نصرالله لـ «الرأي العام»:
الأميركيون أرسلوا لنا قنبلة سياسية للقضاء على «حزب الله»

الرأي العام الكويتية (الجمعة، 16 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

Sayyed Hassan Nasrallah

حاوره في بيروت جاسم بودي

من يتابع فصول الحملة الأميركية على «حزب الله» في حمأة ما يطلق عليه «مكافحة الإرهاب» قد يعتقد أن هذا الحزب نزل إلى «تحت الأرض» هلعاً أو أن قياداته توارت أو أن اللبنانيين أداروا لتضحياته الظهر,,, إلا أن من يزور «السيد» ويحاوره يشعر كأن شيئا لم يكن.

يستقبلنا الأمين العام سماحة السيد حسن نصرالله، كما في السابق، اطلالة وقورة لرجل صنع انتصارا، عمامة جعلت خيار المقاومة سلوكا عاما، ابتسامة تعكس وثوقا وارتياحاً وكلاماً في السياسة لم يخل من المفاجآت.

فالسيد نصرالله، القليل الكلام في هذه الأيام، خصنا بلقاء كشف فيه عن «قنبلة سياسية» أطلقتها الولايات المتحدة, في اتجاه «حزب الله» للقضاء عليه عبر وسطاء حملوا عرضا ترغيبيا قبل أن تبدأ مرحلة الترهيب من خلال إدراج اسمه على اللائحة الثالثة.

وروى لنا الأمين العام لـ «حزب الله» خفايا التحرك الأميركي في اتجاه الحزب بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة وقبل المطالبة بتجميد أرصدته المالية ووضعه على لائحة الإرهاب، وكشف عن عروض سابقة من الأميركيين ظنوا انها «مغرية» أعقبت تحرير الجنوب وتم رفضها.

وملف تبادل الأسرى والمعتقلين مع إسرائيل، الذي يديره نصرالله شخصيا وحصرا، كان حاضرا في اللقاء عبر آليتي التفاوض وأوضاع الجنود الإسرائيليين الثلاثة وحكاية مبادلة المعلومات بالثمن الإنساني.

فماذا عن «القنبلة السياسية» التي حملها الوسطاء الذين أوفدتهم الولايات المتحدة؟

يجيب نصر الله: «بعد 11 سبتمبر ظنت الولايات المتحدة اننا سنصاب بالهلع فأرسلت إلينا وسطاء جاؤوا إلى هنا، وفي ظنها أن ثمة فرصة لأن نعطي بعد 11 سبتمبر ما رفضناه قبل ذلك».

الوسطاء الذين أوفدهم الأميركيون طرحوا أمرين:

  1.  إقامة علاقات مميزة معنا بعدما كالوا لنا المديح وعلى أساس أن لا علاقة لنا بما جرى في نيويورك وواشنطن في 11 سبتمبر.

  2.  عفا الله عما مضى، وخصوصا بعض الأحداث التي حصلت في الثمانينات كتفجير مقر قوات المارينز في بيروت وسواه.

كنت أقاطع الوسطاء، يقول السيد نصرالله، ليؤكد «أنه في الحقيقة لا علاقة لنا كحزب بما جرى في تلك المرحلة، وكنا دائما نقول ذلك ونؤكد عليه وكان معروفا كيف كانت الأوضاع في لبنان في تلك المرحلة», ولان الأميركيين أوفدوا إلى «حزب الله» وسطاء للبحث معه في هذه المسائل «كان من الطبيعي بسبب ذلك ألاّ يندرج اسم حزبنا على اللائحتين الأولى والثانية».

وكشف نصرالله «ان الوسطاء كانوا يريدون منا ثلاثة أشياء لقاء «عفا الله عما مضى وفتح صفحة جديدة»، هي:

  •  أن يقدم «حزب الله» خطابا جديدا يميز بين الإسلام والإرهاب، أو بين ما هو ديني وشرعي من جهة وإجرامي وإرهابي من جهة أخرى، ذلك لأنهم يعرفون أن لحزب الله صدقية كبيرة عند العرب والمسلمين.

  •  أن ينسحب الحزب عمليا من قضية فلسطين والصراع العربي - الإسرائيلي، فقد قالوا لنا انه بعدما حررتم أرضكم عليكم وقف دعمكم للفلسطينيين في انتفاضتهم وقطع علاقتكم بحركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي» إضافة إلى فك العلاقة مع سورية.

  •  بحكم كوننا حركة إسلامية، فهم يفترضون أن لنا علاقة بجميع الحركات الإسلامية، ولدينا تاليا معلوما عنها, لذا طلبوا منا تعاونا أمنيا معهم وتزويدهم بمعلومات عمن يفترضون أنهم قاموا بأحداث 11 سبتمبر».

لا أحد من الذين يتابعون المسيرة الكفاحية لـ «حزب الله» وأمينه العام يمكن أن يشكك في الرد الحاسم الذي سمعه الوسطاء الذين أوفدهم الأميركيون، وكلام السـيد يعزز هذا الاقتناع «لا نقبل ان يعلمنا أحد الفرق بين الديني والشرعي، وبين الاجرامي والارهابي, وبالنسبة إلى طلب الانسحاب من الصراع العربي - الإسرائيلي قلــت للوسطاء انه إلغاء لـ «حزب الله»، لعقله وقلبه، والغاء لدماء الشهداء وخيانة لدموع عوائلهم ولأهلنا وتضحياتهم, وهو تخل عن واجبنا الشرعي والديني في نصرة فلسطين, وبالنسبة إلى سورية فكلامنا كان واضحا أيضا لأن علاقتنا بها استراتيجية وثابتة ولا تخضع لاعتبارات محلية طارئة، ولانه إذا تم اضعاف سورية يسهل ضرب لبنان.

أما بالنسبة إلى التعاون الأمني، فقد سعى الأميركيون عبر وسطائهم إلى جعلنا في مواجهة الأصولية السنية، بحسب تعبيرهم، وحاولوا تحريضنا على هذا الأساس بالزعم أن مشكلة هذه الاصولية ستكون أكبر مع الشيعة في المستقبل، وذكرونا بالمجزرة التي ارتكبتها حركة طالبان في مزار الشريف ضد الشيعة قبل أعوام وقتلها الديبلوماسيين الإيرانيين، علما أن الكثير من السنة قتلوا في تلك المجزرة أيضا، وكان هدفها جر الجمهورية الإسلامية في إيران إلى الرد، وتاليا احداث فتنة عالمية شيعية - سنية، لم تنجر إليها بسبب التعقل والتعالي على الجراح، لذلك لم ينطل علينا الحديث عن خطر الاصولية السنية, وكان موقفنا واضحا منذ اليوم الأول للعدوان الأميركي على أفغانستان».

أضاف نصرالله: «بالطبع رفضنا كل هذه العروض لاننا نعتقد انها قنبلة سياسية للقضاء على «حزب الله»، ذلك انه بطبيعة الحال لن يرموا قنبلة نووية للقضاء علينا, ولما فشلت هذه الضغوط ورفضنا العروض عادت الولايات المتحدة وأدرجت اسم حزب الله على اللائحة الثالثة، ومن الواضح هنا ان الولايات المتحدة غير مستعدة لمقاربة الأوضاع في المنطقة إلا من منظور مصلحة إسرائيل».

وبدا نصر الله مطمئنا إلى الموقف اللبناني الرسمي والشعبي الرافض للائحة الأميركية التي تطالب بتجميد أرصدته المالية: «الموقف اللبناني جيد جدا ومهم، وكذلك الموقف السوري الذي يؤثر صموده إيجابا في الموقف الرسمي اللبناني, ومن المهم ان ندرك ان المطالبة بتجميد أرصدة حزب الله الهدف منها أولا: انتزاع اعتراف بالتوصيف الإرهابي للحزب، وهذا الأمر لا يندرج في سياق الحملة ضد ما يسمونه الإرهاب فحسب، بل هو محاولة لاحداث فتنة داخلية لبنانية تجاوزها الموقف اللبناني رسميا وشعبيا, نحن وللعلم لا نملك أرصدة باسم الحزب وكل ما يأتينا من تبرعات يصرف فورا لان حاجاتنا أكبر من مواردنا».

وفي رأيه «ان القضية أبعد من تجميد أرصدة، هي دعوة إلى الغاء «حزب الله»، تبدأ بتجميد حساب، ثم تجميد نشاط واعتقال مجاهدين، ثم سحب السلاح فشطبه من الحياة السياسية والحجر على حركته، وكل ذلك انطلاقا من أولوية المصلحة الإسرائيلية لدى الولايات المتحدة, لذا فان الدعوة إلى تجميد الأرصدة ما هي إلا فتنة لم تجد صدى عند غالبية اللبنانيين الذين سيتصدون لها، والحمد لله الموقف الرسمي فوت الفرصة على الفتنة والموقف الوطني والشعبي كان حاضنا ولافتا».

وعن موقف البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والموقف المسيحي عموما، يقول نصر الله «انه يندرج ضمن هذه المواقف الوطنية والشعبية التي عبرت عن رفضها للمطالب الأميركية وينبغي القول ان همنا الكبير كان تحرير أرضنا وطرد المعتدي، وأذكر انه عندما حررنا الجزء الأكبر من الجنوب والبقاع الغربي أصدر مجلس المطارنة الموارنة بيانا أشاد فيه بأداء المقاومين وحكمة قيادتهم».

وتحدث السيد نصرالله عن مفارقة لفتته أخيرا ترتبط بكلام لمستشارة الأمن القومي كونداليسا رايس استغربت فيه كيف يدافع لبنان الرسمي عن «حزب الله» الذي قتل الأبرياء! بحسب زعمها، في اليوم عينه الذي ارتكبت القوات الأميركية مجزرة في إحدى ضواحي جلال أباد سقط فيها أكثر من 300 أفغاني بريء, نحن لم نستهدف يوما أبرياء وأميركا نفسها اعترفت من خلال تفاهم أبريل بحقنا في القيام بعمليات عسكرية ضد الإسرائيليين ما داموا يحتلون أرضا لبنانية».

وهذا «السيد» الواثق، الذي هزم الإسرائيليين في جنوب لبنان، فقدم درسا «عمليا» في ترجمة الاقتناعات انتصارات، يقول الآن «ما يهمنا تأكيده أن خياراتنا ومواقفنا بعد 11 سبتمبر لم تتبدل ولن تتبدل عما كانت عليه قبله، ونحن لم نكن يوما بمنأى عن سياسة الترغيب والترهيب الأميركية واستطعنا مواجهتها ولسنا قلقين حيال المستقبل، فبعد تحرير الجنوب رفضنا عرضا أميركيا ترغيبيا واليوم نواجه فصلا من الترهيب الذي لن يرهبنا».

ويروي انه «بعد تحرير الجنوب والبقاع الغربي تلقينا رسالة أميركية عبر وسطاء تتضمن عملية مقايضة ربما اعتقدوا انها ستكون مغرية لنا, طرحوا علينا ثلاثة مطالب لقاء عرض من أربع قضايا, طالبونا أولا بوقف المقاومة في مزارع شبعا المحتلة وثانيا بوعد ولو شفوي بوقف أي أعمال عدائية لإسرائيل على الحدود وقفا نهائيا، وثالثا وقف دعم الانتفاضة الفلسطينية وفك العلاقة مع سورية في شأن الجولان.

ولقاء موافقتنا على ذلك عرضوا علينا ما يأتي:

  •  منح الحزب حصرا مبالغ مالية ضخمة للغاية لانفاقها على المناطق المحررة التي انسحب منها العدو الإسرائيلي، ومبالغ مماثلة لانفاقها على المناطق المحرومة التي دأبنا على المطالبة من أجل رفع الحرمان عنها.

  •  بناء علاقة جديدة وجيدة وممتازة مع الحزب ورفع كل أشكال الضغوط عنه.

  •  إدخال «حزب الله» في الحياة السياسية اللبنانية من أوسع أبوابها والضغط على المسؤولين اللبنانيين لتمكين الحزب من الدخول في الحكومة، بعد ان تزيل واشنطن «الفيتو» الموضوع على مشاركتنا.

  •  اطلاق الأسرى والمعتقلين من السجون الإسرائيلية.

طبعا كان نصيب هذا العرض الرفض لان موافقتنا على المطالب الأميركية تعني بكل بساطة اننا نتخلى عن إيماننا وأهلنا وتاريخنا».

ولا يمكن للمرء أن يلتقي الأمين العام لـ «حزب الله» من دون سؤاله عن الملف الأكثر تكتما، والذي يديره بنفسه، وهو ملف الأسرى والمعتقلين، وخصوصا بعدما أعلنت إسرائيل أن جنودها الثلاثة الأسرى لدى الحزب ليسوا على قيد الحياة, يقول السيد نصر الله: «نحن قررنا منذ البدء عدم الحديث عن أوضاع الجنود الإسرائيليين الثلاثة وليعلن العدو ما يشاء,,, ماتوا، أحياء، نصف موتى، نصف أحياء، ما يقوله لن يبدل من الأمر شيئا.

لقد قلنا للوسطاء الذين يأتون في اطار المساعي للتبادل ومنذ البداية ان ثمة آليتين لهذه العملية, إما معلومات عن أوضاع الجنود الإسرائيليين الأسرى مقابل ثمن إنساني، أي معتقلين لبنانيين، ومن ثم التفاوض على عملية التبادل انطلاقا من الشروط التي حددناها، وإما التفاوض على سلة واحدة، أي عملية تبادل كاملة من دون معلومات مسبقة.

في البداية اختارت إسرائيل الآلية الثانية، وبعد جولات عدة من التفاوض عبر وسطاء أرادت اللجوء إلى الآلية الأولى عبر الحصول على معلومات مقابل جثث, لم نوافق على ذلك لأن الثمن الإنساني الذي نريده هو أحياء، علما أنه في جولة التفاوض لعملية التبادل التي حصلت عام 1998 أرادت إسرائيل الحصول على معلومات مقابل جثث بينها جثة ابني هادي، حينها رفضت هذه المساومة وقلت انه شرف لنا ان تدفن تلك الجثث في فلسطين, وكذلك الآن نحن طلبنا أحياء مقابل المعلومات وهم وافقوا فقط على جثث مقابل المعلومات و(بنيامين) بن اليعازر (وزير الدفاع الإسرائيلي) يكذب على أهالي الجنود الثلاثة الأسرى لدينا عندما يقول انه قدم عرضا لـ «حزب الله» مقابل اعطاء معلومات, الحقيقة انهم لم يقدموا عرضا باطلاق أحياء مقابل المعلومات.

إن إسرائيل عادت عبر الوسطاء للأخد والرد، نحن جاهزون للتفاوض سواء في اطار الآلية الأولى أو الآلية الثانية ووفق ما حددناه سابقا».

وأنت تودع هذا الرجل الذي صار رمزا للمقاومة، لا بد من أن تسأله عن المستقبل في ظل اللحظة الحالية الحرجة، وهو لا يتردد في القول «نحن غير قلقين ومتمسكون بالخيارات التي يمليها علينا التزامنا الشرعي والوطني والإنساني والأخلاقي لا نعتقد ان الولايات المتحدة سوف تقوم بأي عمل عسكري في هذه المنطقة، وهي في كل الأحوال ليس لديها مبررات للقيام بمثل هذا العمل, ونحن على موقفنا وعلى خطنا وعلى اقتناعاتنا».

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic