موت وحياة المُدُن
محمد علي شمس الدين

السفير (الجمعة، 23 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

(إلى كابول وقندهار)

“تبارك الربّ هذا مخاض المدينة” 
السيّاب في “المسيح بعد الصلب” 

 

جمال الدين الأفغاني يئنّ أنينا حقيقيا في قبره الآن. إني أسمعه كنمر يتحطم تحت ضراوة الضربات الأميركية في كابول وقندهار. ولا أحسب حفدته اليوم بقادرين على إدارة حوار فكري مع الغرب (الذي أصبح الشمال) على غرار ذاك الحوار الذي أداره جمال الدين مع أرنست رينان في نهايات القرن التاسع عشر، حول الاسلام وقابليته للتطور العلمي والحضاري، حيث كان إرنست رينان يمثل قيمة استشراقية معتبرة، تنظر للاسلام نظرة فيها الكثير من الريبة، وكان جمال الدين الأفغاني ثائراً إسلاميا شرقيا بامتياز. لقد جرت مياه كثيرة بين ذاك الزمان وهذا الزمن. لا نستطيع ان نعتبر قوى التحالف الغربي اليوم وريثة لأفكار إرنست رينان وما مثله من استشراق قديم، ولا نستطيع ان نعتبر طالبان وريثة لأفكار جمال الدين. لقد أضيفت لهذا الصراع القديم قيمة التاريخ عينه بما حملته من تفاوت كبير في تسارع التطور واتجاهه، بين الشرق والغرب/ الشمال والجنوب من جهة، وبين مسارات الثقافة العالمية (المنتصرة، المنتكسة) بجميع أطرافها ووجوهها، ومسارات الاسلام وسائر الجماعات المغلوبة على أمرها. 

لقد كان ارنست رينان يرى الى الاسلام على أنه يمكن اختصاره “بخيمة وقبيلة”. وفي زلة لسان أخيرة لرئيس وزراء إيطاليا التي هي جزء من التحالف الغربي لضرب ما يسمونه “الارهاب”، قال ان الاسلام، في صراعه الحضاري والثقافي مع الغرب، يعتبر اليوم متخلفا. هل كانت حقا “زلة لسان” كما اعترف به واعتذر عنه في ما بعد رئيس الوزراء عينه؟ لا نعتقد ذلك، بل هو عين المعتقد الذي يعتقد به التحالف الجديد، حتى ولو ضمّ قوى ودولا إسلامية. فوزير الطاقة الاميركي يرى ان العرب لا يملكون النفط الذي هو في باطن أراضيهم، بل “يعومون عليه”، والتحالف الجديد، بمعزل عن شعاره في “مقاتلة الارهاب” لا يرى في ثروات آسيا الوسطى ملكا طبيعيا لشعوبها، بل هي ثروات موقوفة له، وسوف يضع يده عليها، بالقوة المسلحة، تماما كما فعل بثروة العراق والخليج والجزيرة العربية. 

وجوهر النظرة، او فلسفة العولمة التي تزداد شراسة، حتى وهي تتلقى ضربات موجعة من نوع ضربات نيويورك وواشنطن، هو ان شعوب العالم الثالث (والجنوب) وأديانه وحضاراته، متخلفة عرقيا وثقافيا، وأننا، كما يقول عنا هنري كيسنجر... “ما زلنا خارج الثورة النيوتونية” (نسبة لنيوتن رائد العلوم الحديثة)، واننا عاجزون عن الدخول إليها... وان ثرواتنا الطبيعية (من نفط وطاقة مائية وشمس ومعادن..) هي من الاهمية، بحيث انه يجب ان تنزع من أيدينا، لتوضع بأيد اخرى أكثر استحقاقا لها. فما زال الشرق، كما قال عنه “جِبْ” “من الأهمية بحيث أنه لا ينبغي ان يترك للشرقيين”. 

لوم الآخر 
هذه النظرة القديمة الموروثة للشرق والاسلام، ما زالت سارية المفعول حتى المواجهات الاخيرة، بالشكل الأسوأ لها. فلم يستطع التاريخ الحديث والمعاصر للشرق والغرب معا، وللكتل المتصارعة على رقعة العالم، ان يقدم تسويات حضارية للصراع حول الكثير من المسائل الخلافية، ابتداء من معنى السلطة والديموقراطية وحقوق الانسان، واحترام المواثيق الدولية، وانتهاء بمن له الحق في ادارة العالم، وتسوية خلافاته... الولايات المتحدة الاميركية، سيدة العولمة، أم الأمم المتحدة، أم سوى ذلك؟ 

ليس من المنطق في مكان، إلقاء اللوم والتثريب، دائما، على “الآخر” واعتباره سبب ما يلحق بالشعوب العربية والاسلامية، وشعوب الجنوب الاخرى من حيف واستغلال، او من تأديب وحشي مغلّف بستار شفّاف وخادع من “محاربة الارهاب”، على غرار ما يحصل اليوم في أفغانستان. إذ لا بد لنا من التحديث في ذواتنا أولا، وطرح الاسئلة العميقة بل الأسئلة الحارقة عليها، تجاه الحريات العامة، والاستبداد، ومعانيه، والمرأة وكيانها وموقعها في المجتمع، وموقفنا من التطور العلمي والتكنولوجي الكاسح، ومن عصر الأنترنت والكمبيوتر. فانه لا سبيل اليوم الى إرجاء طرح هذه الاسئلة وسواها، على سوانا، قبل أنفسنا. لننظر، على سبيل المثال، الى وضع المرأة المسلمة في أفغانستان وسائر الدول الاسلامية، ما هو؟ وهل هي جزء حي أم ميت من المجتمع.. لننظر الى الحرية.. لننظر الى معنى السلطة.. لننظر الى الموقف من التكنولوجيا والعلم... الخ. فالتلفزيون، على حد علمنا، هناك ممنوع، والعلم على المرأة ممنوع... كل ذلك بحجة حراسة المجتمع من الفساد، علما بأن هذه الأفكار وما يشبهها هي عين الفساد. 

والمتجوّل في مجتمعاتنا، او المصغي إليها، يلاحظ ما يشبه ان يكون عماءً في الحال وعماءً في الغة او الحوار. يقول المذيع، على سبيل المثال، لوزير يحاوره او رئيس يكلمه: “يقولون اليوم إنه تسود في البلاد حالة من ديموقراطية الدكتاتورية، فما رأيك؟” ويجيب الوزير: “إنني مع ديموقراطية الديكتاتورية. لكن هذه المرحلة لم نصل اليها بعد، فما يسود حقا هو ديكتاتورية الديموقراطية”. 

تصغي الى هذا الحديث، وسواه، من أحاديث حقيقية او افتراضية، فتحار كيف تعيد ترتيبه من جديد، فاهتزازاته الكثيرة تمنع عليك التركيز الضروري للفهم. وهنا مجرد مثال لا أكثر. وربما ورد الى تصورنا، اليوم بالذات، ما كان جمال الدين الأفغاني قد كتبه عن “طبائع الاستبداد”. ونسأل: هل تغير شيء؟.. والحال هو ان اهتزاز اللغة في المثال السابق، او العبارة، ليس اهتزازا في الفك يصاب به كل من يتكلم هذه اللغة، او رجفة تصاب بها أصابع من يكتبها، بل هو اهتزاز في عصب داخلي مستور تحت الحس، هو عصب الحياة والانتباه في هذه اللغة. وهو اليوم عصب ملتهب او رخو او ما يشبه ذلك. واهتزازات الكلمات شبيهة بالهزات الارضية والافلاك كما يقول جان بول سارتر. انها خطيرة وتكشف عن اهتزازات عميقة الغور في الحضارة ذاتها. وتنطوي العبارة على المفارقة العمياء. يقول أرائيل شارون مثلا: لا بد من استئصال الارهاب من جذوره. حسنا، الامر مضحك. والعماء هنا ليس في اللغة بذاتها بل في العقل المدبر للعبارة. العقل هو الأعمى... حينئذ، لا تصبح الساعة الخامسة هي الخامسة، بل السادسة، والثالثة هي الثانية اما الرابعة بعد الظهر فقد تأتي بعد منتصف الليل. فعقارب الساعات العالمية اليوم تدور ضد اتجاهها الأصلي، او كأن وقتا خرافيا ما تسبح فيه الكلمات والحركات ومواعيد الحرب والسلم والكلام والنوم واليقظة. 

لغة 
ربما حصل ذلك بنتيجة العنف وتدخله الأرعن في حياة الشعوب والكتل. فلغة العلم التي تمتاز أصلا بالدقة والضبط، سيسقط منها ذلك، وتستبدله بما يشبه الهذر والعماء. وتتبادل اللغة أدوارها الخطيرة... وتصبح الحاجة لتحديد معنى الكلمات ملحة بل فاصلة. لعل أساس الحرب العالمية الثالثة الدائرة اليوم على أرض أفغانستان، وفي جميع أنحاء العالم، موقوفة على تحديد او تعريف كلمة واحدة، واضحة وغامضة وملتبسة أشد الالتباس هي “الارهاب”. ما هو؟ ومن هو الارهابي؟ فحين يطالب شارون باستئصال الارهاب مثلا، فالأمر يجنح نحو الالتباس الكبير. انه يطالب باستئصال ذاته وقومه ودولته وفكرته. وحين تشن الولايات المتحدة الاميركية والحلف المساعد لها في الغرب والشرق، حربها الهوجاء ضد “الارهاب”، فانها تضع عنقها بالذات في مشنقة المعنى وتشد بالحبل على عنقها. الارهاب؟ ومن قال إنه (كليا او جزئيا) خارج الولايات المتحدة الاميركية بالذات؟ ثم ها هي حصيلة المعارك الشرسة الاولية التي خاضها التحالف بالطائرات، تقدم لنا آلاف القتلى الأفغان في منازلهم الطينية بل في مغاورهم السكنية بحكم كونهم شعبا بدائيا، وهم جميعا مدنيون؛ ومن بينهم مرضى المستشفيات؛ حتى كأن بيتي أديب اسحق المأثورين يستعادان في هذه اللحظة: 

“قتل امرئ في غابة 
جريمةٌ لا تُغتفَرْ 
وقتل شعب آمنٍ 
مسألةٌ فيها نظَرْ” 

فكل شيء تقريبا، في هذا الوقت العصيب من تاريخ البشرية، موقوف على تعريف اللغة.. لا بل على تعريف لفظة واحدة في اللغة، مؤلفة من خمسة أحرف: “إرهاب”. 

وتبادل أدوار اللغة، غالبا ما يحصل في أزمنة المحنة والحصار. 

إن فقدان العبارة لمعناها ولدورها علامة على فقدان المعرفة. وفقدان المعرفة جزء من فقدان السلطة (كما يرى ادوارد سعيد)، والمسألة تقرأ معكوسة ايضا، اي ان فقدان السلطة يؤدي لفقدان المعرفة وفقدان المعرفة يشوّش الانشاء. 

من أجل هذا كله، فان إنشاء الحرب الجديدة الدائرة رحاها اليوم في آسيا الوسطى ومطارح اخرى كثيرة من العالم، سواء بالتفجيرات او بالطائرات او بالجمرة الخبيثة، هو إنشاء ملتبس ومشوّش. ويكفي ان نصغي لتضارب التصريحات والمؤتمرات الصحافية والبيانات الصادرة عنها، لندرك مدى التشويش في العبارة من ناحية، والتشويش في الهدف، ومن ثم اضطراب السلطة الممسكة بزمام الأحداث في العالم. وقد اختُصر ذلك بالاعتراف بأن الجميع في “مأزق”: مصدّر الارهاب ومتلقيه. القاتل والقتيل معا. طالبان والولايات المتحدة الاميركية... الشمال والجنوب.
 

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic