روى قصة المشروع الذي أثار جدلاً بعدما نام سبعة أشهر في الادراج
المرّ لـ"النهار": اللامركزية بعد قانون البلديات
ومن صوّت داخل مجلس الوزراء لا يجوز له التكلم خارجه
 

النهار (الأربعاء، 14 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

مقابلة اجراها عباس صالح

الياس المر

في غمرة التأهب الامني الذي تعيشه البلاد منذ احداث 11 ايلول في الولايات المتحدة، وما تبعها من تداعيات اصابت لبنان كغيره من الدول، ووسط المشهد الضبابي الذي يلف المسرح السياسي المحلي الذي يتلقى "اللائحة" تلو اللائحة في شكل مطرد، اقر مجلس الوزراء في جلسته الاخيرة مشروع قانون البلديات الذي اعدته وزارة الداخلية والبلديات، بما يشبه الاجماع. 

ورغم الايجابيات العديدة لهذا المشروع فقد لاقى معارضة، ولو خجولة من بعض الوزراء والنواب والمعنيين، وكذلك من الطائفة الارثوذكسية التي اعتبرت ان من شأنه اذا اقر في صيغته الحالية ان يخل بميزان حقوق الطوائف ويلحق بها الغبن، فاعترض نوابها وفاعلياتها على ممثل الطائفة القوي في الحكومة وزير الداخلية والبلديات الياس المر. ونشبت ازمة صامتة لا شك انها ستنفجر في مجلس النواب عند التصويت على القانون واقراره. 

الوزير المر قال لـ"النهار" ما لم يقله بعد في هذا الصدد وكشف ستاراً عن محاور اخرى للازمة، اضافة الى العديد من شؤون الساعة. 

* ماذا تبدل في لبنان بعد 11 ايلول على مستوى التدابير الامنية (حول المخيمات والسفارات والمصالح الاجنبية... الخ) وعلى مستوى الحوار الداخلي، والعلاقات اللبنانية - السورية، وعلى المستويين اللبناني - العربي واللبناني الاميركي؟ 

- في الموضوع الامني لم نحدث تبديلاً. ما حصل هو اننا فعّلنا العمل الامني. كانت القوى الامنية تعمل بنسبة خمسين في المئة في الخدمة وخمسين في المئة في استراحة. الآن اصبحت نسبة العمل في الخدمة 75 في المئة. 

ميدانياً، اضفنا اعداداً اضافية من رجال الامن على النقاط في السفارات التي ابلغتنا انها تعتبر نفسها مهددة، وتم تشديد الحراسة عليها استجابة لطلبها. 

كما تم استدعاء الاشخاص المشتبه في انهم من مثيري النعرات الطائفية او المذهبية، او المنتمين الى "الحركات المشبوهة"، وتبلّغوا ان كل لعب بالنار او مس بالامن سيعرضانهم لاقسى انواع المحاسبة الجدية هذه المرة. وعملنا على زيادة اعداد الدوريات الامنية الليلية، وزيادة نقاط الحراسة، وكثّفنا المداهمات على المطلوبين، وظهرت الدولة موجودة فعلاً والامن مضبوطاً، من دون ان ننسى ان الامن هو جزء من التوافق السياسي الذي ارساه رئيس الجمهورية منذ ثلاثة اعوام لنظرته الاستراتيجية الى الموضوع ويقينه ان التطرف هو الذي اوصل لبنان الى الهلاك الامني والسياسي. لذلك وقف ضد التطرف في جميع اشكاله ووجهت اليه الملامة من طائفته نفسها يومذاك. ان هذا الموقف لرئيس الجمهورية هو الذي جعلنا نتخذ تدابيرنا بعد 11 ايلول من دون ان نسمع احتجاجاً من احد. 

اما على صعيد العلاقات اللبنانية - السورية فإن النظام السوري، كما نعلم، هو اول نظام عربي عانى هذه الاصوليات وقمعها، حين ادرك خطرها عليه وعلى المجتمع الدولي ككل، وانها تشوه صورة العرب لدى الغرب والعالم. فكان ان وضع حداً لهذه الظاهرة قبل عشرين عاماً. ثم عملت الدولة اللبنانية ايضاً على قمع هذه الاصوليات، وفي عهد الرئيس لحود تحديداً حين اطلت علينا من الضنية مجموعات متمردة مرتبطة بمشاريع مشبوهة ضُربت في مهدها، واوقف قسم كبير منهم ما زال قيد المحاكمة. واود ان اذكر هنا بأن احد الذين قتلوا في الضنية يحمل جواز سفر اميركياً، ويومذاك قامت قيامة الولايات المتحدة بحجة حقوق الانسان. 

اللبنانية - السورية - الاميركية 

واضاف: 

- اعود الى العلاقة بين لبنان وسوريا. فهذه العلاقة، في عمقها الاستراتيجي، هي وحدها اليوم الحامي الاساسي والضامن الاول للسلم الاهلي والرادع الاساسي لكل خطر محتمل. وكما ترى فإن الكثير من الانظمة العربية محرجة داخلياً، باستثناء لبنان وسوريا المرتاحين من هذا الاحراج نتيجة وضوح موقفهما. 

اما العلاقة اللبنانية - الاميركية فهي علاقة بين دولتين، وكل الاسماء واللوائح جاءت الى مكتب شعبة الانتربول الدولي في وزارة الداخلية، وتمت الاجابة عنها رسمياً. اما موقف لبنان من المقاومة فالدولة اعطت رأيها بكل وضوح في هذا الموضوع. وفي خصوص العلاقة الاميركية - العربية فأنا ارى انه اذا بقي الاميركيون على تجاهلهم الانتهاكات الاسرائيلية اليومية بحق الشعب الفلسطيني الذي يقتل اطفاله يومياً وتدمر بيوته ويهجر منها، واذا لم يضعوا الضوابط للاسرائيليين، فالمعيار الاميركي المختل، سوف يخلق شرخاً اكبر وينمّي الحقد ويفتح ثغراً لينفذ منها الارهاب ويعشش في هذا الشرخ ويستثمر الامر في خانات يرفضها العالمان العربي والاسلامي. ان العالم بأسره لن يرتاح ما لم يؤسس لحل الصراع العربي - الاسرائيلي في شكل عادل، وما لم تضع اميركا حداً لاسرائيل في وجه انتهاك اجوائنا وارضنا ومياهنا. تأكد ان ما نشاهده اليوم ليس للاسف الا بداية لكوارث وتداعيات سيشهدها العالم في المستقبل الآتي. 

لماذا يستمر الصمت على الارهاب الغني، المدجج بطائرات ومدافع وترسانة اسلحة يضرب بها اطفالنا في قانا، فيما اولادنا الذين قدموا دماءهم واغلى ما يملكون في سبيل تحرير الارض يصنفون ارهابيين؟ 

ان اسرائيل هي التي تمارس الارهاب الحقيقي، واولادنا يدافعون عن ارضهم وكرامتهم وهم مقاومون يقارعون الارهاب الفعلي. 

* المرونة التي يبديها السفير الاميركي في بيروت فنسنت باتل هل تعكس موقف ادارة بلاده على حقيقته ام ان العلاقات اللبنانية - الاميركية مرشحة لمزيد من التوتر؟ 

- هو ممثل ادارته في لبنان بلا شك، واتمنى ان لا تترجم طلبات الادارة الاميركية في هذا الصدد من لبنان خلال طلب رسمي من الامم المتحدة، فلو لم يكن هناك احتلال اسرائيلي للبنان ولو لم تكن اسرائيل هي الدولة التي تمارس الارهاب يوميا على شعبنا وعلى الشعوب العربية الشقيقة، ولا سيما الشعب الفلسطيني، لما كان اصلا عندنا مقاومة، ولما كنا في حاجة اليوم الى مثل هذا الكلام في التمييز بين المقاومة والارهاب. 

* تأسيسا على هذا الموقف اللبناني هل ترى ان العلاقات اللبنانية - الاميركية تسير نحو التأزم؟ 

- ليس هناك من سبب للتأزم، فطلب لبنان وموقفه محقان والاميركيون هم اكثر المعنيين بالتعاطي مع هذه المشكلات بالحق وبحصر الارهاب بالارهاب الحقيقي والتمييز بين الارهاب والشعوب المنتهكة حقوقها والشعوب المقاومة للارهاب. 

* هل هناك تنسيق بين وزراء الداخلية العرب في ما يتعلق باللوائح الاميركية، ام ان كل بلد يتعامل مع هذه اللوائح وفقا لمصالحه؟ 

- تتولى شعبة الانتربول التنسيق بين وزارات الداخلية العربية وتتبادل المعلومات في ما بينها، وسينعقد مجلس وزراء الداخلية العرب في كانون الثاني في لبنان، ومن المقرر ان يبحث في القائمة وكل المواضيع التي سبق وطرحناها. 

* اقمت علاقات تعاون مع عدد من الحكومات العربية، ما هو سقف هذا التعاون وما هي الاغراض المرجوة منه؟ 

- انا اعتبر أنا امن كل دولة عربية من امن لبنان، وهذه الصيغة وضعتها امامي منذ توليت وزارة الداخلية، وارى اننا كلما عملنا على زيادة التعاون وتفعيله بين الدول العربية، خلقنا حالا من الامن الوقائي للبنان وللدول الشقيقة. وانا على تواصل دائم، ويومي تقريبا، مع زملائي وزراء الداخلية العرب، وعلى علاقة شخصية مع معظمهم، واعتز بأنني تمكنت خلال عام من خلق علاقة ثقة مع كل وزراء الداخلية العرب. واغتنم المناسبة لأشكر جميع الوزراء الذين قدموا مساعدات الى وزارة الداخلية اللبنانية. 

بين ميشال والياس 

* ما الذي تبدل على مستوى اداء وزارة الداخلية بين ميشال المر والياس المر؟ 

- لا استطيع ان اجيب عن هذا السؤال، لأن الحكم استمرارية، ووزير الداخلية السابق هو صاحب الحق في التقويم، ولا سيما ان خبرته ضخمة جدا في هذا المجال، واوسع واشمل من خبرتي، واضافة الى انه والدي، واترك له الجواب في الحكم عليّ، مع تأكيدي ان اقصى طموحاتي - بعد ان أكون تركت الوزارة - هو ان اتمكن يوما من ان اقارن نفسي بالحد الادنى مما قام به الوالد من جهود جبارة في هذه الوزارة. 

* قلت ان الكفاءة كانت المعيار الوحيد الذي اعتمد في دورة قوى الامن الاخيرة، هل من السهل عليك ذلك في بلد مثل لبنان؟ وكيف واجهك رجال السياسة والنفوذ؟ 

- تقدم 24 الف شخص للدورة، نجح منهم بعد الامتحانات الطبية والرياضية والخطية ،2000 فاعتمدناهم، وهنا يمكنني القول اننا لمرة واحدة تمكنا من وضع معيار واحد اسمه الكفاءة بعيدا عن المناطقية والتبعية السياسية وغيرهما من المعايير التي كانت تعتمد. والدليل ان ستة اشخاص من ابناء بلدتي بتغرين تقدموا الى هذه الدورة لم يحالفهم الحظ. ومن الطبيعي ان هؤلاء الذين دخلوا السلك بكفاءتهم ومن دون منّة احد سيطبقون القانون وفق ما يمليه عليهم واجبهم. طبعا هذا الاجراء لن يكون سهلا، لأن الضغوط والتدخلات السياسية التي تعرضت لها من الصعب ان توصف، انما اكتفي بالقول انه كان في مكتبي لوائح باسماء سبعة الاف شخص لألفي وظيفة. 

البلديات والمشروع الجديد 

* معروف ان النظام الحالي في لبنان قائم على المحاصصة الطائفية، ومشروع قانون البلديات الجديد اعتبر البعض انه يحمل بوادر انتقاص من صلاحيات طائفة اساسية، كيف تقبل بهذا الخلل ايا تكن هذه الطائفة؟ 

- يهمني ان اؤكد ان ما حصل في هذا الاطار لا يزال مشروع قانون ولم يصبح قانونا بعد، فلو كان قرآناً او انجيلاً لما كنت سمحت بذلك ولكنت اعطيته اطارا آخر، ولكن بما انه ليس الا مشروع قانون - واشدد على كلمة مشروع - فانني اردته في اطار تعزيز الديموقراطية وتعزيز الانماء، على اساس ان تتم محاسبة السلطة التنفيذية المحلية من الناخب مباشرة، لا ان تنتخب مجلسا محليا وغيرك يحاسبه. ولذلك بدأت بالخطوات الآتية: اتصلنا أولاً بكل الجامعات التي ترغب في وضع القانون معنا واشركنا الطلاب، ووقفنا على آراء كل الفئات الاجتماعية تقريباً، ووضع الجهاز الاداري في وزارة الداخلية كل هذه الافكار في المشروع وقدمه الى مجلس الوزراء. لذا لا اسمح لنفسي بأن اقول اني وضعت المشروع، بل كنت المحرك الاساسي له، اذا وضعت نصب عيني ان ثمة خطوة جريئة لا بد منها وعلى انسان ما ان يخطوها لتطوير العمل البلدي والانمائي لأنه، في هذا القطاع على الاقل، هناك انماء. وكان من الاسهل عليّ ألا افكر في المشروع نهائياً، وأترك الامور ثلاثين سنة اخرى. ثم انني بدأت بنفسي كوزير داخلية، اذ اعطيت صلاحياتي بنسبة 90 في المئة الى المجالس المحلية، في حين كان في وسعي ان ابقى حاكماً ديكتاتوراً على هذه المجالس. 

على اي قاعدة حصل هذا التنازل؟ 

- لقد وضعت نصب عيني عناوين عدة: الاول انني اليوم في الوزارة، وغداً لست فيها. الثاني انني اعتبرت ان على كل انسان ان يخرج من مذهبيته وطائفيته، خصوصاً متى نظرت الى الكيفية التي يخضع فيها هذا المشروع الى المزايدات الطائفية والمذهبية. ثم انني احببت ان اقوم بواجبي في استطلاع رأي الفاعليات وأصحاب الرأي قبل ثلاثة اشهر، وأرسلت ملخصاً عنه الى "النهار" التي نشرته يومذاك مشكورة، وساعدتني علّني احصل على اجواء ما يثار من ملاحظات وتعديلات ممكننة عليه. ولكن لسوء الحظ خلال ثلاثة اشهر لم اسمع صوتاً واحداً - حتى عبر "النهار" يجيبني عن هذا المشروع. بعد ذلك اتخذت القرار، وخطوت الخطوة الاولى، بادئاً بنفسي لأكون المثل الصالح. ثم انني ادرك مدى معاناة كل القرى اللبنانية من مركزية القرار. لقد خرّبنا بلدنا من مركزية القرار. 25 عاماً من الخراب سببها مركزية القرار والتجاذبات من حوله. 

رأيت ان من حق هؤلاء الناس الذين ادلوا بأصواتهم في الانتخابات ان يترجم خيارهم عملاً انمائياً فتصبح المسؤولية واقعة عليهم وحدهم كونهم باتوا يعرفون حجم الصلاحيات القوية التي ستتمتع بها مجالسهم المحلية. واذا لم يفعلوا فهم يعرفون انهم ينحون ببلدهم وبأنفسهم الى الخراب، وسيدفعون الثمن وحدهم لأنه بنتيجة الصلاحيات الواسعة التي يتمتع بها مجلسهم المحلي فان الدولة لم تعد مسؤولة ولا المحافظ. 

ثم هل تستطيع ان تقول ما هي ضمانة المحافظين؟ المحافظون السابقون كانوا ابناء النظام السابق، والحاليون هم ابناء هذا النظام، وغداً سيتغيرون بتغيير النظام، والآتون بعدهم كذلك، وهلم جرا. الذي سيبقى هما ضمير المواطن وصوته اللذان سيأتيان بمجلس محلي يمثله، مسؤول عن امواله وعن انمائه، وهو الذي يحاسبه، وهذا ما وضعته نصب عيني من البداية. وحين تعد مشروعاً لبنانياً، اي على مستوى لبنان، فهو يعني كل شرائح المجتمع اللبناني وكل المذاهب. ومن المصادفة ان هناك 400 بلدية مسيحية و300 بلدية مسلمة، اي ان هناك نحو 100 بلدية مسيحية زيادة في هذه التركيبة، ومن ضمنها ما يفوق الـ150 بلدية ارثوذكسية. 

انني فعلاً اكره التحدث طائفياً ومذهبياً، والا لما كنت تجرأت على الدخول في مثل هذا المشروع. 

اين نواب بيروت؟ 

في كل حال اعتبرت انني بذلك اضع اساساً لفكري في هذا المجال وخطوت الخطوة، لكنني لا اسمح لنفسي ان اخيط مشروعاً على مستوى قرية او بلدة او عاصمة، ولا اسمح كذلك بأن افصّل مشروع قانون على مستوى بيروت. لأنني ببساطة لست ابن بيروت، ولست نائباً عنها، ولست عضواً في بلديتها. على نواب بيروت وأبنائها ان يروا ما هي الصيغة التي تناسب العاصمة من ضمن هذه العناوين العريضة الديموقراطية والانمائية واللامركزية المتطورة والحديثة ويختاروها. ثم انني اقترحت دمج محافظتي بيروت وجبل لبنان على المستوى الاداري وأن يكون المحافظ ارثوذكسياً، لأنني اعتبر ان ما أخذ من سلطة محافظ بيروت التنفيذية سيعطى في مقابلها صلاحيات اضافية من خلال توسيع رقعة صلاحياته الجغرافية كمحافظ. في المقابل ان الصلاحيات اعطيت للمجالس المحلية التي اختارها الناخب الذي هو ابن هذه البيئة. 

اعود الى التأكيد ان هذه المشروع ما يزال في اول الطريق، وسيذهب الى اللجان في مجلس النواب، ونواب بيروت هم داخل اللجان، فلماذا يختبئون ورائي؟ هم انتخبوا ضمن لائحة واحدة ونجحوا على هذا الاساس، ومعلوماتي تقول انهم في جولاتهم الانتخابية آنذاك اعطوا نوعاً من الوعود في موضوع بلدية بيروت. هم يعرفون ماذا عندهم، وأنا لا اعرف ما عندهم. ما اقوله هو ان نواب بيروت وأبناءها هم الذين يقررون الصيغة التي يرغبون بالعيش من خلالها. 

اقول لهم اذا اتكلوا عليّ لأخيّط لهم فلن افعل. واذا ارادوني ان اكون مذهبياً فلست انا المذهبي، واذا ارادوني طائفياً فأنا آخر انسان طائفي في هذا البلد، ذلك لأنني اعتبر ان المسيحيين في لبنان يجب ان يكونوا رأس حربة في اللاطائفية، وفي الديموقراطية، وفي الانماء، وفي العروبة، حتى يتمكنوا من المحافظة على وجودهم في هذا الشرق، وساعة يصبحون طائفيين - ولا اقول مذهبيين فحسب - ينتهي المسيحيون في لبنان. وأنا لست على استعداد للدخول في موضوع يخرب بلدي ومستقبل اولادي ويضرب صيغة تعايش لبنان، مقابل ان اخيط مشاريع على القياس المطلوب. 

اكرر القول ان على ابناء بيروت ونوابها مسلمين ومسيحيين، ان يجلسوا في اللجان ويختاروا الصيغة التي يقررونها، وأنا على استعداد للسير في الصيغة التي يختارون تحت عنوان مشروع ديموقراطي، لامركزي، تكون فيه مركزية القرار حصرا بيد الناخبين، والانماء بيدهم، علما انني تلقيت خلال الاربعة ايام الماضية اكثر من 160 كتاب شكر وتهنئة من مجالس بلدية في لبنان على هذا المشروع الذي لم يصبح قانونا بعد. 

* هناك الكثير من المشاريع التي قدمت سابقا في هذا الصدد ولم يؤخذ بها، ثم جاء هذا المشروع، الذي بدا وكأنه ينال من مركزية القرار قبل ان يطبق مشروع اللامركزية الادارية، واعتمد لماذا؟ 

- في الحقيقة لقد درسنا الموضوع بما فيه الكفاية، ونحن الآن ننتظر الصيغة التي سيخرج بها من مجلس النواب لنبدأ عندها، وعلى اساسها، بالتحضير لصيغة مشروع قانون اللامركزية التي هي مكملة لهذا الموضوع. واكثر من ذلك فان هناك بعض الزملاء في مجلس الوزراء قالوا ان هذا المشروع يغني تقريبا عن اللامركزية لأنه متقدم جدا، فكان جوابي انه لا يغني عن قانون اللامركزية الادارية، ولكنه سهَّل الطريق اليها. 

* بعض الوزراء ابدوا ملاحظات على الطريقة التي اقر فيها في مجلس الوزراء؟ 

- وزيران من اصل ثلاثين وزيرا اعترضا، الوزير بيار حلو قال انه لم يكن لديه وقت لدرسه، عظيم، هذا من حقه، ولكنه نائب والدرس يكون في مجلس النواب وليس في مجلس الوزراء، والوزير فؤاد السعد قال ان صيغة محافظ واحد لجبل لبنان وبيروت لا تعجبه، هذا رأيه وهو ايضا يستطيع ان يناقش ذلك في مجلس النواب. ولكن الوزراء الذين هم نواب عن بيروت لم يصوتوا ضد المشروع. ومن يصوت على المشروع في مجلس الوزراء لا ينبغي ان يتكلم في الخارج ضد المشروع ليجمع اصواتا انتخابية. انا ارثوذكسي ولا احد يستطيع ان يزايد عليّ في ارثوذوكسيتي، ولكن ارثوذكسيتي هذه احصرها بالخشوع في الكنيسة واستطلاع رأي سيدنا الياس (المطران الياس عودة) في كل الامور الوطنية في لبنان من دون ان ازجه بتفاصيل يومية هو لا يريد الدخول فيها، وهو في النهاية يرى الصيغة التي تناسب ابناء بيروت ويتبناها، ولكنني لا اقوم بمزايدات مذهبية وطائفية في مجلس الوزراء. هناك كان عليهم ان يقولوا: نحن ضد هذا المشروع ولا ندخل فيه، وليس في الخارج. 

* كم هي نسبة تدخل الرئيس الحريري في هذا المشروع؟ 

- الحقيقة ان الرئيس الحريري، بعد ان شكلت الحكومة بشهر واحد قال لي ما حرفيته: ليس هناك مشروع بلدي منذ ربع قرن، وتعرف ان كل الهيئات الدولية ترغب في مساعدة لبنان انمائيا اذا انجزنا مشروعا بلديا. فقلت له ان حلمي هو تحضير مشروع قانون بلدي متطور، غير ان هناك عقبة اساسية هي ان طرح الرئيس الحريري كان يقضي بالغاء منصب محافظ بيروت، بينما كنت شخصيا ضد هذا الطرح، وكان طرحي يومذاك يقضي بتعزيز صلاحيات السلطة الاجرائية للمحافظ. وطلبت من الرئيس الحريري ان يكون محافظ بيروت الارثوذكسي محافظا لبيروت وجبل لبنان معا، فقال انه لا يستطيع السير في هذه الصيغة ولا يتحملها، وافترقنا على هذا الاساس، ونام المشروع في الجارور نحو سبعة او ثمانية اشهر. 

بعد هذه المدة وجد الرئيس الحريري ان لا حل لديه للسير في المشروع الا بالغاء المحافظ السني من جبل لبنان واعطائه للارثوذكس مع محافظة بيروت، فوافقت وارسلت هذا المشروع الى رئاسة الحكومة. 

لم اشارك الرئيس الحريري ولم يشاركني في وضع هذا المشروع، ولم اتكلم معه في اي مادة وضعتها، وانا الذي وضعت هذا المشروع بمساعدة الاستشاريين والاختصاصيين وفاعليات المجتمع المدني. انما في ما يتعلق بالرئيس الحريري فأنا مسؤول عن كلامي، واقوله عبر صفحات "النهار" ان هذا كل ما حدث بيني وبينه. 

* لماذا لم تطرح فكرة تجزئة بلدية بيروت الى اكثر من بلدية كحل وسط؟ 

- طرح العديد من الافكار في هذا الصدد، منها تجزئة البلدية، ومنها استحداث منصب امين للعاصمة، ومنها مدير عام في البلدية. وطرحت افكار بالغاء منصب المحافظ، وفكرة دمج محافظة جبل لبنان بمحافظة بيروت ... ونحن قمنا "بغربلة" الافكار، وكان لكل من نواب بيروت فكرته الخاصة، باستثناء فكرة واحدة جاءتني خطية وموقعا عليها من نواب بيروت مسلمين ومسيحيين، بعد ان طرحت الموضوع في جريدة "النهار"، قالوا لي فيها ان هذه هي صيغة التعايش التي نتبناها، وانا مجبر على تبنيها، لأنهم هم ابناء بيروت، وانا اخضع لقرارهم، ولم يتكلم احد في هذا الموضوع. اليوم يقولون ان المشروع جاء الى مجلس الوزراء، فمن هم الوزراء في بيروت؟ الاستاذ بشارة مرهج والصديق ميشال فرعون وهما من كتلة الرئيس الحريري ولست انا، وكان من المفروض عليهم ان يطالبا الرئيس الحريري وليس انا، كان باستطاعتهما ان يقولا له لقد جاءك مشروع قانون من وزارة الداخلية ونريد ان نناقشه معك. 

هذه ليست مشكلتي، انها مشكلتهم، ومشكلاتهم الداخلية يجب ان يحلوها عندهم وليست عندي. انا ارسلت ورقة من عشرة افكار الى بلدية بيروت. صديقنا واخونا الاستاذ جبران (تويني مدير عام النهار) اقترح خيار التجزئة، وهي فكرة حضارية ومتطورة وراقية جدا، ويكفي ان فرنسا تعتمدها، ولكن قد يكون الكثيرون من غير رأيه. وانا اخذت في النهاية الرأي الذي جاءني خطيا وتبنيته، وهي فكرة دمج محافظتي جبل لبنان وبيروت، وقلنا نذهب به كمشروع الى المجلس النيابي الذي على نوابه ان يقرروا ماذا يريدون وماذا يعتمدون، وعلينا نحن ان ننفذ رغبة ابناء بيروت لا اكثر ولا اقل. 

وهذه الفكرة اعتبرها الكثيرون - وانا منهم - الصيغة المثلى و"بتجنن"، اما الوزير فرعون فقال لي انها كارثة. لأن رئيس البلدية عندما ينتخب من الشعب مباشرة يصبح هو الذي يحكم النواب. انا اعتبر ان الشعب الذي ينتخب رئيس البلدية يصبح حاكما بواسطته. تصور نحن هنا ثلاثة متفقون على رأي واحد، وهناك نائب اساسي كاثوليكي في بيروت اسمه ميشال فرعون خائف من ان يحكمه رئيس بلدية بيروت اذا انتخبه الشعب مباشرة، مع انه نائب عن بيروت، والشعب هو الذي انتخبه! فلماذا لا اخاف من الشعب حين ينتخبه كنائب، واخاف منه حين ينتخب رئيس البلدية؟ 

في النهاية لا يمكنك ان تصنع صيفا وشتاء على سقف واحد، ولا تتسبب بثورة في البلد. إرجع الى التاريخ، لماذا حصلت الحرب في لبنان؟ لأن مئة قانون صدر، ومئة مشروع كذلك، عن مئة حكومة، لم يكن فيها عدل ولا انصاف ولا تساوي بالفكر والمنطق على صعيد كل لبنان. وهناك كلمة مهمة اود ان اؤكد عليها اوردها فخامة رئيس الجمهورية في الجلسة، قال: "كلنا على هذه الطاولة دورنا ليس تشريعيا، وهذه مسؤولية وطنية على المجلس النيابي والشعب اللبناني ان يقررا مصير هذا المشروع في عيشه وحياته الانمائية اليومية، من اجل ذلك اتمنى عليكم من لديه ملاحظات على هذا المشروع ان يرسلها الى الامانة العامة لمجلس الوزراء، ومن ثم سيناقش في اللجان النيابية وفي الهيئة العامة بندا بندا، ويعدل كل ما يريده النواب ونحن في النهاية حماة هذا القانون ونخضع لقرار المجلس النيابي في هذا القانون وغيره. 

انتخاب الرئيس 

* هل كنت على قناعة تامة بانتخاب الرئيس مباشرة من الناخب ام ان هذا البند جاء نتيجة مشاورات؟ 

- لا، انني كنت على قناعة قوية في هذا الموضوع، فبعد ممارسة سنة، هناك الكثير من البلديات "فرطت" نتيجة الضغوط التي تمارس في المجلس البلدي على الرئيس، والناتجة في معظم الحالات من عدم تلبيته طلبات الاعضاء الذين يتفق ثلاثة او اربعة منهم - او اكثر ويطيحون به اذا لم يبق تحت رحمتهم. ثم انني مؤمن بأن عملية انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع الشعبي المباشر هو في قمة العمل الديموقراطي، ولذلك قلت انني سأبدأ في قانون البلديات بما اعتبره في قمة العمل الديموقراطي ليتم انتخاب رئيس السلطة التنفيذية في المجلس المحلي من الشعب مباشرة. فاذا كانت هذه الفكرة التي اعتبرها قمة العمل الديموقراطي خاطئة فان بيد مجلس النواب تصحيحها، واذا كانت صائبة فاتمنى ان تبقى على ما هي عليه. 

* لماذا الزمتم البلديات باعتماد المكننة في الارشفة والمراسلات والمعاملات في الوقت الذي ما زالت نصف الوزارات في الدولة لم تعتمد المكننة بعد؟ 

- الهدف من موضوع المكننة هو ان تكون في كل بلدية خدمة الزامية للمكننة، ومن خلالها تستطيع البلدية ان تمكنن كل معلوماتها وتربط البلديات ببعضها على صعيد المعلومات، ومن ثم تربط بوزارة الداخلية وبوزارة المال مباشرة. 

* في موضوع وزارة المال، على اي اساس تقاسمت مع وزيرها الصلاحية كوزير داخلية لجهة التوقيع على التوظيف وما شابه؟ 

- بالطبع ليس لانني "مغرم" بفؤاد السنيورة، انما لسبب آخر تماما، فهو عاجلا ام اجلا سيرحل وانا كذلك، وربما نتبادل في الوزارات غدا فأصبح انا وزير مال ويصبح هو وزير داخلية. ما اقوله هو انك يجب ان تفكر على مستوى وطن في مثل هذه الحالات، فبلدية طرابلس على سبيل المثال مضربة عن العمل لأن لا رواتب لديها ترفعها الى الموظفين، وهناك بلديات اخرى في لبنان افلست نتيجة الوضع الداخلي في البلدة او المنطقة، بمسايرة احيانا، وبحسابات انتخابية تارةً اخرى او غيرها، تأخذ البلدية موظفين اكثر مما تتحمل، وحين تأتي ساعة الاستحقاق تفلس البلدية، وفي هذا الحال الدولة مسؤولة عن البلدية اذا افلست، وهي مضطرة لأن تسدّد عنها. من هنا قلنا انه يجب ان تكون وزارة المال على اطلاع على هذا الموضوع، وهذا ما يحتاج الى برمجة ومكننة على صعيد المحاسبة. وهنا اعود الى المكننة لأقول ان هناك ثلاثة انواع منها: الاول لداخل البلدية وعملها ولربط البلديات ببعضها وربط المواطن بها بواسطة الانترانت، وهذه هي اللامركزية في ذاتها على صعيد الصيغة، والثاني الانترانت بين وزارة الداخلية اداريا، والثالث المكننة للمحاسبة والمرتبطة بوزاة المال ليستطيع المواطن تخليص معاملاته خلال دقائق على الانترنت. 

مساعدات مشروطة 

* في رأيك هل من السهل تحقيق ذلك عمليا؟ 

- انا لا اقول شيئا ليس في متناولي، الـU.S.A.D اعطتنا 15 مليون دولار عبر توقيع بروتوكول معها، والمجموعة الاوروبية ستعطينا هبة محترمة جدا لموضوع المكننة، وهناك دول اخرى ناقشنا معها وكان شرطها ان نعزّز الديموقراطية ونعزز العمل الانمائي والعمل المحلي وقالوا انهم مستعدون، وكل الدول تساعدك في العمل الانمائي. اما حين يكون العمل مركزيا او مسيسا ومذهبيا وطائفيا فيقولون: "روح دبر حالك والله بيبعت" لأن لا ضمانة عندها الى اين ستذهب هذه الاموال، واذا كانت ستصرف في المكان الذي يجب ان تصرف فيه. ومن اجل ذلك فان هذا الموضوع مهم جدا وسرنا به. وحتى الآن اصبح هناك نحو 15 في المئة من البلديات ممكننة خلال عام واحد ونحن نكمل خطواتنا في هذا الاتجاه وهذه نسبة قليلة، نظرا الى انها السنة الاولى والخطوة الاولى في موضوع المكننة. 

* ماذا عن التواقيع على صعيد استخدام الانترنت في العمل البلدي اليوم والمعاملات؟ 

- نعم. سيعتمد التوقيع الالكتروني في هذه العمليات، وفي الانتخابات ايضا. 

* لم يلحظ المشروع اي سلسلة رتب ورواتب لموظفي البلدية، لماذا؟ 

- فور صدور القانون سيصار الى الدخول في امور سلسلة الرتب والرواتب. 

* كيف لا تخضع قرارات رئيس البلدية الى رقابة السلطة الادارية، وكيف ولماذا استبدلت رقابة ديوان المحاسبة المسبقة برقابة مؤخرة؟ 

- انا ارى اننا حين نتكلم عن "اوديتر" فاننا نتكلم عن اهم رقابة مالية في العمل المتطور والحديث، وهذه كما تعرفون مؤسسات دولية تهتم باسمها عالميا، وهذا معناه انها تشكل ضمانا حقيقيا لما يصرف من اموال. ثم اننا اخضعنا البلديات الى التفتيش لأن الصلاحيات الكبيرة تحتاج الى رقابة كبيرة. رغم تحرر هذه البلديات مئة مرة فان الرقابة زادت بقدرها. واقول انهم الآن مضبوطون عشر مرات اكثر ومحررون مئة مرة اكثر. 

* تشترطون المؤهل العلمي لرئاسة البلدية في حين ان المرشح للانتخابات النيابية لا يحتاج له، مع العلم ان في مجلس النواب يجب ان يكون العضو تشريعيا ومراقبا ومحاسبا للحكومة في آن واحد؟ 

- نعم. ولذلك فقد لا يمر هذا البند في المجلس، لكنني اعتبرت ان رئيس البلدية صار هو رئيس السلطة التنفيذية، وعلى عاتقه مسؤوليات وقرارات ضخمة، وليقرر عن الناس لا بد من ان يكون حاصلا على شهادة معينة، وانا لا استطيع ان ارسل مشروعا الى المجلس النيابي لا يرضي ضميري. لأنه في النهاية هناك شيء يعيش معك في الليل والنهار وكل الاوقات هو ضميرك، وضميري لا يرضى الا ان يكون رئيس البلدية، حاملا لشهادة جامعية، وحين اعطيه هذه الصلاحيات الضخمة في النهاية يجب ان يكون عنده الحد الادنى من الكفاءة ليدير شؤون الناس. 

* ولماذا اقتصرت الشهادة الجامعية على بلديات المحافظات دون غيرها؟ 

- في الحقيقة انا كنت ضد ذلك، واشترطت ان يكون كل رؤساء البلديات حائزين على شهادة جامعية، وبعد المناقشة قال بعض الزملاء الوزراء ان هذا كثير، ولكن كونه لا يزال مشروعا، فاني سأذهب الى مجلس النواب، وسأدافع عن هذا البند، وسأعود الى المطالبة بان يكون شرط حيازة الشهادة الجامعية للمرشح لمنصب الرئيس ضروريا وقائما ما دمنا نتكلم عن قانون يبدأ العمل به بعد خمس سنين.

 

§ وصـلات:

 

 
 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic