"الكل رجال شرفاء"
"All Honourable Men"
كتاب حول الأصول الاجتماعية للحرب في لبنان

الجزيرة نت (الإثنين، 1 تشرين أول - أكتوبر 2001)

خدمة كامبردج بوك ريفيوز

 
All Honourable Men

-اسم الكتاب: الكل رجال شرفاء: الأصول الاجتماعية للحرب في لبنان
-المؤلف:
مايكل جونسون
-عدد الصفحات: 298

-الطبعة:
الأولى 2001
-الناشر: آي بي تاوريس، لندن - بريطانيا.

مايكل جونسون مؤلف هذا الكتاب ورئيس قسم الدراسات الشرق أوسطية في جامعة ساسكس في بريطانيا باحث ومؤرخ متخصص في تاريخ لبنان الحديث, وكان قد أصدر عام 1986 كتابًا عن الحرب الأهلية اللبنانية بعنوان “Class and Client in Beirut أي "الطبقية والمحسوبية في بيروت". في ذلك الكتاب قدم جونسون رؤية تحليلية لتطور العوامل التي قادت إلى الحرب مبنية على منظور ماركسي. وتحديداً كان قد رأى أن السبب الذي أوجد مناخ الحرب الأهلية كان بروز الاستقطاب الطبقي الذي تولد بين طبقة رجال الأعمال والأغنياء في بيروت وشرائح المحرومين المهمشين في ضواحيها والقادمين من الريف تحديداً بسبب الميكنة الزراعية التي قادت إلى الاستغناء عن ألوف الأيدي العاملة. باختصار كان هذا التحليل الطبقي -وسواء تبناه جونسون أم غيره- يحوم حول إرجاع أسباب الحرب إلى اتساع الهوة بين طبقات مدنية غنية تحظى باقتصاديات ومصادر متنامية وذات علاقات وطيدة بالخارج متوارثة عن حقبة الاستعمار الفرنسي, وطبقات ريفية مسحوقة ظلت تعيش على الهامش ومحرومة من العيش الكريم والاكتفاء الذاتي.

بموازة التحليل الطبقي/ الماركسي لأسباب الحرب الأهلية كان هناك رؤى ودراسات أخرى تناولت بالتحليل نفس الحرب بهدف فهم وموضعة جذور تلك الحرب والخلفيات التاريخية لها واللاعبين الرئيسين فيها. بعض تلك التحليلات انطلق من منظور سياسي جيوبوليتيكي ركز على البيئة السياسية الإقليمية وأدوار الدول المعنية بالوضع في لبنان, وتحديداً سوريا وإسرائيل, ومن ثم تم تحليل دور كل طرف من الأطراف المحلية وفق نوعية التحالف الخارجي والداخلي ووفق الموقع الذي يحتله في المعادلة الإقليمية بعامة. كان هناك أيضاً نوع ثالث من الدراسات ركز على أن البعد الطائفي هو جذر الحرب الأهلية, ذلك أن غياب الانسجام والتوحد الطائفي والمذهبي في لبنان كان لا بد أن يقود إلى استقطاب حاد يقوم بحسب الخطوط الطائفية، خاصة في مرحلة ما بعد الاستقلال والتنازع على السلطة.


يرجع
السبب الأساسي للحرب الأهلية في لبنان إلى الثقافة الاجتماعية وطبيعة المجتمع ذاته وسيطرة مجموعة من مظاهر ومفاهيم خارقة لكل الطوائف، ومتبناة من قبلها جميعاً، ساهمت في إذكاء الكراهية والتأسيس للحرب الأهلية

السبب الأساسي وراء الحرب الأهلية اللبنانية:
كل تلك التحليلات والرؤى يراها مايكل جونسون في كتابه الجديد قاصرة عن تقديم فهم حقيقي ودقيق لأصول تلك الحرب, ويحاول هنا تقديم تفسير إضافي جديد وشامل. يقول هذا التفسير إن جذر تلك الحرب يقع في قلب الثقافة الاجتماعية وطبيعة المجتمع ذاته وسيطرة مجموعة من المظاهر والمفاهيم خارقة لكل الطوائف، ومتبناة من قبلها جميعاً، ساهمت في إذكاء الكراهية والتأسيس للحرب الأهلية. وأهم تلك الأنماط والمفاهيم التي يطرحها المؤلف هي المتعلقة بتضخيم معاني محلية وخاصة عن الكرامة والشرف والفتوة وإرغام الآخرين على الرضوخ بالقوة. ويبرز مظهر "الشرف" بشكل مركزي حيث يريد كل الرجال أن يبدوا شرفاء في عيون الآخرين مهما كلفهم هذا الأمر من تضحيات. وإذا كان اكتساب مظهر الشرف قد يأتي غالباً من خلال الدفاع عن النفس والعائلة والطائفة والممتلكات, فإنه قد تعدى ذلك خلال الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975 ليرتبط بمقدار ما قد يوقعه الطرف الباحث عن "الشرف" من عار في حق خصومه. ومن هنا, أي من الرغبة الجارفة بإلحاق العار بالخصم الطائفي, نبعت وحشية الحرب الأهلية وقسوة المذابح التي وقعت فيها. 

والنمط الاجتماعي الآخر الذي ينعطف على مفهوم "الشرف" ويرتبط به بشكل وثيق بل ويؤسس له هو "نمط الأبوية" السائد في المجمتع. وهذا النمط, أو المفهوم التحليلي, يقتبسه جونسون عن هشام شرابي, ويرى فيه أن شكل العائلة اللبنانية, والعربية بشكل عام, شكل أبوي صارم يقوم على سلطة الأب وخضوع الأبناء والزوجة له بشكل مطلق, وأن هذا الشكل الأبوي منعكس في كل مكونات المجتمع: في المدرسة, في المؤسسة, ومن ثم في طبيعة النظام السياسي نفسه الذي يقوم على سلطة عليا قاسية مستبدة بمن تحتها. ويرى جونسون أن مفاهيم "الشرف" "والأبوية الطائفية" (patriarchy) التي توارثتها الطوائف اللبنانية وأعادت إنتاجها على مدار القرنين الماضيين, التاسع عشر والعشرين, هي التي حددت معالم الهويات الطائفية المتنازعة وغذت الصراع فيما بينها.

على هذا فالشيء الجديد الذي يضيفه جونسون إلى فهمنا لمسيرة الصراع الأهلي في لبنان هو التأمل بعمق في الأبعاد النفسية والخاصة بالمشاعر والعواطف وتضخم الاهتمام بالتعبيرات التي تعلي من صور "الرجولة" و"الفتوة" و"القبضايات" كما يقول. ويرى أن تقابليات ثقيلة الوطأة مثل "الشرف والعار", "السيد والتابع", "قبضاي الحارة وسكانها" ليست قادمة من المجمتمع التقليدي بشكل كلي, بل هي نتاج تحولات المجتمع الحديث في لبنان في القرنين الأخيرين. فصيرورة التمدين وضعف مراكز القوى الريفية وانتقال الثقل إلى المدن اللبنانية أثار خشية "البطركيات" و"أنظمة السيطرة الأبوية" في كل الطوائف من أن تفقد نفوذها على الأفراد التابعين لها. وبالتالي فقد انتقلت رموز هذه البطركيات, بالمعنى السياسي للكلمة - وسواء أكانت هذه مسيحية أم مسلمة أم درزية - إلى المدن لترافق التحول المدني ولتضمن استمرار قبضتها على طوائفها, بل وبشكل أشد من السابق, أي في حقبة التمركز في الريف والقرى والضيعات. وهكذا فإن التحديث الذي أصاب المجتمع اللبناني تم إخضاعه واستثماره أيضاً من قبل التوزيعة الطائفية لتمكين نفسها من الاستمرار وإعطاء حياة إضافية لمنظومة قيمها. 

على أن تنافس زعامات تلك الطوائف, وتشبثها بقيم "الشرف والعار" كما يرى المؤلف لم يكن بالإمكان استيعابه ضمن سياق صراع سلمي على السلطة, فكان لا بد من الحرب. وباندلاع الحرب الأهلية تحولت لبنان التي كانت تسمى "سويسرا الشرق" إلى "بلقان الشرق" حيث ما أن تتوقف حلقة من الحرب حتى تندلع أخرى, وما أن يفشل تحالف ما بين هذا الطرف وذاك, حتى يقوم تحالف آخر, وهذا كله يتم في ظل صراع إقليمي آخر بين إسرائيل والدول العربية يؤثر في عمق المسألة اللبنانية. 

دور الوجود الفلسطيني في الحرب:
والواقع أن المؤلف يرى أن أحد أهم الأسباب, إن لم يكن السبب الرئيسي, الذي "عسكر" العلاقات الطائفية البينية في لبنان هو الوجود الفلسطيني المسلح بعد عام 1970 والذي كان يريد قاعدة عسكرية قريبة من فلسطين يمارس منها العمل المسلح. ففي تحليل الفصائل الفلسطينية آنذاك ولحماية ظهرها أثناء ممارستها لإستراتيجية الاستزاف في الجنوب اللبناني ضد إسرائيل عن طريق العمليات المسلحة, كان من الضروري إقامة أحلاف مع أكبر عدد ممكن من الأطراف والطوائف اللبنانية المؤيدة للوجود الفلسطيني ولممارسته الكفاح من الأرض اللبنانية. وبهذا تحول الفلسطينيون سواء رضوا أم لم يرضوا إلى طرف أساسي في التشكيلة الطائفية والسياسية اللبنانية, وأخذت معاني "الشرف والعار" وضرورة "وقف التمادي الفلسطيني" بالقوة والدفاع عن لبنان وسوى ذلك من شعارات, أخذت أبعاداً جديدة سعرت من نار العداء وأطالت من أمد الحرب.


مفاهيم "الشرف" و"الأبوية الطائفية" التي توارثتها الطوائف اللبنانية هي التي حددت معالم الهويات الطائفية المتنازعة وغذت الصراع فيما بينها

دور "الشرف" وأنواعه في الحرب:
يقول جونسون إن هناك ثلاثة أنواع من "الشرف" في لبنان ما قبل حروب السبعينات والثمانينات من القرن الماضي لعب الدفاع عنها أدواراً مهمة في تعزيز العقلية العسكرية والعنفية بين الطوائف خلال الحرب. النوع الأول هو ما كان يتمظهر على شكل "شرف النبلاء", وهو المكانة التي يتحصل عليها أحد الأفراد بسبب انتمائة إلى عائلة معينة, أرستقراطية في الغالب وذات نفوذ وتاريخ يعود إلى قرون ماضية. وفي المناطق الريفية كان هذا النوع من "الشرف" يبرز على شكل سيطرة ملاك الأراضي على القرى والفلاحين إلى درجة مستبدة في أغلب الأحيان. أما في المدن فقد كان هذا "الشرف" يأخذ أشكالاً أخرى تدور حول "زعامات" من كبار التجار الذين يسيطرون على أسواق وتجارة المدن, وهو نمط أكثر حداثة من النمط الريفي في السيطرة والزعاماتية. 

أما النوع الثاني من "الشرف" الذي يناقشه المؤلف فهو مرتبط بنوع قسري من الاحترام يفرضه المقربون من "زعيم ما" على الآخرين عن طريق القوة والعنف. وهؤلاء المقربون يكونون بمثابة الدرع الدفاعي عن "الزعيم" ويطلق عليهم باللهجة المحلية وصف "قبضايات". وهم طبقة ليست نظيفة وغير بعيدة عن الجريمة لكنها لا تعرف الرحمة في تطبيق رغبات وطلبات "الزعيم" وتنفيذ أوامره. 

النوع الثالث من "الشرف" الذي لعب دوراً مهماً هو "شرف النساء" والمحافظة عليهن, حيث كان هذا الأمر يمثل خطاً أحمر لكل طائفة, كما أن اختراقه من قبل الآخرين سواء في الحرب أو السلم كان يتم بهدف إذلال الخصم وتحطيم "شرفه". 

يرى جونسون أن هذه المقاربات "الاجتماعية والسيكولوجية" تقدم مناظير فهم أوسع وأقرب إلى حقيقة النوازع والدوافع التي أطلقت جنون الحرب الأهلية في لبنان. لكن من الواضح أن هذه المقاربات, على أهميتها, تعطي أوزاناً بالغة الثقل ووهمية أحياناً لعناصر في البنية الاجتماعية والثقافية اللبنانية, إلى درجة تغليبها على عناصر سياسية واقتصادية وتحالفية أكثر ضغطاً. فالمتأمل في أطروحة الكتاب لا يملك إلا أن يسأل نفسه أليست أنماط الشرف التي يناقشها المؤلف هي ذاتها الموجودة في معظم, إن لم نقل كل, المجتمعات العربية والإسلامية، لكننا لا نراها تلعب ذلك الدور المركزي في تشكيل العلاقات السلمية والصراعية بين الشرائح المختلفة. بل أبعد من ذلك يمكن القول إن عدداً كبيراً من المجتمعات غير الشرقية ينطبق عليها إلى هذا الحد أو ذاك تحليل "الشرف" الذي يتبناه المؤلف, لكننا لا نرى نوع النتائج ولا القدرة التفسيرية لهذا التحليل كما يراه ويطبقه المؤلف على الحالة اللبنانية.

 
 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic