ماذا بعد انسحاب الفنلنديين والإيرلنديين من قرى الجنوب؟
ركود الأسواق وتراجع الخدمات والبدائل متنافرة

السفير (الثلاثاء، 6 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

ثناء عطوي

محلات بدأت تفتقد لروادها الدوليين
 

     مصالح عائلات بكاملها تتعطل بفعل قرار عدد من الوحدات المشاركة في إطار قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني العودة الى بلادها بعد ربع قرن من الحضور اليومي في المناطق الجنوبية التي صاروا جزءا لا يتجزأ من نبضها اليومي ولا سيما الاقتصادي الذي انتعش بفضل الاموال التي كانوا يصرفونها على المأكل والمشرب والملبس والترفيه. 

ومن المقرر ان يستكمل الجنود والضباط الايرلنديون الاربعون انسحابهم في الثاني عشر من الشهر الحالي وبذلك تكون الدفعة الثالثة والاخيرة من الايرلنديين قد غادرت لبنان وسبقها الى ذلك انسحاب الكتيبة الفنلندية تنفيذا لقرار الامم المتحدة بالتخفيض التدريجي لعناصر “الطوارئ” في الجنوب. 

وبيّنت جولة ل”السفير” على عدد من أصحاب المحال والمؤسسات التجارية في مناطق عمل الايرلنديين والفنلنديين (سابقا) وجود شعور لدى اغلبيتهم بأن الرحيل الدولي سيدفعهم نحو إقفال محلاتهم وبالتالي النزوح نحو العاصمة او الهجرة فيما بدت اقلية تراهن اما على فتح واختراع مصالح جديدة او على جدية الوعود الرسمية بالانماء والتطوير. 
 

برج قلاويه 

ففي بلدة برج قلاويه أقفلت ثلاثة متاجر من أصل تسعة أبوابها “بعد ان وصلت حركة البيع الى الصفر” كما يقول فادي نور الدين صاحب احد متاجر الالبسة مؤكدا ان اسواق البلدة لم تشهد ركودا الى هذا الحد منذ 23 عاما، لكننا فضلنا البقاء والاستمرار على التصفية والخسارة، ولا سيما ان فصل الصيف كان واعدا ومثمرا حتى دخل موسم المدارس فنزح اهل العاصمة ودخلت الاسواق في عزلة تفاقمت مع رحيل آخر جندي فنلندي عن البلدة. 

الهاجس المعيشي على اهميته ليس وحده مصدر قلق السكان، فالهم الاجتماعي والخدماتي يشكل عبئا ثقيلا على قرى بأكملها كانت ولا تزال تفتقر لابسط مقومات الاستقرار الاجتماعي، لذلك لا يرى منصور منصور صاحب احد متاجر الالبسة والاحذية في بلدة تبنين ان الجنود الدوليين “هم دولارات وحسب”، فتأثيرهم في المجال الانساني كان كبيرا لانهم عوضونا عن غياب الدولة ومؤسساتها، فوفروا الطبابة والاستشفاء لاهالي تبنين والقرى المجاورة من خلال مستشفى ميداني انشأوه في مركز كان يزودنا ايضا بالادوية والعلاجات المجانية، عدا عن النواحي الخدماتية الاخرى (إطفاء الحرائق ومساعدة ضحايا حوادث السير ومساعدات اجتماعية اخرى كالتي اعتادوا توفيرها لتلامذة ميتم تبنين من قرطاسية ومواد غذائية وألبسة وهدايا وألعاب وغيرها). 

يشعر اهالي القرى عموما انهم مدينون لجنود الطوارئ الذين لعبوا دورا كبيرا في حياة قرويين لا يملكون الا تبغهم المر وزيتونهم الكاسد، فقدموا الكثير من المساعدات التي كان آخرها قبل يومين مبلغ 4500 دولار لاحدى العائلات المستورة التي لم تجد من ينقذ طفليها المحتاجين لعمليات جراحية في عظام سيقانهم حتى يتمكنوا من السير، فبادر الجنود الى حملة تبرعات داخل مراكزهم جمعوا خلالها المبلغ المطلوب وسلموه الى رب الأسرة كما يقول علي عسيلي. 

الا ان حسنات وجودهم لا تبرر قلق اللبنانيين المبالغ فيه على حد تعبير منصور منصور كما لا يعني انسحابهم انقطاع “الاوكسجين”، صحيح ان هناك انعكاسات سلبية من الناحية الاقتصادية لكنها محدودة جدا. “وفي مقارنة بسيطة لحجم مشترياتهم مع مشريات الزبائن اللبنانيين نجد ان هؤلاء ينفقون احيانا اكثر من الدوليين، فأنا مثلا املك متجرين الاول داخل احياء البلدة ويعتمد على مشتريات اللبنانيين، والثاني قرب مركز الجنود ويعتمد على مشترياتهم، وكما ابيع هناك يوميا ابيع هنا، انهم يبحثون عن السلعة الارخص ثمنا!” 

وينقسم المستفيدون من الدوليين بحسب مواقع عملهم، فالمتاجر القريبة من مراكز الطوارئ لم تحصد إلا نتيجة واحدة هي إقفال الابواب مع قوافل المغادرين. ويقول ياسر مرتضى صاحب مختبرات للتصوير ان السياسة التي اعتمدها البعض اوصلته الى هذه المرحلة اي ان البعض اعتمد على مداخيل الجنود الى درجة انهم علقوا على ابواب متاجرهم عبارات مثل “ممنوع على اللبنانيين الدخول” ليجنوا ما استطاعوا من أموال وحركة الجنود الكثيفة التي لم تكن تهدأ خلال وجود الكتيبتين الايرلندية والنروجية معا. 

ويقول مرتضى مثلا انا استفدت من وجود الايرلنديين في بلدتي خاصة عندما كانوا يأتونني بعشرات الافلام للتحميض والتظهير بعد الاجازات وقبيل سفرهم لكنني حرصت في المقابل على نسج علاقات جيدة مع محيطي لانني كنت اعلم ان الايرلنديين لن يبقوا كل العمر عندنا، كانت مرحلة مثمرة قطف الجميع منها لذلك لا داعي للطمع وما جمعناه جيد لنواصل حياتنا بشكل لائق. 

نور الدين اقفل متاجره في برج قلاويه واتجه نحو العاصمة للعمل في المهنة ذاتها اي بيع الالبسة “لأن تصفية المحلات فيها خسارة كبيرة فوق خسارتنا خلال الاشهر الثلاثة الماضية” كما يقول، فيما قرر عسيلي إقفال متجره بعد شهر رمضان ليتجه الى مكان آخر هو سيراليون، مراهنا في بقائه عدة أيام بعد على الاسابيع الاخيرة التي تسبق رحيل حوالى خمسين ايرلنديا يتحضرون للسفر، ويقول: كانوا يشترون كل شيء لكنهم يفضلون الذهب والساعات وهذا فيه ربح لنا، لقد جنينا مبالغ من وجودهم وتحضرنا لهذه الساعة، نحن مدينون لهم من كافة النواحي ولن ننسى الاصدقاء الكثر منهم الذين احبوا الجنوب واهله وسعوا قدر الامكان لمساعدتنا في اصعب ظروف عاشتها المنطقة. 
 

تبنين 

اما علي حمود صاحب اكبر مكتبة في تبنين فأوضح ان تأثيرات خروج عناصر الطوارئ من المنطقة بدأت فعليا منذ ثلاثة اشهر عندما تلقوا بلاغا نهائيا حول مغادرتهم لبنان، فأحجموا عن شراء مجموعات القرطاسية التي اعتادوا تقديمها كل عام لتلامذة المدارس الرسمية في قرى قبريخا وتولين وبرعشيت، عدا عن الهدايا التي كانوا يشترونها بكثرة قبل موسم الاعياد “التي كانت بالنسبة لي مواسم جنى وارباح على عكس هذا العام، حيث كانت مخازن وادراج المكتبة تنفد من بطاقات المعايدة وزينة الميلاد والهدايا”. 

وتسأل هيلدا زوجة حمود “الا يمكن ان يصدر قرار جديد يبقيهم في البلدة؟ وعندما تواجه بالنفي من قبل الحاضرين تقول: ليس امامنا إلا تحويل المكتبة الى سوبرماركت فالأكل والشرب لا خسارة فيه كما هو الحال الآن والبقاء بدون عمل عيب ومصيبة. 

يقول حسن عسيلي الذي يملك محلين الاول في برعشيت اقفله بعد اخلاء الايرلنديين للبلدة من اشهر والثاني قرب مركز شمرك بين بلدتي حاريص وتبنين “ان سوق المنطقة دخل في حالة جمود مخيفة منذ بدأت قوافل الجنود بالعودة فصرنا نجلس طيلة اليوم دون ان نبيع بليرة واحدة بعد ان وصلت مبيعاتنا في الفترة الاخيرة الى ثلاثة ملايين في اليوم”. 

ويضيف: “تأملنا خيرا بالجنود الغانيين الذين تم استبدالهم بالايرلنديين لكننا لم نر وجههم حتى اليوم رغم مضي اكثر من اسبوع على وجودهم، فهؤلاء لن يكونوا كالايرلنديين لانهم لا يملكون نفس القدرات الشرائية، كذلك لن نكون مقصدا للبنانيين بعد تجربة الاشهر الماضية التي لم يدخل خلالها الى متاجرنا الا قلة منهم، لذلك أعلنت عن البدء بتصفية بضاعتي وباشرت اجراء معاملات السفر نحو افريقيا لأبدأ من جديد عملا مشابها في التجارة والبيع”. 
 

الموظفون 

حال التجار يبقى افضل بكثير من حال الموظفين لدى الكتيبتين الايرلندية والفنلندية الذين يبلغ عددهم حوالى خمسين شخصا، “فقوة عملنا دفعناها في العشرين سنة الماضية في خدمة الجنود” على حد تعبير حسن توبة الموظف سابقا في مركز الكتيبة الفنلندية، الذي يؤكد انه وغيره من الموظفين سيتأثرون سلبا “لاننا اضعنا فرص عملنا خلال مرحلة العطاء ولم نتعلم اي مهنة، فأنا تركت مدرستي لالتحق بالعمل بسبب إغراءات الراتب منذ عشرين عاما ولم افكر يوما بالسفر في الوقت الذي كنت قادرا على ذلك، اما اليوم فالخيارات ضاقت كثيرا ونحن امام ازمة فعلية لان فرص وابواب العمل مقفلة والهجرة صارت مستحيلة بعد ان اصبحنا متهمين اينما توجهنا الى بلاد العالم”. 

ويقول موظف آخر ان التعويضات التي انتظرناها من القيادة الدولية كانت زهيدة “فهم اقترحوا اعطاءنا نصف شهر عن كل عام خدمة، ونحن طالبنا بأكثر لان ذلك حقنا، والمفاوضات معهم جارية حتى الساعة، وفي آخر لقاء مع القائد العام لهذه القوات تم ابلاغنا بموقفه الايجابي ووعد بإثارة الموضوع مع الامانة العامة في نيويورك، وبانتظار ذلك نجلس في منازلنا دون عمل”. 
 

غوكسيل 

وازاء هذا الكلام الذي يحمل الدوليين مسؤولية ما قد يترتب على انسحابهم اقتصاديا ينبري الناطق باسمهم في جنوب لبنان تيمور غوكسيل للقول: “لا حاجة للتشديد اكثر من اللزوم على اهمية “اليونيفل” من الناحية الاقتصادية فلقد كان الايرلنديون على علاقة جيدة جدا بالسكان وقدموا لهم الكثير، لكنني لا اعتقد انهم اغرقوا المنطقة بالدولارات فهم لا يعدون دولة غنية، صحيح انهم وفروا فرص عمل ووظائف لبعض ابناء المنطقة سواء هم أم الفنلنديون لكن لننظر الى حجم الامور كما هو من دون الحاجة الى الافراط في التضخيم على الطريقة اللبنانية”. 

ربما يصح قول غوكسيل ان البعض يفرط في المبالغة ولكن الامر الذي يجمع عليه اهالي القرى ان الطوارئ ساهمت بإنتاج واقع اقتصادي اجتماعي خدماتي على مدى ربع قرن وهو واقع سيتغير مع انفراط عقد بعض كتائبهم ومغادرتها لبنان.

 

§ وصـلات:

 

 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic