مرتضى شرارة
أتراك اشتقت لتراب بلدك؟!

السفير (السبت، 6 تشرين أول - أكتوبر 2001)

إحسان شرارة

مع نهايةِ الربع الاول من القرن المنصرم، وفي بيت متواضع بسيط مؤسَّس على التقوى ومخافةِ الله وُلِد الطفل السادس للشيخ علي شرارة فأسماه “مرتضى” وكان خامس اخوته الذكور. 

في ثلاثينات تلكَ الايام ومرتضى طفلٌ يافع كان يتحلَّق حولَ “سماور” بيتهم الذي لا تُنسى نكهة شايِه حلقات أنيسة لجلسات ممتعة، يُتناولُ فيها الفقْه واللغة والبيان والصرف والنحو، ويُتطارح فيها الشعرُ والأدب في ندوات عامرة من علماء آل فضل والأمين وشمس الدين ومروة والزين وشرارة والكثير الكثير من رجال الدين... وكانت معها او بالاضافة إليها حلقات تشهد عراك السياسة، ومبارزاتِ الشعر، وهجاءَ الحكام، وتحجُّر التزمّت، ونُشدان التجدّد. 

تلك الشِّلة لا تزال تتردد أسماؤها، وقد خرّجت سياسيين وأدباء وشعراء ومؤرخين ووزراء... 

في مرحلة لاحقة وفي الثلث الثاني من القرن المنصرم توارى نسبيا دور الجيل الاكبر سناً، ليتقدم الشباب ويتصدوا للنضال الاجتماعي والعراك السياسي، فكانت أحداث سنة 1936 في بنت جبيل، ومجابهة التحجّر والتكفير والتسلط، وكانت قصائد
موسى الزين شرارة وعبد الحسين عبد الله وبعض رفاقهما من النادي الادبي التعبير الصارخ عن عنف المجابهة، والتي حفظها وردّدها كثير من الجنوبيين، وما زالوا يترنمون بها ويتوارثونها جيلا بعد جيل باعتبارها تراثا ورفضا وثورة وتحررا... 

أما مرتضى الابن الاصغر للشيخ علي شرارة فقد سافر الى بغداد ليلتحق بأخيه الاكبر محمد وليتابع دراسته هناك، تخرّج محامياً من كلية الحقوق ومارس الكتابة في جريدة الساعة... فهو بحكم نشأته كان شاعراً وأديباً ومثقفاً... 

لقد وعى الحياة في بيت أخيه الاكبر ابي ابراهيم... وابو ابراهيم شخصيةٌ فريدة تتميّز بغنى الثقافة، واكتناز المعرفة... هو بداية خرّيج النجف الأشرف، والعالم المتبحِّر الفقيه، العفيف... وهو في مرحلة لاحقة الانسان المنفتح، المتنوِّر، العنيف الذي لا يهادن... وهو الرائد الثائر الذي اختط لنفسه درباً ونمطاً رأى فيهما طريقة حياة وسبيل خلاص... ومن أجل ذلك كافح وناضل ولوحق وعذِّب وسجن... فما لان ولا هان ولا استسلم... في بيته وبين رفاقه الشعراء والادباء والصحافيين والعلماء والمناضلين وعى مرتضى ورأى بأم العين كيف تكون صلابة الصمود ومواقف التحدي ومعادن الرجال... ومن هذا الارث الفريد حمل الشاب مرتضى تراثا إنسانيا رَفَدَ ما كان اختزنَهُ في طفولته من نادي بيتهم في بنت جبيل بعد ان أكمله نادي أخيه في بغداد... حتى لكأن هذا البيت عبر جيلين مرصود للثقافة والانفتاح والحرية والتمرد والثورة!! 

في مطلع الخمسينات انتقل مرتضى الى إذاعة الشرق الادنى في قبرص ليعمل مذيعاً لعدة سنوات... نحن نذكر جيدا تلك الفترة وذلك الصوت المميّز والأداء السليم... ورجع الى الوطن ليمارس مهنة المحاماة ثم ليدخل سلك الوظيفة كقائمقام في بشري بلدة جبران وجادة الارز ثم لينتقل بعد سنوات الى بعلبك والهرمل... 

مرتضى شرارة هو ابن ذلك البيت العتيق المنذور أفراده للقلمِ الرشيقِ والفكرةِ المجنحةِ والعقيدة الراسخة... هم حفدة وأسباط وأبناء علماء، رجال دين مميّزين... تلازمهم الريشة ويصاحبهم القلم ويرتاح في أفيائهم الخيال... الواحد منهم مشروع أديب او شاعر، يلذُّ لك ان تقرأهم لتلمس نداوة النثر وطلاوة الشعر وجرس الترجمات!! 

هكذا عرفنا أبا ابراهيم شعراً ونثراً وأدب سياسة وسحر حديث، وعرفنا أبا طلال ناقداً ومثقفاً ومعلماً ومؤلفاً... وغرفنا بنهم من معين عبد اللطيف نثراً وشعراً وتراجم ومعارف موسوعية... وعلى هذا النمطِ قرأنا المرتضى شعراً رقيقاً، ورسائل موشاة منمنمة، وترجمات كما السحر المذاب... مرتضى كان قارئاً نهماً، وشاعراً مرهفاً، وناثراً رشيق الريشة، ومحدِّثاً لبقاً، خفيف الظل، أنيس المعشر، نظيف القلب... فلم يعرف سواد الحقد، ولا نار الحسد، ولا عمى البغض... مرتضى كان طفلاً كبيراً... طفلاً كبيراً عاش منذ طفولته غريباً عن بلده... فمن صور، الى بغداد، الى قبرص، الى بشري، الى بعلبك، الى الهرمل، الى بيروت، الى المغرب وفرنسا وايطاليا، أبداً موزّع القلب بين أسرته وأهله وبلده... 

في آخر رسالة لأخيه جواد كتب: لن أقول لك وداعاً سوف ألقاك في آخر ايلول. وكتب لأخته: سوف نلتقي في بنت جبيل التي أشتاق لكل ما فيها حتى للحجارة والغبار... أتصورها أجمل بعد التحرير!! 

وها هو قد عاد... او أعادوه في آخر ايلول... عاد وقد أغمض عينيه على أمل اللقاء، وسَكَنَ فيه قلب الطفل الكبير... وغامت البسمة عن شفتيه وأخذه النوم الموجع العميق... 

أيها المسافر الغريب... ها قد استعادتك الأرض التي إليها اشتقت... الأرض التي تصورتها أجمل وأنضر... هذا ترابُها المحرَّر من دَنَس، يشدُّك إليه، يضمك ويحتضنك. فسلامٌ عليكَ وعلى الأرضِ التي بادلتك الشوق والحب والحنان؟.

 
 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic