسين النادرة على اختزال البعد الاستشهادي للبطولة الفردية فإن السيرة الحسينية تنفتح على مروحة من البطولات الاخرى التي تجعل الجماعة ظهيرا للفرد وحاضنا إلزاميا لرغبته في التغيير وتحقيق الحلم.

الصحراء والضفة

حتى المكان نفسه يهيّئ المسرح الملائم لوقوع الاحداث وحقنها بأمصال المفارقات.فالمرحلة في تجلياتها الأعمق تتم في أحشاء الصحراء (الموت) وتنتهي على ضفة الماء (الحياة). كأنها من هذه الزاوية رحلة جلجامش للبحث عن ماء الحياة التي لا موت بعدها او كأنها هجرة الإسلام الثانية للتطهر والتقويم وإعادة التأسيس. وحين اختار الإمام الحسين من اختارهم لمرافقته على درب الشهادة فقد بدا وكأنه يؤسس العالم بعد الطوفان ويحول الركب الذي يقوده الى سفينة مماثلة لسفينة نوح. سفينة تم انتقاء ركابها بعناية بالغة وتحول كل منهم الى رمز فريد على طريق الخلاص. لقد اختار كل منهم جلجلته بنفسه كما فعل المسيح، واختار كل منهم ان يموت في جمعته الحزينة الخاصة مفتديا بالدم الحي الكثرة التي تخلّت عنه ومزحزحا بكفيه العاريتين صخرة القيامة. جميعهم بلغوا الفرات ولم يشربوا الماء. لقد حالت بينهم وبينه آلاف السيوف المشهورة. وحين صرخ عمر بن سعد بأعوانه ان يمنعوا الحسين وصحبه من شرب الماء لئلا يفني المعسكر المقابل عن آخره فقد كان يخرج الماء من دلالته الحسية المباشرة ويضعه في خانة البعد المجازي الخالص. والعباس الذي رمى القربة من يده وهو يهم بالشرب كان يذهب في الإيثار حتى نهاياته وينأى بنفسه عن الخلاص الفردي ليمّحي في الجماعة التي حوّلها العطش والإيمان الى جسد واحد.

لم تكن السيرة الحسينية المكتوبة سوى جزء يسير من النص الجسدي الذي كتبه الكربلائيون باللحم والدم. اولئك الذين بدوا بقوة الرمز شخوصا مختارة بعناية على مسرح المواجهة بين الحق والباطل. وكان لا بد وسط تلك الثنائية اليقينية من ان تظهر على المسرح الدامي شخصية من طراز الحر الرياحي الذي ينتقل من ضفة الى ضفة بعد ان تحول رأسه الى غابة من الاسئلة والوساوس. تلك الشخصية الحائرة التي تشبه هاملت في مسرحية شكسبير اضافت للواقعة نكهتها الخاصة ومكنت الشك من ان يكون ممرا الى اليقين. تشبهها في المعسكر المقابل شخصية عمر بن سعد الذي وقف بدوره حائرا بين ملك الري وبين رأس الحسين قبل ان ينحاز بصورة نهائية الى شهوة الملك. كان هناك في الوقت نفسه الشيخ الطاعن في السن كحبيب بن مظاهر، والارستقراطي المتخلي عن امتيازاته كزهير بن القين، والعبد الأسود جون الذي استبدل سواد لونه ببياض قلبه وعبودية جسده بحرية اختياره الطوعي للموت والذي استطاع بالشهادة أن يزيل الفروق بينه وبين الآخرين.

السفينة

لم تكن من قبيل الصدفة اذاً ان تطلق العامة على السيرة الحسينية المكتوبة تسمية “السفينة” التي وحدت بين دفتيها القادمين من مختلف الطبقات والاجناس والألوان والأعمار. فإلى الشيوخ والطاعنين في السن هناك من هم في شرخ الصبا كعلي الأكبر والقاسم بن الحسن الذي حوّلته مراثي سكينة الى عريس أسطوري وتحوّل بكاؤها عليه الى مناحة شبيهة بمناحة عشتار على تموز. كان لا بد من حضور أنثوي بارز لكي تجدد الثنائيات نفسها في غير وجه ولكي يتحول الفرات الى معادل إسلامي لنهر إبراهيم. أما زينب أخت الحسين فقد كانت الصيغة المعدلة لإيزيس الفرعونية التي تحاول ان تلأم الجراح وأن تنفخ الحياة في أوصال الجثث والاجساد المتناثرة.

الطفولة المغدورة شكلت بدورها أحد وجوه الصورة الكربلائية التي لا تمحى والتي أوصلت المشهد المأساوي الى ذراه الاخيرة. فالطفولة الغضة بما تمثله من براءة وطهر وانبثاق أولي لبرعم الحياة المتفتح هي المكان الذي لا يجوز أن يصيبه الموت ولا ينبغي ان يمسه السوء. إنها المادة المصنوعة من الحياة نفسها ومن التوق الخالص الى الاكتمال. ولأنها النقطة الأبعد عن الموت فهي تتحول الى فردوس للترجيعات وغابة للحنين ومساحة للأمان والطمأنينة. انها الزمن الهلامي المحايد الذي ينبغي ان يظل بمنأى عن الحروب والأحقاد والنزاعات بين الكبار، وحين تبقر أحشاء الطفولة فإنها تكون قد وصلت الى ذروة وحشيتها ونزعت القناع عن كل ما يذكّر بإنسانية المتقاتلين. والحسين نفسه حين حمل طفله الرضيع بين يديه فقد أراد ان يختبر النقطة التي بلغها أعداؤه من الحقد والبغضاء والكراهية المجردة. حتى إذا اخترقت سهامهم أحشاء الرضيع أدرك انهم بلغوا نقطة اللاعودة وأن صلتهم ببقايا ضمائرهم قد انقطعت الى غير رجعة.

الرمز

في فلسطين، كما في جنوب لبنان، بدا البعد الرمزي لكربلاء قابلا للتجسد الى حد المطابقة في بعض الاحيان. فالجسد الاستشهادي المؤمن هو نفسه في الحالتين، والأعداء هم أنفسهم على الضفة الثانية. كلاهما الليطاني ونهر الاردن بدوَا المعادل المعاصر لفرات المواجهة الغابرة بين المدافعين عن القيم والارض والعدالة وبين المنتهكين لها بامتياز. في الحالتين ثلّة قليلة من المجاهدين تفتدي بدمها كوفة الحشود المؤازرة بالدعاء والتهليل وتواجه بمفردها اكثر أشكال الطاغوت همجية وضراوة. وفي الحالتين يتقدم الى المبارزة فتيان وفتيات بعمر الورود وتحلّ الصورة المتلفزة محل الحكاية والسيرة والنص المكتوب لتظهرهم أمام أعيننا المجردة محمولين على نعوش من خشب وأكاليل وقبضات ملوحة بالانتقام.

هكذا لم يجد الشعر اللبناني والفلسطيني صعوبة بالغة في التقاط الرمز الذي ينأى بكربلاء عن إطارها المذهبي الضيق ليرفعها الى سدة الاستعارة المشتركة بين الطرفين. كل من المقاومين الفلسطينيين واللبنانيين بدوا، بمعزل عن المذهب والطائفة، استمرارا لذلك الينبوع اكثر من المجازفة والغضب والانتصار للشرط الانساني والحق المغيب. فمنذ اكثر من ربع قرن صرخ أحمد دحبور “يا كربلاء تلمسي وجهي بمائك تلمسي عطش القتيل”. وكتب محمود درويش: “بعيدا بعيدا تكون جراح الحسين منارة/ وحين تجيء يفرون منها/ ويرجمها ضابط بالحجارة”. ومنذ اكثر من ربع قرن انتبه شعراء الجنوب اللبناني الى ما يختزنه ذلك الدم المسفوح من طاقات شعرية هائلة ومن أقنعة ومجازات غير قابلة للتخثر.

وفلسطين اليوم بانتفاضتها المثخنة بالأشلاء والوعود تعيد الرياح الى مهبها وتعمل على تخليص الصورة القديمة من الطقوس والشوائب وثقل النسيان. يكفي ان نحدق في ملامح محمد الدرة المترنح كعصفور في حضن أبيه لكي نستعيد من خلالها صورة الطفل الممزق بالسهام بين يدي أبيه الحسين وكي يعود المجاز الى أصله والقصيدة الى منابعها الأولى.

 
 
 

 
 
     إبحث في موقع بنت جبيل

 

Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic