مشاهدات “مختلفة”
على هامش معرض الكتاب

السفير (الخميس، 15 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

ابراهيم توتونجي

“بن لادن ب 7500 ليرة بس.. يا بلاش، هات تنجيب شيي عشرة منو.. بينفعونا ليوم الحشرة!” يحبك ذلك الشاب نكتته قاصدا إضحاك رفيقه “الغاطس” منذ دقائق مع زعيم تنظيم القاعدة “على ضفاف بحر قزوين”.. عنوان ذلك الغلاف الذي تطاولت عليه لحية أسامة بن لادن فجمعت حولها ثلة من الشبان وقفوا يسردون آخر ما تنامى الى معارفهم عن موضوع الساعة.. موضوع الكون. “ليك.. بيقولوا عنده النووي، مظبوط؟” يحشر “النكتجي” أنفه بين الصفحات التي كان رفيقه يقلبها واحدة تلو الأخرى بعد أن يفترس ما فيها بسرعة شرهة وبانشغال جعله ممتنعا “حتى إشعار آخر” عن التكلم. “ليك.. صرلك يومين بتجي على المعرض تتقرا بهالكتاب.. اشتريه وريّح حالك، والله منو غالي!”. لا تعليق، بل صمت مرفق بنظرة ضيق. “ليك.. أنا ناطرك بالكافيتيريا، بس تخلص قراية الكتاب لحقني”! 

صائدو المعلومة.. والصدفة 
مشهد الشابين لا يبدو منفردا ولا غريبا عن سلوك فئة غفيرة من أمثالهم الذين يأتون الى معرض الكتاب لاقتناص المعلومة الطازجة مباشرة من على “ستاند” يعرضها.. مجانا. ليسوا مهووسي مطالعة بطبيعة الحال. لكن، في أبسط التصنيفات، بالامكان إدراجهم في خانة “المهتمين”. المهتمون في المعارض، في السوبرماركت، في السوق.. يتذوقون البضاعة، يسألون عن سعرها ويمضون مرتحلين بين “قفة” وأخرى لا يوقفهم سوى شعور “وهمي” بالشبع. 

تنبؤات الأبراج، كيفية “خلق” البطن المثالي في عشر دقائق يوميا وكذلك الصدر والأوراك والأرداف، أسرار الجمال عند المرأة.. كلها كتب (في الغالب كتيبات) تقدم للمقتنصين المتلصصين الوصفات الشافية “على الواقف”، على السريع من دون الحاجة الى شراء الكتاب. فكثيرون يقصدون المعرض “كرمال اتفرج بس واتحسر (تضحك).. وكرمال اشيا تانية”! 

عن “الاشيا التانية” حدث ولا حرج.. فالمطرح واسع، عام، ومختلط. المكان احتفالي لأسباب مجهولة، لا تتعلق كلها بالثقافة والكتب. والشباب يدخلون حاملين معهم أجواءهم، طقوسهم ومظاهر احتفاليتهم الخاصة. وليد يأتي كل يوم “لأنو في بنات حلوة بتجي.. يعني يمكن تلقطلك صدفة شي غزال شارد”، مروان “خوته” جمال جسد تلك الصبية المسؤولة عن أحد “الستاندات”، كما عن ولعه المفاجئ و”الطارئ” بأحوال الثقافة وأماكنها، أما سحر فلها قصة أخرى.. 

ها هي تركن الى احدى الزوايا، تحدق بحذر في ملامح تلك الفتاة التي مرت للتو برفقة جمع من الناس بدوا مألوفين لذاكرتها. تلك الفتاة تعرفها جيدا.. لكن لتتأكد أكثر من ظنها.. تحث خطاها سريعا فتسبقها، تصبح أمامها وتتمركز على مسافة كافية لجولة جديدة من التفحص.. لا يمكن أن تكون غير التي توقعتها.. ولكنها بالفعل هي. تحسم شكوكها، تركض إليها. تلتقيان وجها لوجه، تغمغمان بهمس غير مسموع قبل أن ترتفع جلبة الآهات المندهشة والضحكات الصاخبة وتذرف بضع دمعات كما تصرف الكثير من القبل والعناقات. سحر وصديقتها لم يلتقيا عمليا منذ سنوات طويلة، منذ سني الطفولة حين جمعتهما بناية تهجير واحدة في إحدى قرى الجبل قبل أن يفترقا كل الى مكان.. الى محافظة.. الى قضاء ليلتقيا مصادفة في معرض الكتاب هذا العام للمرة الأولى منذ حلول زمن السلم والسلام. 

“أجلس هنا منذ ساعات. أنتظر الكثير من الأصدقاء والمعارف.. لم أواعدهم لكنني على يقين من مصادفتهم” يقول ذلك الشاب الذي ارتمى على أحد كراسي الكافيتيريا يوزع عينيه بين وجوه المارة وكتاب في يديه. هو واحد بين كثر يقصدون المعرض مع حنين مسبق لصدفة متوقعة، صدفة يقلل من احتماليتها أو يزيد سلوك الراغب بتصيّدها: فأن تكون “ثابتا” في مثل تلك الأمكنة، بمعنى أن تتخذ لك موقعا تلازمه باستمرار، يعني زيادة فرصتك في التقاء “من لا تتوقعه”، بخلاف الحال إن أنت ظللت في حركة مستمرة. 

المشاهير و.. “زبدة التفاح” 
اللقاء قد لا يقتصر على الصدف “البريئة” باستمرار، فالبعض (من تلامذة المدارس على وجه الخصوص) بوسعه أن يعطي بعدا آخر لمعنى اللقاء، لزمانه ومكانه، وامكانية الافادة من كليهما. “أستاذ.. بليز فيني استعمل تليفونك” تسأل إحدى الفتيات. تحاول رفيقتها أن تثنيها عن فعلتها من دون أن تبدو راغبة بالفعل في ذلك. 

“آلو.. يللا تعا.. ايه هلق جينا.. بس بسرعة لأنو راجعين على المدرسة بعد ساعة.. بأول الكافيتيريا حد السكرين.. هيدا تلفون حدا.. لأ ما بعرفو (تؤكد باهتمام).. يللا باي.. حياتي”. تتجهان بعد الشكر الى المكان المتفق عليه، تحثان الخطى هربا من رقابة ناظرة المدرسة التي رافقتهما الى المعرض، لا تنتبهان أبدا ولا تشغلهما للحظة كل تلك الكتب الملونة المرصوصة على الرفوف. ربما سترتاحان أخيرا ولوقت مستقطع من صرامة الكحلي.. من ثقل الحقيبة المدرسية.. ثقل الكتب. 

تلامذة المدارس الذين يزورون المعرض عادة في أيام محددة بدوامات محددة ضمن اوقات الدراسة “الرسمية” لن تجدهم جميعا بالطبع “في آخر الكافيتيريا قرب السكرين”، لكنك ستلمح حكما الكثيرين بينهم متكدسين بتراص الاكتاف كأنهم يتقصدون صنع حلقة لا يرغبون لغيرهم “اكتشاف” نواتها. “النواة” قد تكون في كثير من الاحيان كتابا على شاكلة “مشاكل الشباب الجنسية” او “كيف تسعد شريكك” وايضا “كي لا ترعبك ليلة العمر”.. وبعيدا عن “ليلة العمر” يبقى “لقاء العمر” بالنسبة الى بعض الشباب هو الذي قد يجمعهم خلال ندوة او توقيع وجها لوجه مع “الكاتب اللي كتير بقرالو ولا مرة حكيت معو شخصياً”. هنا، يسود المكان جو من الراحة والألفة التي تجعل من المشهور “الكوول” على استعداد للتضحية بقليل من وقته لمسايرة احدى الفتيات المتيمات بإبداعه او احد الشبان الذين يتوسمون في شخصه بوادر إرهاصات موهبة تحتاج الى من يرشدها ويتبناها، بل ويفتح لها الابواب ايضا و.. “كتابتك كتير بتعجبني استاذ وبتمنى صير أكتب متلك”. 

بالقرب من ذلك “الستاند” الذي يحمل اسم “منشورات غادة السمان” وقفت احدى الفتيات تسأل، بلهجة فيها استياء واضح، عن ذلك الكتاب الجديد الذي نمي الى سماعها ان “غادة مهاجمة فيه محمود درويش وقايلة انو عم بيروّج للفكر الصهيوني.. معقولة؟ قالولي مهاجمة احلام (مستغانمي، الاديبة الجزائرية) كمان بذات التهمة”. يضطر الشاب المسؤول في “الستاند” ان يشرح “للمرة المليون” ان الكتاب المقصود لا يمت الى الروائية والشاعرة المعروفة غادة السمان بصلة”، هو فقط تشابه الاسماء.. والله هيديك حدا تاني”. 

“أمنية” اخرى أجبر محمود على انتظارها طيلة ساعتين “جايي من طرابلس كرمال اشتري لعروستي كتاب مريم نور.. قالتلي ما بترجع الا والكتاب معك وموقّع منها شخصياً”. 

تطل داعية “العودة الى الطبيعة” كما الى المحبة والنقاء والروحانية.. بين بني البشر، فتهجم تجاهها على الفور جموع الجماهير المتعطشة لوصفة سريعة.. لحل سحري.. لمشاكلهم “الوجودية” و”الماورائية” كافة. حل لا يقوى على الاتيان بمثله سوى الملائكة. لكن الملائكة “تنرفز” ايضا.. تصرخ.. تعترض.. تطلب من الجميع ان يشتروا كتابها ولا يسألوها “ماذا نأكل كي يختفي السواد الذي يظلل أعيننا” والا فالاجابة على السؤال، كما على الاسئلة كافة، حاضرة وانفعالية: “بتشتروا سكربينة وما بتشتروا كتاب.. ايه انا بلا أخلاق وما رح ردّ عليكم”. لكنها لا تمتنع فقط عن الرد على أسئلة أولئك المهووسين “بزبدة التفاح بديلاً عن السكر”، انما قد تتوقف ايضا عن التوقيع بدافع الانزعاج. 

عندها.. سيفكر محمود ألف مرة قبل العودة إلى طرابلس.

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic