1866 عائداً خلال سنة ونيف.. وتوقعات بإقفال الملف
العائدون من إسرائيل أغرتهم طبيعة الأحكام وعظات التطمين

السفير (السبت 24 تشرين ثاني - نوفمبر 2001)

كامل جابر

العائدون في الدفعة الأخيرة على رصيف ميناء الناقورة

تتجه الدولة اللبنانية تدريجيا نحو إقفال ملف الفارين الى فلسطين المحتلة مع اندحار الاحتلال، بعد الثالث والعشرين من ايار العام المنصرم، ممن انخرطوا في صفوف المتعاملين مع الاحتلال او في الاجهزة الامنية المختلفة التي كانت تتبع لميليشيا “جيش لبنان الجنوبي” وعائلاتهم. وما التدفق الكبير للعائدين من فلسطين المحتلة في الاسبوع الماضي (الذي بلغ نحو 245 عائدا) الا المؤشر الواضح لمحاولة الدولة استقطاب ابنائها المطلوبين لعدالتها او استعادتهم “مهما كلف الامر”، من تضحيات ربما، او من خلال رسائل “اطمئنان” بأنها ستتعامل معهم بصورة مخففة باستثناء المتورطين بجرائم واضحة. 

ويجمع العائدون على ان مواعظ “التطمين” التي كررها امامهم مطران صور والاراضي المقدسة بولس صياح في زيارات متتالية، مؤخرا، وحملت بعض الوعود، هي التي اثمرت حماسة واضحة لدى معظم الهاربين الى شمالي فلسطين وشجعتهم على العودة الى قراهم وبيوتهم من اجل انهاء ها الملف المفتوح على اكثر من احتمال، منها بحسب اجماع العديد منهم، خشيتهم من ضياع هويتهم اللبنانية، فلا المتأهلون الجدد هناك سجلوا في اقلام النفوس اللبنانية ولا المولودون حديثا ابصروا النور في سجلات القرى والدولة، على الرغم من ورودها في سجلات الكنيسة التي يُعترف بأعمالها اينما كانت وعلى اي ارض، حتى لو كانت محتلة. 

وعلى الرغم من ان مئات العائلات هناك، وجدت مدارس مؤقتة لاولادها على نفقة الدولة “العبرية” تلزمهم تعلم اللغة العبرية والانسجام مع مناهج تعليمية غريبة نوعا ما عن المناهج المتبعة لبنانيا مع غياب لبعض المواد، لكن في المحصلة، لا اعتراف لبنانيا بالشهادات المحصلة هناك او حتى بالسنة الدراسية التي مرت، وبالحالية كذلك. 

ويروي العائدون التفاصيل المملة لحياتهم اليومية “الروتينية” هناك، على الرغم من سخاء الدولة الاسرائيلية في تقديماتها لهم، من منازل واثاث ورواتب شهرية مغرية وتعويضات مالية لا يستهان بها (وصل بعضها الى اكثر من خمسين ألف دولار اميركي) وتأمين لوسائل النقل والدراسة وتشريع لسياراتهم اللبنانية ومنحهم بطاقات خاصة، مع عرض للجنسية الاسرائيلية. ثم ترك الخيارات امامهم للهجرة الى المانيا واستراليا وتشيلي. لكن كل ذلك لم يمنع نبذهم وعزلهم من قبل سكان المناطق والمدن اينما حلوا، وخصوصا من قبل الفلسطينيين على مختلف فئاتهم وطوائفهم، الذين لم يتوانوا لحظة عن نعتهم بخيانة وطنهم. 

بدأت سميرة يونس ابنة الخامسة عشرة تستعيد أنفاسا من “عبق جدودها” بعودتها بعد عام ونصف عام تقريبا، من هجرتها “القسرية” مع ذويها واخويها الى “اسرائيل”، الملجأ الذي فرّت إليه المئات من عائلات قادة وجنود ما يسمى “جيش لبنان الجنوبي”، المتعامل مع العدو الاسرائيلي. 

وتؤكد سميرة ابنه ابراهيم يونس (35 عاما) من دبل في قضاء بنت جبيل، الذي اعتقلته السلطات اللبنانية فور عودته منذ نحو عشرة ايام وبدأت محاكمته، انها عادت تسترجع امانا لم يتوافر في فترة وجودها هناك، “على الرغم من قلقها على والدها” فتقول: “خسرت عاما دراسيا، ليس مهما، المهم اننا عدنا الى بيتنا، ربما لم اشعر بالخوف هناك، لكن لم احس بالامان بتاتا”. 

وتروي سميرة بعض تفاصيل رحلتها التي “لم تمتلك خيارها” فتقول: “لا انسى كيف خرجنا من هنا، هذا الرعب والقلق من لحظة دخولنا “الجدار الطيب” عن طريق رميش، حتى وصولنا الى طبريا، لم اكن ادري الى اين نحن ذاهبون. والدي ووالدتي وأنا وشقيقي شربل (12 عاما) وشقيقتي روبيرتا (8 اعوام)، ندخل الى المجهول. اسئلة كثيرة راودتني واهمها متى سنعود؟ وما هو مصيرنا؟ ثم وصلنا الى مخيم من أبنية في عكا بقينا فيه شهرا كاملا ثم انتقلنا الى “كيبوتز” في طبريا، وبقينا هناك ستة اشهر ثم سكنا في منزل مستقل. وبدأت حياتنا اليومية تمر عادية. لا يوم افضل من الثاني. من البيت الى المدرسة في “منحاميا” التى تولى معلمون لبنانيون تدريسنا فيها، من اساتذة سابقين وطلاب جامعات، بالاضافة الى معلمين اسرائيليين حاولوا تعليمنا اللغة العبرية، لم انجح فيها لانني لم احبها ولم اهتم بها. كانت الباصات الاسرائيلية تنقلنا الى المدرسة وكل تلامذتها من اللبنانيين. المناهج مستواها متدن وخصوصا الكيمياء والفيزياء واللغات الاجنبية”. 

لم يغادر الاصحاب والرفاق في القرية ذاكرة سميرة وحزنت هناك كثيرا لوفاة جدها، وتقول: “حرمت هناك من اصدقائي، من حياتي القديمة كلها، من حياتي الطبيعية. ولم يغب الحديث عن لبنان في كل جلسات اهلي واصحابهم اللبنانيين الذين عاشوا قلقا من ان يحرموا من العودة، ومنهم من تمنى لو مات في لبنان ولم يغادر الى اسرائيل، وهم ينتظرون ادوارهم في العودة. كانت تصلنا اخبار “مضخمة” عن ضرب واهانات للمساجين، لكن عندما ذهب المطران صياح الى هناك شجع الاهالي وعلموا من خلاله ان كل ما قيل كذب بكذب”. 

مايا عطية وأطفالها

وتروي مايا عطية من دبل، زوجة جورج نعيم ووالدة ديانا (3 سنوات) ودينا (سنتين) ونعيم (شهرين) وقد ولد هناك: “بعد وصولنا الى اسرائيل اخذونا الى كيبوتز “اشكلون” وبقينا فيه مدة ستة اشهر، وبعد عودة حماتي التي كانت معنا الى لبنان، نقلونا الى مخيم “نرفانا” في طبريا، بقينا اربعة اشهر ثم سكنا في منزل مستقل. لان زوجي كان مريضا، كنا نتلقى راتبا شهريا بمقدار 750 دولارا اميركيا، مع تأمين للاولاد، وكنا نصرف ما كنا نقبضه فهو لا يكاد يكفي للطعام. الطبابة مجانية وندفع ثمنا للدواء فزوجي كان مريضا ب”الشقيقة” وتفاقم وضعه هناك"

وتضيف مايا: “كنت اقضي اوقاتي مع اطفالي في البيت، ونخرج احيانا الى حديقة عامة يلتقي فيها “الدبلوية”. سمعنا كثيرا عن مساجين ماتوا من الضرب، وان الدواء ممنوع عن المرضى وعن تركيع وتعصيب عيون في سجون الدولة اللبنانية الى ان جاء المطران صيّاح وقال: “عودوا لا شيء يضر، السجن سنة او ستة أشهر ويمكن التساهل أكثر من الأول. الناس هناك اطمأنت وسجلت أسماءها للعودة”. 

أما نائلة. ك. ح (38 عاما) من القليعة فتقول: “بعد مغادرتنا من منطقة العباسية أتت باصات إسرائيلية ونقلتنا الى معسكر سابق للجيش الإسرائيلي في محلة “المغار” قرب صفد، وبقينا أربعة أيام هناك ثم وزعنا في فنادق وشاليهات، وجئنا نحن في “اشكلون” التي بقينا فيها شهرين كاملين ثم سكنا في الناصرة العليا أنا وشقيقي جورج وزوجته وأولاده. قدموا لنا منزلا من خمس غرف على نفقة الدولة الإسرائيلية وهي التي تدفع أجره، ومبلغا للتأثيث وراتبا بلغ 3200 شيكل (نحو 900 دولار أميركي). والعائلات اللبنانية الأخرى توزعت بالإضافة الى الناصرة العليا في نهاريا وطبريا ومعالوت وكريات شمونة والخضيرة وكان معظم أربابها عاطلين عن العمل لعدم إلمامهم باللغة العبرية المطلوبة، وهم أصلا من غير المهنيين، فمعظمهم كان في “الجيش” (“الجنوبي”). أعطونا بطاقات برتقالية شبيهة ببطاقات الفلسطينيين، وبعد الانتفاضة استبدلوها ببطاقات مغلفة بلون أزرق وسمحوا للبعض بجمركة سياراتهم واستبدال نمر “الجنوبي” بنمر صفراء إسرائيلية”. 

وتضيف: “منذ ذهابنا ونحن نرغب في العودة، وعلى الرغم من تدهور الوضع الصحي لشقيقي (تقلص حاد في العمود الفقري وبدأ يفقد من طوله) والذي أجبرني على الذهاب معه الى هناك وخضوعه للعلاج المكثف، فقد رغب جدا في العودة الى لبنان لكن وضعه الصحي لا يحتمل السجن. كنا نسمع الكثير من الشائعات عن تعذيب السجناء في لبنان ومصادرة الأموال من العائدين، لكن بعد زيارة المطران بولس الصياح للبنانيين هناك واجتماعه معهم عدة مرات وإعطائه “تطمينات” للناس الذين تحدثوا عن وعود سابقة لم تنفذ بحذافيرها حول معاملة العائدين ووضع المساجين والأحكام المخففة ودعوته لهم بالعودة، أدى الى تشجيعنا وتم تسجيل الأسماء بانتظار العودة على الرغم من الشائعات المضادة الكثيرة من نوع الحديث عن “تشليح مصاري” وها انني عدت “ولم يسأل أحد عن نقود او غير نقود، المعاملة هذه المرة غير كل المرات”. 

يتابع اللبنانيون الذين فروا الى إسرائيل “أخبار البلد” من خلال الاتصال الخلوي بذويهم وعائلاتهم، او عبر الصحف اللبنانية، بواسطة الانترنت. هاجر منهم العديد الى استراليا (من لديه أقارب هناك) او الى المانيا ثم عاد معظمهم من هناك ولم يبق غير الثلث، وتوجه القليل القليل الى تشيلي، ومن رجع مؤخرا الى لبنان يتحدث عن أمراض تفشت بينهم، “أمراض عصبية وأمراض القلب بسبب الخوف والقلق وانعزالهم عن محيطهم وخصوصا الفلسطيني. تزوجوا هناك من بعضهم البعض، وأنجبوا أطفالا من دون هويات لبنانية”. 

على كل حال، بدأ العائدون يتوافدون تباعا، وقد وصل المجموع العام للعائدين منذ ما بعد التحرير الى 1866 عائدا من أصل رقم متضارب يرجحه البعض بحوالى خمسة آلاف هاجر عدد كبير منهم الى المانيا واستراليا، علما انه من بلدة القليعة وحدها سجل فرار نحو 2200 مواطن بعد التحرير عاد منهم نحو 225 مؤخرا. 

ويؤكد العائدون حديثا ان القياديين البارزين في “الجنوبي” هم أكثر الخائفين من العودة بسبب ملفاتهم “العامرة بالفظائع والفضائح” على الرغم من رجعة بعضهم. ويهمس البعض ان كل شيء بات ممكنا، “إذا ضحى العائدون بقسم من تعويضاتهم لجهات معينة بامكانها التخفيف من أحكامهم”!! لكن، في الحديث عن اتجاه الدولة الفعلي نحو اقفال ملفاتهم من خلال وعود “تخفيفية”، قد يكون الباب الى عودتهم كلهم ثم اسدال الستار على هذا الملف بكل تشعباته وأحكامه غير المنصفة أحيانا، وعلى الأرجح قبل انتهاء العام الجاري. 

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic