العودة إلى صور: المقاعد تشمّمتني كما لو كنت لصاً
شوقي بزيع

السفير (الجمعة، 21 أيلول - سبتمبر 2001)

لم أكن بعد قد قرأت التوراة ولا كتاب التاريخ حين تعرفت الى صور، فمعرفتي بالمدينة لم تبدأ من التاريخ أو الاسطورة او الكتاب المقدس بل من العين المجردة ومسرح المشاهدة القديم، ذلك أن القرية التي ولدتُ فيها ونشأت تطل على صور من جهة الجنوب الشرقي، وتتربع فوق احدى الهضاب العالية التي تتيح للناظر المتأمل ان يشاهد من المتوسط رقعة شديدة الزرقة تمتد من حدود الناقورة في الجنوب الى تخوم عدلون في الشمال. 

كانت صور في ذلك الزمن نتوءا بريا شديد الإيغال في لحم المياه العظيمة المترامية، او خنجرا أبديّ الطعنة في خاصرة المتوسط الشرقي، وكانت بالنسبة للطفل الذي كنته رمزا للوجود المحفوف بالمهالك، وللمدينة التي تسرق الأطفال من طفولاتهم وتذهب بهم الى حيث لا يعودون. لذلك لم اكف، خلال سنواتي العشر الأولى، عن النظر الى المدنية البعيدة الا بوصفها انزلاقا للجسد عن جذوره الأم وانحدارا لا تحمد عقباه عن شجر البدايات. فالمدينة هي الصخرة الأخيرة التي ترتسم فوق شفيرها الحدود الفاصلة بين صلابة الحجر وهلامية الماء. والفلاحون الذين كانوا يغادرون قريتهم في الصباح، لشراء اغراضهم وحاجياتهم من المدينة، سرعان ما يستبد بهم الخوف من الوقوع في فخ الامواج وشدقها الفاغر فيعودون بأسرع ما يستطيعون نحو مسقط رؤوسهم الآمن. لقد ظلوا يؤثرون التحديق من بعيد في صورة البحر المنتصب قبالتهم كمرآة عمودية المياه. أما المراكب التي كانت تنطلق من مرفأ المدينة باتجاه الغرب فكانت مجسماتها المرئية تتضاءل شيئا فشيئا قبل ان تذوب كالنقطة في الفراغ الأزرق، ويذوب معها المسافرون على متنها الى ابعد الاصقاع والمهاجر. 

وإذا كان لي ان انسى الكثير من التفاصيل فلن أتمكن على الاطلاق من نسيان تلك الحكاية التي يحفظها القرويون عن ظهر قلب، والتي عكست بشكل جلي توجسهم من المدينة ومن بحرها المجاور على وجه الخصوص. تلك الحكاية التي لا اكفّ عن روايتها كلما حاولت ان أتلمس لصور مكانها المناسب من القلب والروح، والتي تختزل بامتياز حذر الفلاحين من البحر وترددهم في ارتياده. ففي الثلاثينات من القرن الفائت عزم اربعة شبان من القرية على السفر الى افريقيا هربا من العوز والفقر، وبحثا عن الثروة التي تناهت اخبارها المضخمة الى أسماعهم. ولما لم يستطع ذوو الشبان الاربعة ثنيهم عما عقدوا العزم عليه فقد رافقتهم القرية بأسرها الى آخر المنحدر المكسو بالسنديان الذي يتصل بمشارف البحر من جهة الغرب. غير ان المودّعين من أهالي القرية لم يدخلوا الى بيوتهم بعد ذلك بل انتظروا ظهور المركب الذي يقل المسافرين الى عرض البحر، ثم اقتلعوا الدرف المثبتة في خزائن البيوت وأخذوا يلوحون بمراياها الطويلة قبالة المسافرين الذين أعشت الشمس المختزنة في المرايا عيونهم المحملقة، وغرقوا جميعا في نشيج مكتوم ثم عادوا أدراجهم الى القرية عند الوصول الى أول المرافئ. 

ملحمة المرايا 
كان عليّ في العاشرة من عمري وبحكم الدراسة ان أقابل المدينة وجها لوجه وان اقطنها لسنوات ست، هي الفترة الممتدة بين نهاية المرحلة الابتدائية وبداية المرحلة الجامعية. بدلت يومها غرفا كثيرة معظمها ضيق ورطب وغير صحي. كانت غرفا شبيهة بالجحور او الملاجئ أو الأنفاق أعدها الصوريون للإيجار وخصصوها للفقراء من ابناء الريف الملتحقين بمدارس المدينة المتعددة. ولما كانت الأموال قليلة، كوسائل النقل، فقد كان عليّ أن أنتظر أشهرا ثلاثة على الأقل قبل أن أزور القرية في مناسبات الاعياد المتباعدة. خلال ذلك كنت أذهب الى شاطئ البحر أو الرمال الخالية لكي أتأمل من بعيد الهضاب التي تقع فوقها القرية، محاولا بجهد بالغ أن أتبين المعالم الشاحبة للطرق الترابية والأزقة والبيوت. كان على العين وحدها ان تقوم برحلتها المعاكسة من الغرب الى الشرق لتستطلع أثر الحريق الذي خلفته الطفولة في النفس او تتقصى هبوب غيمة محمولة فوق رياح الشمال او جناح طائر موسمي يحلق حيث لا أستطيع التحليق. ولما لم يكن هناك كهرباء تشير الى موقع القرية في الليل فقد تمكنت من إقناع طفل صديق عائد الى القرية بأن يشعل “اللوكس” المستعمل للانارة ويلوح به في ساعة محددة من الليل لكي أستطيع أن أراه في الظلام المطبق. كأنني كنت دون وعي أستعيد ملحمة المرايا التي صنعتها مخيلات الاهالي في الزمان الغابر والتي ما انفك لمعانها الآسر يرفدني حتى اليوم بأكثر من قصيدة ونص. 

في الثانية والعشرين وبعد تخرجي من الجامعة، عدت الى صور مدرّسا في ثانويتها الرسمية لثماني سنوات كاملة قبل ان اغادرها نهائيا إبان الاجتياح الاسرائيلي الواسع للبنان عام 1982. غير ان المدينة لم تكن نفسها هذه المرة ولم يكن المقيم هو المقيم في زمن الطفولة، ولا كانت نفسها الرؤية والعلاقة وزاوية النظر. فبالقياس الى بيروت، التي احتضنت سنوات الجامعة والتظاهرات والصخب وتحولات الحياة الكبرى، لم تعد صور هي الخارج المفتوح على الغربة والاقتلاع والفضاء العدو، بقدر ما أصبحت امتدادا شديد الإلفة لسرير البدايات وطريقا شبه إجباري لاختبار الجذور في جانبها الرملي. باتت المدينة، كما شأن مدن الاطراف، ضاحية اخرى من ضواحي الطفولة والصبا الأول وهبوطا بالقلب والجسد نحو ذلك البرزخ النحيل الذي صنعه الاسكندر من حجارة المدينة البرية ليحاصر بواسطته المدينة الاخرى المقيمة في جوف البحر. ثماني سنوات من الاقامة الثانية في كنف المدينة التي تنام وتستيقظ على ايقاع الموج كانت كافية تماما للإصغاء الى نحيب التاريخ الذي يبث إشاراته في نواحي المكان ويحول الحاضر الرخو الى فاصلة صغيرة من فواصله وأحواله. 

القذيفة الاولى التي سقطت على رأس المدينة اطاحت بكل تلك الهناءة الوادعة التي مكنت صور، ولزمن طويل، من ان تدفن رأسها كالنعامة في رمال الزمان او ان “تسقط من جيب التاريخ” كما وصفها عباس بيضون في قصيدته الشهيرة. فالقذائف المتتالية التي بقرت بطون البيوت وغرف الدراسة أتاحت لنا من جديد أن نقرأ الماضي بعين الحاضر وأن نتلمس نبوءة حزقيال عن “المدينة المسكتة في قلب البحر” وتوعدات ارميا النبي “بالأعواد التي لن يسمع صوتها بعد” وان نسمع الانهدام تلو الانهدام لعاصمة فينيقيا التي تتوسع تارة الى تخوم قرطاج، وتضيف تارة اخرى لتصبح بحجم شبكة صغيرة لصيد الأسماك او بحجم بركة صغيرة من الدم خلّفها وراءه عبد اللطيف سعد وسقط مضرجا بالرصاص الحليف. وحين غادرنا المدينة باتجاه الشمال خلّفنا وراءنا، عباس وأنا، قصيدتين طويلتين في رثاء المدن، وحمل كل منا ثلما عميق الغور في تراب الروح ومفتاحين اثنين لمنزلين عاريين في هباء الشباب الغارب. 

تسعة عشر عاما مضت وأنا أحتفظ بالمفتاح الذي لم يقدني الى صور سوى مرات قليلة ولأوقات شديدة القصر. بالأمس فقط خطر لي أن أعود لأتفقد الشخص الذي غادر المدينة في أوج شبابه اليافع. وحين وضعتُ المفتاح في ثقب الباب الموشك على الاهتراء بدا لي وكأنني لا أفتح منزلا من المنازل بل حياة تنازلت عن بهائها للغبار والرطوبة والعناكب. كأنه باب في الزمان ذلك الذي انكشفت من ورائه أمعاء المكان المخلع. الأثاث القديم في مكانه كما تركته قبل عقدين، الحنفيات والنوافذ والأواني علاها الصدأ، وكذلك الذكريات والضحكات وجلسات السمر والتنهدات والقصائد وأضغاث النساء اللواتي أحببتهن في مطالع العمر. لا شيء تعرّف الي. لا جدار تذكرني ولا قلامة غبار ولا خيط عنكبوت. كأن أحدا سواي ذلك الذي عاش سنوات خمس في ذلك المكان المقفر، شخصا أداهمه الآن على حين غرة وأدّعي انني كنته ذات يوم. المقاعد التي لم يجلس عليها أحد منذ عقدين راحت تتشمّمني كالذئب لتتيقن من أنني لست لصا او ضيفا ثقيلا او منتحل صفة، والسرير الذي تهالكت فوقه لم يهيئ لنومي ظلالا سوى الكوابيس. 

المدن لا تخون 
أدركتُ فجأة ان المكان يأخذ شكل البشر الذين يحلّون فيه وأنه لا يتسخ إلا بمقدار ما يتسخ أصحابه، وأن المدن لا تخون بل الناس هم الذين يفعلون ذلك. وتذكرت قول محمود درويش بأن “البيوت تموت إذا غاب سكانها”. ولأن المفتاح وحده لم يكن كافيا للعودة، ولا الباب كافيا للدخول، كان عليّ ان اتطهر من قدرتي على خيانة المدينة التي احببت. لذلك هرعت الى بحر صور لكي أنعم بغفرانه وأتطهر من وسخ العيش وأوصال الجحود. وفي قلب تلك المياه الأم وتحت موجتها الأكثر دفئا وعذوبة شعرتُ أنني خفيف كطائر وأنني أجتاز كالمسيح معمودية الماء لكي أولد مثله من جديد.


قصيدة "العــائد" - شوقي بزيع 1984

 
 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic