في ديترويت.. في الشارع وفي الجامعة
عرب.. ورغماً عن أنوفهم أتباع “ابن لادن”
جهاد بزي

السفير (الجمعة، 14 أيلول-سبتمبر 2001)

“خلينا نسكّر ونفل عالبيت أحسن”.

بدت العبارة بلهجتها اللبنانية الخالصة مقتطعة من زمان ومكان مختلفين. كان الرجل يقف في متجره لبيع الدواليب محدقا في شاشة انقسمت الى نصفين ينقلان مباشرة برجي منهاتن يحترقان والدخان المتصاعد من مبنى البنتاغون.

إلى جانبه وقف لبناني ثانٍ وشاب عربي. راح الثلاثة يناقشون الحدث الذي صار عربيا منذ اللحظة الأولى لإعلانه "America Under Attack".

“الله يسترنا”، قال الرجل بعدما تحمس الشاب لفكرته التي تتنبأ بسقوط أميركا بعد هجوم أو اثنين من هذا النوع.. “إنشالله يكونوا أميركان” قال، “كارثة إذا كانوا عرب”.. وفي خضم دهشته، أفلتت كلماته بدون أن يوجهها الى أحد.. “الله يسترنا.. متل هيديك المرة وقت أوكلاهوما.. أقاموا القيامة علينا، وطلعت منهن وفيهن”.

صباح الثلاثاء، كانت الولايات المتحدة تستفيق على أفظع كارثة في تاريخها، بحسب تلفزيوناتها وإذاعاتها، لكن الرجل الواقف في متجره الواقع في “وارن”، الشارع الذي لافتاته العربية تفوق عددا مثيلاتها في أي شارع لبناني، كان يهجس بسؤال واحد: “من؟”. بعد أقل من ساعة، في فرن يقع على الشارع نفسه سألت الموظفة اللبنانية عن سبب غياب شاشة التلفزيون عن الفرن بعدما أخبرها زبون عن سقوط ناطحتي السحاب. كانت تريد الفرجة. لكنها عندما علمت بأنه عمل مدبر، ضربت بكف يدها على فمها وأبقت عليها، وقد اتسعت حدقتا عينيها.

فرض الخبر الداخلي نفسه إذن على جالية واضحة الملامح العربية. جالية تتابع يوميات الأخبار العربية ويتجادل ناسها في السياسة كأنهم لا يزالون هناك، في بيروت وفلسطين وبغداد وصنعاء. بيد أن الثلاثاء الأميركي جعلهم، بلحظة، ورغما عن أنوفهم، من أتباع أسامة بن لادن. وفي ضجة النقل الاذاعي المباشر، كان المذيع في إذاعة محلية يطلب من الأميركيين أن لا يتسرعوا في أخذ الأحكام المسبقة والافتراضات التي قد تكون خاطئة وخطيرة بشدة في مدينة مثل ديترويت تحديدا، حيث “التنوع السكاني” الذي ما لبث ان سماه باسمه: “العرب الاميركيون”.. كثيف.

في مكان آخر، مساء ذاك اليوم، رضخ البروفسور الاميركي لرغبة طلابه في عدم التدريس والاستعاضة عن الدرس بحوار مفتوح بين غالبية بيضاء ورجلين آسيويين، كان الاستاذ هادئا في شرحه لوجهة نظره التي تقول بالتروي، ووافقه معظم الطلاب. حاولوا جاهدين ان لا يسمّوا اي طرف محتمل لكن واحدة منهم أرادت فجأة الاستماع الى “رأي الصينيين”، ثم ما لبثت ان قدمت عرضا “موضوعيا” استنتجت من خلاله ان بن لادن هو الفاعل، قاطعتها طالبة اخرى منفعلة وحاول الأستاذ الارتقاء بالكلام الى مستوى اكثر اكاديمية، فتحدث عن الإسلام الذي يشبه المسيحية في تعداد مذاهبه وطوائفه، سألته الطالبة ان يفسر الاسلام. وما أن بدأ بالتعريف حتى جاء صوت من آخر القاعة يقول إن الفلسطينيين كانوا يحتفلون في الشوارع. ساد صمت أنهاه الاستاذ بقوله “ان علينا كأميركيين ان نفكر قليلا في ما تفعله دولتنا خارج الحدود”.

جاء التعليق على الكلام من وادٍ آخر: “الجامعات في ديترويت، حيث الثقل العربي، كانت “اول من اغلق ابوابه”. طوال فترة النقاش، كان الآسيويان يهزان برأسيهما، لكنهما لم يشاركا بكلمة.

الصف الذي ضم ما قد يتفق عليه بأنه نخبة مثقفة، لا يعكس بالضرورة رأي الشارع الاميركي... ومع ان التهجم على العرب لم يتعدَّ الاتصالات الهاتفية الشاتمة والمتوعدة، الا ان الجالية تبدو بانتظار عاصفة لا احد يعلم من اين تهب عليها... والمخاوف تروح في غير اتجاه، ان في اتجاه الميليشيات الاميركية المسلحة، او في اتجاه الحكومة نفسها التي قد تضيّق على المصالح العربية وعلى “غير الشرعيين” من العرب. ويبقى “بن لادن” الرجل الخفي بالقطة والخاتم الذهبي، يثير قلق الجالية اكثر مما يثير قلق الحكومة... وفي سماء خلت من طائرات لا تفارقها في الليل والنهار، “إذا طلع بن لادن عاملها.. ما في إلي إلا أهرب عالبغل من هون”.. يقول شاب لبناني ساخرا. وحتى ايجاد البغل الذي يتحمل مشقة رحلة خيالية كالتي ينويها، عليه الذهاب ليلاً الى محطة البنزين حيث يأتي مراهق أبيض ويمازحه: “لماذا فعلتم ذلك؟”، ويسأله آخر: “أين ستضربون غدا؟”. وحين يدور نقاش عالق في مساحة ملتبسة من الجد والمزاح، يخبره الأميركي بأنه سيجتاح المحطة بالسيارة.. ليدمرها.

يفعل العرب ما في وسعهم ليعلنوا عن “براءتهم”. ويحاول الإعلام المحلي دعمهم بما استطاع من وسيلة.. تظهر صور فتيات محجبات يشعلن الشموع حزناً على الضحايا. غير أن الرايات الأميركية المنكسة في أنحاء الولايات كلها تشير بأصابع الاتهام، بشكل أو بآخر، الى عرب أميركا، الذين هم الآن عرب بملامحهم وأماكن وجودهم ومخاوفهم العديدة. عرب لأقصى درجة في تاريخ حياتهم.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic