صحن حساء مربّع.. لا ينتهي
جهاد بزي

السفير (الخميس، 6 أيلول 2001)

 

انخرط متولي في السلك العسكري، واصاب نجاحات باهرة، فرقي الى رتبة شاويش دفعة واحدة.

كانت حياة متولي في السلك هانئة الى حين قدوم مجند جديد مشاغب. صفعه متولي صفعة عظيمة فما كان من المصفوع الا ان اخرج صورة شفيقة من جيبه ووضعها في وجه الشاويش الصعيدي الجذور والنشأة.. وشفيقة بالطبع هي اخت متولي.

الحكاية عتيقة.. والرحلة من ميتشيغن الى نيويورك تحتاج الى سبع عشرة ساعة من القيادة. كان العرض بمشاهدة تمثال الحرية مغريا، فقبلت بالسفر مع الصديق في شاحنته المغلقة كي يبتاع بالجملة بضاعة من هناك.. لم اعرف عن محمد طه من قبل، اما الصديق فيدمن اغنية تمتد الى نصف ساعة يروي خلالها طه ما كان من اثر شفيقة ومتولي عبر رباعيات من العتابا المصرية تتكرر فيها الكلمة ذاتها مرات ثلاث ويتغير معناها مع كل مرة.

لازمة موسيقية يتيمة سرعان ما تلتصق بخلفية ما في الدماغ وتروح تستعيدها بتلقائية مزعجة. والوهم الذي اوحى برحلة ممتعة نعبر فيها اكثر من ولاية تبدد مع سلوكنا طريقا واسعة لا تنتهي محاطة دائما بالاشجار..

لم انتظر مفارقة كهذه: شرف متولي على المحك فوق الطرق السريعة لاميركا. اميركا التي خرجت من صورتها الكلية المحفوظة في ذهني كراية او وجه وزير خارجية او سبابة رئيس عتيد. صارت اشد واقعية. خافت كل ما اعرف عنها، ومع ذلك كانت مألوفة، كأنني عشت فيها من قبل.. في حياة سابقة ما لا اؤمن بها، في لحظة معينة لا اذكرها.. كأنني كنت هنا..

هذه هي الولايات المتحدة الاميركية، وذاك هو لبنان.. هنا السناجب فقط شاردة في هدوء الشوارع. هنا يختفي الدركي العصبي من تحت شمس تقاطعات الطرق. صوت الزمامير نادر ومحال السمانة اسواق شاسعة. هنا يوجد قطار، ولا احد يهتم لقضية الشرق الاوسط لان قراءة البريد اليومي ودراسة افضل عروض شراء حذاء او هاتف خلوي تقضي على نهار من دون انتباه صاحبه. الاشياء في الولايات المتحدة لا تنتهي. الارقام مليئة بالكسور و”بالسنت” الناقص الذي يعتمد خطة نفسية غبية اضحت معروفة ربما في البلاد الشيوعية الذكر سابقا.. لا وجه شبه بين المكانين. من اين لي هذا الشعور الغريب بانني كنت في اميركا من قبل؟

ركض متولي الى الضابط المناوب متوسلا اجازة. ركب القطار الصعيدي. عند باب البيت، نادى والده، فراح هذا يشكو لابنه الام العظام من خلف الباب. اين شفيقة سأله. “ماتت”، قاله له. ثم اعترف لانه الفائر الدم بأن “اختك مشت على حل شعرها”.

الى اسيوط في قطار ثان. التقى متولي بزمرة من اصحابه واخبرهم بمصابه فذهبوا جميعا الى القهوة.. رفض الرجل شرب شيء بعد ان سقاه الزمن المر فانجده صاحب المقهى بان دله على بيت شفيقة سائلا: انت قريبها ام زبونها؟..

نيويورك اخيرا. دفع الصديق مالا عند نقطة عبور كي يدخل اليها. اين تمثال الحرية كي اصاب بالقرف منه؟ اه.. انه في المقلب الاخر من الولاية ولا وقت لدينا لرؤيته. دلفنا الى شوارع مدينة مانهاتن. ازقة ضيقة قذرة ومحال تجارية يعلو واجهاتها الغبار. خليط مضحك من البشر. عربة صغيرة لبيع “الهوت دوغ” بلافتة انكليزية تقول: "halal"، يقف قبالتها بائع حليق الرأس والشاربين مطلقا لحيته.. سود وبيض واسبان وهنود وقوائم من الالوان. رجل مستعجل الخطوات برداء وقبعة سوداوين ولحية وسالفين مجدولين. يهودي متشدد في وضح نهار مانهاتن.

من الشارع الى مصعد فيه اربعة اشخاص يتحدث كل شخصين منهم بلغة. ومن المصعد الى غرف ضيقة مكدسة بالبضاعة حيث يقف تاجر سوري اللهجة وبقربه ابنه نوري. بعدها نذهب الى تاجر لبناني ولا نتعانق مع زبائنه اللبنانيين ولا نتبادل اطراف الحديث حتى نعود الى التاجر السوري وابنه بعدما اعلم انهما يهوديان. يرافقنا نوري الى مكان ثالث ويخبرنا ان والده يزور سوريا سنويا.. وفي طريق العودة يقول ان اخته فرحت لزيارة نيويورك قبل ان تقفل راجعة الى اسرائيل..اختنق.. هذا نوري الذي يسمي نفسه دوغلاس يختصر بكلمة تاريخ صراع بعدما حاولت الا احكم عليه مسبقا. “وين عايشة اختك بفلسطين؟” اسأله كي لا تمر كلمته من دون حق الرد. لا ارى وجهه لكنه يسكت تماما بينما ينفجر صديقي ضاحكا ومعيدا السؤال مرة بعد اخرى على نوري المسكين.

نغادر المدينة المكتظة بالكرة الارضية. هذه حاملة الطائرات نيوجرسي رأيتها سابقا على بحر المنارة. هي الان متحف في محيط اخضر تعلوه سماء مغبشة كئيبة.. صعد متولي الى شقة اخته. توسلت اليه ان يغفر لها فاستل السكين وطعنها به حتى “عزل الجثة من زورها.. وتلف منظرها” كما يقول طه بسعادة بالغة.

اميركا صحن حساء.. تذوب فيه الاعراق والالوان.. تتلون كلها بلون واحد.. كنت هنا من قبل. علي ان اتذكر وحسب. احقد على الجغرافيا، بيد ان السير في الطرقات مستحيل بدون خارطة. على الخارطة تنقسم الشوارع الى افقية متوازية واخرى عمودية تقطعها. على اطراف المربعات التي تخلقها الشوارع، تتراصف البيوت الصغيرة القرميدية المتشابهة، والبنوك والمتاجر ومحطات البنزين.. وفي صحن الحساء، يذوب البشر في الدوران الابدي بين المربعات. يكسبون مالا من الاخرين ويدفعونه بدورهم.. قد يتعرضون لصدف سيئة فيخسرون دفعات من المال لم تكن في حسابهم. وقد يفوزون بجائزة اليانصيب الكبرى التي تخطت سقف المئة مليون دولار واصابت ناس ميتشغن بالحمى.

وقف متولي الى شرفة منزل شفيقة القتيلة وطلب من الشرطة طبلا فنال طبلا.. نزل به الى شوارع اسيوط واعلن للملأ انه غسل عاره.. الحياة في الولايات المتحدة تسير ضمن مربعات. الان تذكرت. الولايات المتحدة الاميركية اضخم رقعة “مونوبولي” في الوجود. القاضي، واسمه حسن، وافق متولي المتهم في ان قطع الغصن المائل في الشجرة فعل حسن، واعطاه ستة اشهر من السجن فقط.

تعاطف القاضي ومحمد طه مع متولي الذي عاد الى الجيش مرفوع الرأس وقد انقذ شرف بلده. تعاطفا كما فعل الصديق الذي لم يذب تماما في صحن الحساء ولم يبرر للساقطة فعلتها.

بعد يومين من الرحلة وقعت على المشاهد الاخيرة من فيلم شفيقة ومتولي يعرضه تلفزيون المستقبل.. كانت شفيقة سعاد حسني ابهى واعمق من تلك التي في الاغنية، ولم يقتلها متولي (احمد زكي) بل العسكر.

كيف انتهت حكاية سعاد حسني؟ هل كشف التحقيق جديدا حول موتها الملتبس؟ قتلت ام مضت بملء ارادتها؟

 

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic