مظاهر انتخابية للمرة الأولى منذ 38 سنة
صمت وهدوء ودعوة التوافق تخفي حسابات تاريخية

السفير (الإثنين، 3 أيلول 2001)

حسان الزين

مشهد القرى الحدودية لزائرها، قبل أسبوع من الانتخابات البلدية، خادع كطفل يخفي رأسه خلف أم لا تعيره اهتمامها. فلا يتعب سائله، ولا يبخل بكشف ما لديه من أخبار وأسرار. ويستغرب الزائر لماذا ذاك الاخفاء، ولماذا لا تبرز مظاهر انتخابية؟ لعله من نتائج أيام الاحتلال، يقول: “الاحتلال هو ما دفع الناس هناك الى الصمت والتكتم على أي نشاط سياسي”.

وهو ما دفع سكان “الشريط الحدودي” آنذاك الى ممارسة السياسة على غير ما يفهمها اللبنانيون الذين لا يخفون سرا. وذلك لا يقطع مع السبب الرئيسي وراء تلك الاحتياطات الهشة وغير الأصلية، وقد عبّر عنه الجميع: “إنها انتخابات بلدية وليست انتخابات نيابية لكي نلصق الصور ونرفع اللافتات، وتجول مواكب الزيارات”، ليبدو ذلك أحيانا كأن ثمة استخفافا بالانتخابات البلدية، الا أن ذلك لا يدوم مع الشعور بأن الخفي والمضمر هو الاهتمام بالانتخابات وليس كما يصرح هذا أو ذاك، ولا سيما ممن يجاهرون بغضب تجاه الوضع القائم، الناتج عن الانتخابات وفي موسمها أو المتعلق بالوضع الخدماتي والمعيشي في المنطقة.

إذاً، هناك اهتمام بالانتخابات البلدية، لكنه صامت في الشكل، وأسلوبه الأبرز هو الكلام. الجميع يتكلم، وكثيرون يصمتون عندما يدخلهم غريب. ويدعون بعضهم بعضا الى الكلام، يدفشون بعضهم بعضا ثم تراهم يشاركون، تارة بغزارة وتارة أخرى بكلمات قليلة لتؤدي دور الرموز في عملية فهم مجريات الأحداث. وشيئا فشيئا تتظهّر الصورة ويقف اللاعبون على الخشبة. ويبدو الناس منقسمين على ثلاثة أمزجة، من المتعامل بإيجابية و”حرص” ويتوقع أو يسعى الى توافق القوى والمرشحين، الى المعترض والمعارض لطريقة “إدارة اللعبة” كما قال علي عباس من عيترون، الى المستنكف وهذه فئة ليست قليلة، وإن عدها مواطن في قرية بليدا “حالة شخصية” في محاولته إسكات أحد أبناء بلدته الذي رفع صوته عاليا معترضا على الحال معلنا أن الجميع لا يعمل صح، وان الجميع لا يسعون سوى الى الكرسي، ولن تشهد البلدة توافقا”.

آلة الانتخابات
فالواضح، أو المؤكد، أن آلة الانتخابات تعمل جيدا في القرى الحدودية، والجميع منشغل، منخرط فيها. بما في ذلك أبناء البلدات الذين غادروها لأسباب شتى في العقود الثلاثة الماضية. كثيرون منهم يترددون في عطلة الأسبوع ليشاركوا في الموسم الانتخابي، بعضهم ترشيحا وبعضهم دعما وبعضهم انتماء لعائلة أو جماعة أو قرية. وهكذا يبدو هؤلاء الذين غادروا قراهم، منقسمين على اللوائح والمرشحين.. وهناك كثيرون نأوا بأنفسهم “لا مع هذا ولا مع ذاك” كما يقول د. فوزات فرج من بنت جبيل “فلم يظهروا موقفهم وقوتهم وحجمهم.. التزموا الصمت وخلت الساحة لمن يرغب في الكلام اليوم”.

فمن الناقورة صعودا يشعر الزائر بطقس آخر حار كالصيف. طقس كامن ومحجوب في الكواليس، في مكان ما، وان القرى، في ما يخص الانتخابات، مسرح. حيوية جديدة طارئة تعارك الرغبة في الهدوء والسكينة التي تخيم فوق القرى والبلدات. الناس في فاعليات أيامهم العادية.. وهناك متسع للكلام.. والجميع لا يتكلف لاستئناف الكلام، خصوصا حول فنجان قهوة وعن الانتخابات التي حصلت في خلال الأيام القليلة الماضية رصيدا لا بأس به من المواقف المعلنة، ومن الخصومات، ومن تجدد الكثير من تاريخ القرى وتراث العائلات. “فاللعبة عادت الى ما كانت عليه قبل الحرب.. رجعت العائلية”.. البعض يقول ذلك، يقابله قول آخر: “الأحزاب والحزبية أفسدت العائلات وقسمتها، في السابق كانت العائلة ترشح العدد الذي تستدعيه المعركة أو يفرضه التوافق، أما اليوم فمن يشاء يرشح نفسه.. واذا ما رأى هذا الحزب أن مرشح هذه العائلة ليس له، أو ليس معه، يرشح من العائلة نفسها شخصا آخر.. وهكذا دواليك”. لنكتشف مرة أخرى، مغناطيسية اللعبة.. و”الشاطر القوي هو من يقدر على الابتعاد وعدم الانزلاق” يقول د. فوزات فرج.

تعقيم

“ولماذا لا نهتم بالانتخابات، إنها تمس كل مواطن وتخصه” يقول جهاد عبلة من مرجعيون. كأنه يرد على منتقد لاهتمامه بالانتخابات.. او كأن الاهتمام بالانتخابات يواجه انتقادا فيرد المهتم. لكن صاحب الدكان يطلب من جهاد ومن معه الذهاب الى المرشحين لكي يتكلموا في الانتخابات عندهم.. “مالنا والانتخابات” يقول صاحب الدكان بغضب واقتضاب.. ففي هذا احد مفاتيح فهم عملية تعقيم الانتخابات الجارية في القرى الحدودية.. ومحاصرة الكلام فيها ضمن دوائر محدودة، وبين الجدران، او عبر “الرموت كونترول” كما قال احد ابناء بنت جبيل، الأمر الذي نفاه شربل العلم من بلدة رميش مؤكدا ان لا تدخل في شؤون بلدته، وان المعركة الانتخابية تحكمها الخلافات والتوزيعات العائلية”.

فلا شيء يقال في القرى الحدودية عن الانتخاب إلا ويُقال نقيضه. والكل يريد الصورة بالألوان التي يريدها والتي تناسبه.. وتبقى اللغة السائدة هي التحفظ التي لا يوازيها سوى الدعوة الى التوافق. الكل يطلب التوافق الذي تفرضه معطيات القرى والبلدات، وحتى الذين ينتقدون ينطلقون من مبدأ التوافق والرغبة في تجنب المعركة الانتخابية التي “لا تنتهي مع يوم الاقتراع انما تفتح الجروح وتؤجج الحساسية في المستقبل” يقول طنوس صياح من علما الشعب، مضيفا: “التوافق غاية بذاته، ولكنه في الوقت نفسه وسيلة للحصول على أفضل تمثيل والفوز بالمبلغ الذي تمنحه الدولة للمجلس البلدي الذي يفوز بالتوافق، كمكافأة للأعضاء على جدارتهم ومكافأة للأهالي على حرصهم على توافقهم والانماء المحلي”. ولا ينفي فرح ومعه ابن بلدته نعمة الله غانم وجود صعوبات عديدة تواجه التوافق “إلا أن العمل جار لتحقيقه” يؤكدان.

وكما في علما الشعب التي يؤكد عد من سكانها، وخصوصا صياح وغانم، ان نفوس ابنائها قد هدأت وفي غير اتجاه، كذلك في القليعة التي يروي ابناؤها ان الخوري منصور الحكيم دعاهم الى التوافق وحل المشكلات سريعا.. وشريط الدعوة الى التوافق يتكرر في القرى والبلدات.

في الناقورة، بحسب محمد عواضة المرشح للمختارية، “أثمرت المفاوضات تحالفا بين ممثلي حركة “امل” و”حزب الله” والشباب اليساري المستقل وبعض العائلات.. فالمعركة ليست بين هؤلاء، إنما بينهم، من جهة وبين الذين وضعوا أيديهم على اجزاء كبيرة من ارض المشاع”. من جهة ثانية.


سياسة

ولعل الناقورة من البلدات الحدودية القليلة التي تطرح قضاياها بعدة سياسية.. فالسياسة في القرى الاخرى تحلق بين القيم، اعلام ورايات لافتات قاموسها من عبارات المقاومة والاخلاص للوطن والدفاع عنه.. وتدعو الاهالي الى الوفاء للمقاومة.. عدا ذلك تغيب السياسة، او هي وقواها تلبس ثيابا رثة تناسب “الحقل”، فتغلب لغة العائلية والتاريخ والكراسي والاتهام على انواعه المحلية.

هكذا يغدو كلام الناس في همومهم نقدا للانتخابات البلدية والمهتمين بها وللمرشحين خصوصا. فهذه نوفة غريب ترفع الصوت عاليا، يؤازرها محمد قاسم القاسم من بلدة يارين، يطالبان برخص تخولهم زرع التبغ وبيعه بأسعار مناسبة تعينهم. ويتابعان قائمة مطالبهما: “أين المساعدات التي وعدونا بها؟ كم واحد أخذ تعويضات وعمر بيته.. لا كهرباء عندنا ولا مياه”.. ولا تتوقف اللائحة عند هذا الحد. ويكفي ان يبدأ أبو نظير من بلدة رميش في الكلام لستعيد معزوفة “ترك الدولة لأبناء القرى الحدودية منذ الستينيات، وان الوعود التي اغدقت اثر التحرير لم يتحقق منها شيء”.

تتشابه القرى والبلدات وان اختلفت بعض الشيء، هذه بنت جبيل التي توحي بأنها مستسلمة للحر ولشهر التسوق تخزن حرارة انتخابية “تسعى الناس لحصرها من خلال التوافق إلا أن المستفيدين لا يريدون ذلك” يقول ابراهيم بيضون الذي لم يعد يفهم الانتخابات. “ففي السابق كانت تقليدية، لائحة من هنا ولائحة من هناك. أما اليوم فالتقليديون منقسمون على أنفسهم وكذلك الأحزاب والعائلات والناس غير راضية، ومغلوبة على أمرها.. والأغلبية تقول لا أريد أن أكون “كبش محرقة”.. فيبتعدون عن ضجة الانتخابات ووجع الرأس”.

من يرعى الحمير؟

والكلام نفسه في عيترون حيث يستعيد علي عباس سيرة الانتخابات: “أنا مير وأنت مير ومين بدو يرعى (...)” في اشارة الى سعي الجميع للترشح وللرئاسة ولتزعّم اللائحة أو التوافق.. ومن العيار نفسه الذي استخدمه علي عباس أطلق لبيب بكار صفة “كرتونة بطاطا” على حال الانتخابات في بلدته مرجعيون حيث “الرغبة في التوافق ستفشل ولا بد من المعركة الانتخابية.. إذ إن المساعي الخيرة ستصطدم عندما يفتح موضوع الرئاسة. الكل يريد الرئاسة.. ولا أتوقع من الاجتماع الذي سيعقده أبناء البلدة اليوم التوصل الى التوافق. فالمرشحون لرئاسة المجلس البلدي نحو نصف عدد أعضاء المجلس. فالانتخابات البلدية تذكر بانقطاع البنزين ومتى وصل البنزين توقف الجميع عند المحطة مطالبين بحصصهم وأكثر”.

أما حاصبيا ففي “قيلولة انتخابية” بحسب الشيخ أسعد الكاخي.. و”التوافق أمر محتوم” يضيف ولو لم ينطلق من معلومات متوافرة لديه، انما من نيته ومعرفته نية أبناء بلدته سواء من الطائفة الدرزية أم من الطوائف الأخرى ثقة لا يبددها أي مواطن من حاصبيا.. فالجميع ينتظر انسحاب أكثر من خمسة وعشرين مرشحا للبلدية (المجلس مؤلف من 15 عضوا) وأكثر من 15 مرشحا للمجالس الاختيارية..

نيات حسنة

إنها المبالغة بالنيات الحسنة التي تحجب أي اعتراض، وأي قوى معترضة أو مستنكفة. كأن يقال في الطيبة بالتوافق ولا يحسب لجماعة كامل الأسعد حساب.. فهو لا يخوض الانتخابات لأن لا أحد تجرأ على الترشح باسم “جماعة الأسعد” قال أحدهم وحرص على عدم ذكر اسمه. “فالتوافق بين بعض الأطراف، وخصوصا حزب الله وحركة أمل وعائلات وشخصيات محدودة”.

تقريبا، لوحات البلدات والقرى الحدودية تتكون من الألوان والعناصر نفسها، مع اختلافات بنسبة اللون أو بقوة العنصر.. وهذا مؤثر.. ففي بلدة ميس الجبل، مثلا، التي يكاد يقتصر النفوذ فيها على “حزب الله” و”أمل” صار التوافق غاية بذاته.. “فلا قوة ثالثة.. فلماذا الاختلاف وعدم التوافق؟” سأل علي حمدان، “فمصيبة اذا لم يتفقا” قال من دون أن يفسر السبب..

تجاوز التوافق

بلدتان تبدوان وقد تجاوزتا التوافق والسعي اليه، هما الخيام وعين إبل، على الرغم من دعوة البعض في هذه وتلك، الى التوافق. ففي الثانية قد أعلن تشكيل لائحتين، ولكل منهما مكتبها الانتخابي الخاص، وتعبران عن الانقسام العائلي التاريخي الذي لا يخفي أحد أبناء عائلة دياب أنه منزعج منه ومن تجدده، فقد عشنا سويا من دون انقسام عائلي إبان الحرب وفي ظل الاحتلال.. وعاد اليوم، “فشكرا للانتخابات”.

وفي الخيام الذروة. مظاهر انتخابية طقوسية كاملة، لافتات وصور تملأ الجدران وتحجب السماء وتصل الشرفات والشبابيك على جهتي الطرقات الضيقة والعريضة. أكثر من تسعين مرشحا للمجلس البلدي (18 عضوا) والعشرات للمجالس الاختيارية.. وأخبار المرشحين على كل لسان: انسحب، لا، غدا.. والأمل بالتوافق ما زال قائما.

 
 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic