شبان لبنانيون في قصص أميركية قصيرة
جهاد بزي

السفير (الخميس، 15 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

 


تمهيد أول 

لسبب ما، بدت ربطة العنق نافرة على القميص الأزرق والشعر الطويل وبثور الوجه الذي في آخر المراهقة. كان الجمع من حوله يثرثر، اما هو فجلس القرفصاء وأسند ظهره الى جدار. 

كان يلتقط ورقة بكلتا يديه، يقرأ منها قليلا ويعود فيغمض عينيه ويتمتم محركا الجزء الأعلى من جسده الى الأمام والوراء بتواتر سريع وعصبي. ليس بعيدا عنه وعن الجمع المثرثر، اقتطع شاب اصلع ملتح اللحظات الأخيرة من الوقت المتبقي للتأمل. استند وقوفا الى جدار آخر يتمتم بدوره ما لا لبس في مضمونه، في ظل وجود اللحية والمحبس الفضة في اليد اليمنى: آيات قرآنية. كانت ربطة العنق اكثر تناسقا مع لون القميص الابيض والعمر المفترض. لم تجده صلاته نفعا. ففي نهاية حوار قصير مع الموظف الأميركي، كان الملتحي يجادله في سبب رفضه منحه التأشيرة. كان الأمر قد انقضى. ارتدى الأميركي وجه الأسف الحازم بناء على ما اقتنع به من ان الملتحي ليس بوارد دراسات عليا، بل يضمر قراراً بالهجرة الدائمة. 

في الخارج، انقطع الجمع عن الثرثرة بعد اول اسم نودي عليه للدخول الى المستوعب الحديدي المخصص لمقابلات الطلاب الذين يودون السفر الى الولايات المتحدة. المستوعب يسبق الوصول اليه من بوابة سفارة عوكر تفتيش دقيق يقوم به لبنانيون وفق طرق اميركية بحتة. 

كان الجميع يرصد ما يدور في الداخل. وتطوع الأقرب الى الباب في اعلام البقية بآخر المستجدات عبر اشارات سريعة ومفهومة من يده. بيد ان هذا لم يمنع المنتظرين من السؤال: “شو؟” متوجهين للخارجين، ويختصر الرد عليها بايماءة من الرأس. فأما “ليه؟” متعاطفة مع الخاسر وأما ابتسامات عريضة ومبروك للرابح يلحقها استجواب حول “شو سألتك؟ وشو قلتلها؟”. 

المراهق حامل الورقة لم يسمح لأحد بكلمة. خرج بوجهه الى بوابة السفارة. كان حانقا يحرك ساعديه في غير اتجاه. هي “مسألة حظ” كما هو معروف. لذا لم تعطه الفيزا على الرغم من كونه استظهر جميع الاجابات المكتوبة على الورقة بالانكليزية تحسبا لأي سؤال محتمل. ربما هي ربطة العنق، كانت فألا سيئا. 

 
تمهيد ثان 

بكت حين اخبرها بالخلوي عند السفارة انه نال التأشيرة. كان ينهي اسبوعه الأخير بصفته معاونا مجندا تخرج قبل عام من كلية الحقوق. دامت غبطة علي لساعتين قبل ان تصير الاماكن والناس صورا في ذاكرة مسافر. 

عاد صباح الخميس ببزته العسكرية واسترد جواز سفره ممهورا بورقة تستخدم فيها تقنيات طبع العملة. ارجع عتاده العسكري يوم الأربعاء الذي تلا وغادر ليل الجمعة. الاصبعان المرفوعان في كفه ليسا اشارة نصر بل لتضخيم وقع فعلة مدهشة. يومان بعد خدمة العلم.. “يومان فقط” امضى ليله يبكي سرا. والآن. بعد ستة اشهر على وجوده في اميركا، لا يزال يسأل نفسه عن سبب لتلك السرعة القياسية في الرحيل. 

اجرت المقابلة معه اميركية عجوز بشعر ابيض. احس حينها ان التي تحدثه بالانكليزية من خلف زجاج مضاد للرصاص هي جدته. يضحك للمفارقة، كما للزجاج المضاد للرصاص. 

 
كريديت 

الخطة بسيطة. يستحصل نديم على بطاقة ائتمان ويبدأ بتربيتها، اي يبتاع بواسطتها ما يحتاجه او لا يحتاجه. ويسدد فواتيرها المستحقة في مواعيدها. تثق شركة بطاقة الاعتماد به وترفع سقف المبلغ المسموح له بالاستدانة به شيئاً فشيئاً. 

مع الوقت، يصير صاحب اسم معروف لدى الشركات، اي صاحب “كريديت هيستوري”. وتنهال بطاقات الاعتماد عليه من كل حدب وصوب فينطلق في تربيتها بالجملة. حين يصل الرقم الى مئة الف دولار يشتري ما يقدر على بيعه لاستعادة المبلغ نقدا.. والى لبنان. 

هو خريج حقوق لم يتدرج. اتى الى الولايات المتحدة كطالب عليه ان يدرس اللغة الانكليزية لسنة قبل ان يتابع دراساته العليا. 

تسمى الخطة “تربية الكريديت وضربه” وتحتاج من سنتين الى اربع سنوات لتنتج محصولها الاول والأخير. المشكلة الوحيدة تكمن في كيفية الحصول على البطاقة الاولى. نديم يحاول جاهدا. 

 
يا ليل يا عين 

علي ضخم الجثة. يأخذ حيزا واسعا من المكان الذي يتواجد فيه، ويتضاعف حجمه في غرفة الجلوس الصغيرة للبيت حيث يسكن وأصدقاؤه. 

هكذا، حين تشتعل حلبة “يا ليل يا عين” باللبنانيات، من السهل عليه ان يصير ملتصقا بالشاشة ما ان يستقيم من تمدده على الكنبة المجاورة.. “ليك النسوان.. ليك”. يرتفع صوتهم تدريجا: “شو جابني لهون يا الله؟”.. يقفز عن الكنبة الى مساحة ضيقة بشدة بين الجدار وبين الطاولة ويرقص بانفعال وهو مغمض العينين. وما ان تصل الاغنية الى نهايتها حتى يسقط ارضا في حركة مسرحية تهتز لها الأرض الخشبية. يجرب ان يتقلب ويمنعه ضيق المكان، بينما صراخه يعلو: “هونيك.. هونيك الحياة. بدي ارجع على لبنان.. آخ..آخ”. يضرب الأرض بقبضته ويدفن وجهه فيها الى ان يبدأ صوته بالتلاشي ويتحول صراخه الى نحيب مكتوم. “تهمد” انفاسه ويرتخي جسده في ختام المشهد الدرامي فيمتد احد ساعديه تحت الكنبة. يتلمس شيئا تحتها ويسحبه، فإذا بها فردة شحاطة كانت مفقودة: “يه! هيدي انت؟” يسأل قفاها مبتسما ثم يروح يصفع بها رأسه: بدي روح على لبنان.. بدي روح على لبنان”. 

 
محطة 

يملك اللبنانيون مفتاح الوقود في ديترويت ويسيطرون على الغالبية الساحقة من محطات البنزين فيها. ولا يوظفون الاميركيين (التسمية العربية للبيض) ولا “العبيد” (“التسمية العربية” للسود). 

تنقسم المحطات نفسها الى تصنيفين بحسب الموقع الجغرافي. فحيث الغالبية البيضاء تسمى “محطة بيض”، والعكس الغريب صحيح. سيء الحظ هو الذي يعمل عادة في محطة سود. 

المحطات دكاكين سمانة صغيرة تنفلش مضخات الوقود في باحتها الخارجية. ويديرها موظف واحد يقف الى الصندوق ليحاسب الزبائن. 

عند العاشرة ليلا يذهب الطلاب الى عملهم ويبقون هناك حتى السادسة صباحا، لقاء ثمانية دولارات للساعة. 
خلال الليل، تغلق النافذة اليتيمة المفتوحة نهارا في الجدار الزجاجي للغرفة التي تفصل البائع عن المشترين، زجاج مضاد للرصاص يذكر علي في كل ليلة بالشبه الغريب بين اميركا وبين سفارتها، وقد “عين” هو نفسه “قنصلا في محطة بنزين”. 

 
لا يرى الشمس 

بات نديم معروفا في الحي الذي يعمل فيه. هو ذاك العربي الذي يقضي ثماني ساعات من الصراخ المتواصل في زبائنه الذين غدا بعضهم “أصدقاء” له. 

ينتمي سكان الحي الى الطبقة المسحوقة من السود. معظمهم عاطلون عن العمل. لا ينام احد من الشبان والفتيات ليلا. ويتوافذون طوال الوقت الى المحطة لشراء الواقيات الذكرية والسيجار الذي يفرغونه من محتواه ويملأونه بالماريجوانا. يشترون ايضا انبوبا زجاجيا دقيقا يحوي وردة ورقية ويصنع في الصين بصفته هدية بين عاشقين. بيد أنه يستعمل مع نوع من السيف النحاسي في تسخين وتنشق الكراك (صنف من المخدرات). 

في المكان الذي “لا يرى الشمس” كما يسميه، اكتسب نديم اللهجة السوداء الادنى بنظر الاميركيين والعرب على حد سواء. وعلمته المحطة ان “الشغل والدراسة” لا يكملان بعضهما. فالعمل الليلي المرهق يقتل اي رغبة فيه للذهاب الى الجامعة نهارا. ويبدو التوفيق مستحيلا بين العلم وبين مستقبل ضبابي يتطلب جمع المال الذي كان السبب الاول في المجيء الى ديترويت. 

هكذا سلكت تجربة نديم منحى آخر في التعرف على وجه اميركي غير ذاك الذي تعكسه الافلام. وجه اميركا السوداء الذي يدوسه حكم أبيض. العديد من زبائنه يحملون بطاقات معونة حكومية تخصص لابتياع الطعام. يتحايلون عليها ليتزودوا بالمخدرات. لم يعنهم الحادي عشر من أيلول، وهناك منهم من جرؤ على ملاحظة اللون الداكن لبشرة ابن لادن. 

حين طلبت امرأة منه علبة دخان راح كما عادته يصرخ فيها بأعلى صوته، وبما تسعفه به انكليزيته: “هل تطلقين علي اسماء. هل تقولين لي هذا لأنني عربي؟ علي ان اعود الى الصحراء، هذا ما تقولينه لنفسك، أليس كذلك؟ أنت تتهمينني بأنني من رجال بن لادن؟” كان يمازحها، لكنها ظنته جادا في كلامه، وحاولت ان تقاطعه مرارا لتفهمه انها تريد علبة (Camel) وأنها لا تناديه بالجمل. 

 
يرقص وحيداً 

ظنّ هادي ان الجنس هو الخاصرة الرخوة للولايات المتحدة، لكنه فجع بمجتمع مشبع جنسيا ونساء تتطلب العلاقة معهن ما هو ابعد من مجرد نظرة اولى، والى السرير مباشرة. تكشفت الفتيات الاميركيات عن عكس ما كان ينتطر من سهولة، وتبدت له الحاجة الى سلم تقليدي من الخطوات اولها الاتصال الشفهي صعب المنال لدى صاحب الانكليزية الشديدة الفقر. 

هو يعمل في محطتي بنزين، ولعدد من الساعات لا يسمح له الا بالنوم في ما يتبقى من الوقت. لذا اهتدى الى اللواتي يعدن فجرا الى بيوتهن وفي سيمائهن ما يوحي بمقايضة الجنس بالمال. وفي الغرف الداخلية للمحطات، يمارس جنسا سريعا مدفوع الاتعاب، ويقرب بعده دائما من نفسه ومن الشريكة التي على عجلة من امرها، ولم يقدر على منع نفسه في إحدى المرات عن التقيؤ. 

يفتقد المحامي الذي انقطع عن التدرج وسافر الى السهر والسكر. يستعيدهما في حكايات تبدأ برزق الله على أيام لبنان، ليقارن بين ما كانه وما آل اليه. جرب في ليلة عطلة يتيمة ايجاد بديل للحياة السابقة، تأنق وخرج الى ناد ليلي عله يعود بصيد ما. انتظر واصدقاؤه طويلا حتى سمح لهم بالدخول وغزا حلبة الرقص وحيدا. لم تلتفت واحدة اليه لان ليس فيهن اصلا من هي بدون رفيق.. في تلك الليلة المشؤومة كرر لازمته بأن نهايته ات على ايدي اثنين: عميد الجامعة الذي قال له خذ شهادة واقعد في البيت، و”السفير الاميركي” الذي قال له أيضا: “خذ فيزا وروح اتشحر على محطات البنزين في اميركا”. 

 
كلية 

بدا وجه علي حزينا بشدة وهو يجرب ان ينطق فيخونه صوته، “شو بدك يا ابني؟” سأله الطبيب واكمل: “ريبورت؟”.. “ايه حكيم. لازم انزل على لبنان و...”. وافق الطبيب بسرعة على إعطائه تقريرا طبيا يقول فيه ان علي يعاني من مشاكل نفسية حادة تمنعه من مزاولة اي نشاط ذهني او بدني. وبذلك، صار بإمكان “المجنون” ايقاف الفصل الدراسي الذي بدأه طالبا غير خريج في كلية تحضيرية للجامعة، والتي تسجل فيها للمحافظة على شرعية وجوده في اميركا. 

اسقط علي صفوفه التي لا يحتاج اليها واختار المحطة ولو مؤقتا. وحين عاد من عند الطبيب مؤكدا انه قادر على الاقدام على اي فعلة شنيعة بوصفه مجنونا رسميا، كذبح نديم واكله مثلا، كان هذا يستنطقه حول اسم الطبيب وعنوانه وعن الذي جرى في العيادة. 

 
مش عم نام 

منذ نصف عام والمشهد يتكرر مضمونا، يعود الشبان الى البيت عند الصباح يتناولون فطورا لبنانيا ويتفرجون على احدى القناتين اللبنانيتين ويحكون عن احداث الليل الفائت كما عن لبنان. 

يبحثون في حل لما يعانون منه. هناك ما ينقصهم ولا يقدرون على معرفته. ربما هي الولاية التي “ما فيها شي” يخططون لمغادرتها الى ولاية اخرى قد تكون أفضل، يحددون مواعيد للنزويل الى لبنان. يريد علي ان يرتبط بالتي بكت لأجله حين سافر. يشتاق إليها. يحبها الى درجة “المدري شو عاملتلي.. بحبها”. 

لا تكفي النصف ساعة التي يكلمها فيها عبر الهاتف. نصف ساعة لقاء ستة دولارات ثمن بطاقة زرقاء عليها صورة جمل ويد تحمل خلويا وتسمح بالاتصال منخفض التكلفة الى البلدان العربية فحسب. بعد الفطور، يشعلون الاراكيل ويمضون في السخرية من انفسهم. يتخذ نديم قرارا مفاجئا بالهجرة من اميركا الى كندا. فعلى الاقل يوجد هناك مقاهي رصيف وبشر يمشون في الشوارع، بعكس الامكنة الخاوية هنا والتي تشبه القرى المجهورة في افلام الرعب. 

يسأل علي عن اسم اليوم الذي هو فيه، يعرف انه قد صار في صباح الجمعة بعد ان استيقظ الاربعاء ظهرا ولم ينم طوال الخميس. ينفجر ضاحكا بينما يستعد صديقاه للنوم “مش عم نام.. بطلت نام”. يتهدّج صوته بفعل هستيريا بالضحك. 

تخلو الغرفة الا منه، يتمدد على الكنبة، يشاهد التلفزيون وينفخ دخان نرجيلته الابيض السميك في فراغ المكان.

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic