الشابان حرز وقعا في مصيدة الإهمال والطرق
قيس توفي وباسم في العناية الفائقة والدعوى مرفوعة

السفير (الثلاثاء، 4 أيلول 2001)

ثناء عطوي

ليست القصة قصة شابين، من قرية مجدل سلم الجنوبية، عادا إليها من المهجر الأميركي بعد عام على التحرير، فقررا تلبية دعوة أحد الفرق الرياضية للمشاركة في مباراة تنافسية على أرض ملعب الخيام.

ليست القصة قصة سفر قيس حرز الذي كانت تفصله أشهر قليلة عن موعد هجرته النهائية إلى “أرض الفرص والأحلام” في الولايات المتحدة، والتي سبقه إليها أفراد عائلته جميعا: أشقاؤه الستة ووالداه تباعا..

هي قصة موت قيس حرز (23 عاما) وقصة شقيقه باسم أسير العناية الفائقة، وصديقهما محمد ياسين الذي خرج بعد إصابات، وذلك بسبب حادث سير لم يكن بحد ذاته “القاتل”، بل ذلك “التضافر الناجح” بين الحادث وإهمال المستشفيات. إذ وقع الحادث على طريق عام شقرا حولا فيما المستشفى الحكومي الوحيد على بُعد كيلومترات عدة، ورفضت إدارته إدخال الجرحى وحالتهم خطرة، ثم رفض مستشفى آخر إدخال المصابين وتقديم الحد الأدنى من الإسعافات قبل دفع مليوني ليرة سلفا! بالإضافة إلى سيارة الإسعاف غير المجهزة حتى بقارورة أوكسيجين.. وأخيرا وزارة الأشغال العامة والبلدية اللتين لم تتكلفا عناء وضع شارات تنبيه أو جدران دعم للطريق نفسها التي شهدت حوادث مماثلة عدة من قبل.

قبل أيام أحيا أهالي مجدل سلم ذكرى فقيدهم وأعقب ذلك فورا تقدم علي حرز شقيق الضحيتين بشكوى في عدلية صيدا ضد مجهول على أن تتبعها شكاوى ضد وزارة الأشغال العامة ومتعهد الطريق والمستشفى الحكومي والبلدية “التي لم تكلف نفسها برغم عشرات الحوادث عناء تدعيم جانب من الطريق بحائط دعم يقي العابرين شر السقوط في واد بعمق يزيد عن مئة متر” كما يقول علي حرز مضيفا: “لو تكبدنا عشرات آلاف الدولارات سنستمر بالدعوى وسنكلف المحامين المختصين وسنعقد قريبا مؤتمرا صحافيا حتى يكون هناك حساب للإنسان في لبنان”.

في التفاصيل أن الشبان الثلاثة انطلقوا من المجدل وعبروا طريق عام شقرا حولا التي تقع على كتف واد عميق كان الاحتلال قد شقها لأغراض عسكرية وعبّدها أحد المتعهدين بعد التحرير، من دون ان يراعي تحول أهدافها من وسيلة عسكرية أمنية إلى طريق مدنية، فظلت معالمها ضيقة ومتعرجة لا تحمل بالمطلق شارات مرور أو لافتات تحذر من مخاطر الانحراف والعبور.

وهكذا، فوجئ الشبان الثلاثة بشاحنة لا تكاد الطريق التي يقل اتساعها عن الأمتار الأربعة تتسع لها وحدها، وخلفها إحدى السيارات محاولة تجاوزها بعدما ضاق ذرع السائق من الزحف وراءها، فانحرف قيس يمينا إذ قذفت مقدمة الشاحنة سيارته التي هوت على وقع كلمات أخيرة قالها “لا لا يا رب لا..”.

لم تنته القصة في عمق وادي السكسكية حيث ركنت السيارة أكثر من ساعة وفيها الشبان الثلاثة مضرجين بدمائهم.

فالمستشفيات التي نقلوا إليها كانت أكثر قسوة من الحادث وأسبابه وظروفه، يقول والد قيس الذي يتحسر على ولديه، ويسأل مفجوعا “هل تصدقون أن قيس مات لأن الإسعاف لم تكن مجهزة بقارورة أوكسيجين وغير ذلك من المعدات الطبية الضرورية للحالات الطارئة”؟

ويضيف الوالد سببا آخر لموت ولده: “لقد تعاطى أطباء المستشفى الحكومي الوحيد في قضاء بنت جبيل ببرودة وإهمال مع حالات الجرحى ولم يلتفتوا إطلاقا إلى قيس بسبب إصابته البليغة علما أن كل من كان موجودا في تلك اللحظة أكد أن قيس ظل حيا لساعات، ووصل أنينه الى مسامع الجميع، لكنهم رموه جانبا والأكثر من ذلك أنهم نقلوه بعدها بسيارة لا تشبه سيارات الإسعاف بشيء بل كأنها سيارة مخصصة لمسالخ اللحوم والزرائب لا تتوفر فيها عبوة أوكسيجين واحدة كان يمكن أن تبقيه حيا في ما لو توافرت، كما أكد لنا أكثر من طبيب وذلك حتى يصل الى مستشفى آخر مجهز ومستعد لاستقبال حالات طارئة من هذا النوع”!

تختنق كلمات الأب المفجوع فيأخذ ابنه الأكبر علي عنه دفة الحديث ويتابع “لم يوافق المعنيون في المستشفى المذكور على نقل قيس في الإسعاف فهم يئسوا من حالته قبل أن يلمسوه وقرروا اعتباطيا تركه ليموت، لكن شقيقه باسم راح يصرخ رافضا أن يتحرك إلا برفقة أخيه إلى أي مستشفى آخر ويا ليت الآخر كان مستشفى بل مسلخا يتاجر بأرواح الناس، فقد رفضوا إدخال الجرحى وإجراء الإسعافات الضرورية لهم قبل أن يدفعوا مليوني ليرة سلفا! ظل الجرحى مرميين على باب المستشفى في صور وسائق الإسعاف يفاوض المعنيين في الداخل، إلى أن حضر بالصدفة أحد أقاربنا وهو عنصر في مخفر درك البص فحاول حل الموضوع بالحسنى قبل أن يرفع سلاحه في وجه الأطباء مهددا كل من في المستشفى إذا حصل أي مكروه للمصابين.. ورغم الظرف الحرج الذي وقعنا به لاحقتنا إدارة المستشفى وكأننا نصابون، ففي صباح اليوم التالي وبينما كنا منهمكين بلملمة الجنازة ومتابعة أوضاع باسم الذي كان في غرفة العناية الفائقة، أرسلوا لنا شخصا من قسم المحاسبة وراح يهدد ويتوعد قائلا إذا لم تدفعوا ثلاثين مليون ليرة رح تشوفوا شي ما بيرضيكم”!

يأخذ واقع الحال الدرامي علي إلى مقارنة عفوية بين بلد عاش فيه سبعة عشر عاما “ولم أر إهمالا واستهتارا الى هذا الحد وبين لبنان الذي يريدوننا كل يوم أن نعود إليه دون أن يوفروا سببا واحدا من أسباب العودة الكريمة”، ويسأل كيف سنرجع إلى بلد الناس فيه أقل قيمة ومكانة من الكلاب؟ أتعلمين لماذا أقول الكلاب لأنهم في أميركا يخصصون لهم مستشفيات ومراكز طبية وسيارات إسعاف مجهزة ويطعمونهم بالملعقة أثناء مرضهم، في وقت يموت فيه شاب في ربيع شبابه كلفنا مئات آلاف الدولارات لأن سيارة الإسعاف رثة لا يوجد فيها قنينة أوكسيجين واحدة بمئة دولار أو أقل”!

باسم الذي كان ينتظر المزيد من العمليات الجراحية في المستشفى بعد أن استأصلوا له الطحال وجزءا من المعدة تمنى لو بقي في أميركا وقال “هذا البلد ليس لناسه وأهله بل لحكامه”. ويؤكد انه “لو مات قيس في حادث مماثل في أميركا لكانت الدنيا قامت ولم تقعد ولذلك قررنا إقامة دعاوى وسأكون شاهدا فيها على كل الإهمال الذي واجهنا بدءا من الطريق حيث وقع الحادث مرورا بالإسعاف وصولا الى المستشفى”.

 
 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic