الغجر والتباس الحدود...
عنوان الصراع غير المنتهي

السفير (السبت، 1 كانون أول - ديسمبر 2001)

كامل جابر

امرأة تجمع الحطب مع ابنتها في الغجر وبدت دورية دولية خلف السياج

ليست الطريق الى قرية الغجر المتأرجحة بين محتلة وحق لبنان في ثلثيها الشماليين من غير مسالك وعرة بين أسلاك هي المسرب الوحيد المتعرج والمفضي الى المجهول في القرية الذائعة الصيت منذ ما بعد التحرير في أيار العام المنصرم، والتي اختصرت قضية النزاع على الحدود بين لبنان واسرائيل المحتلة لمزارع شبعا وهضبة الجولان وفلسطين، وهي كذلك عنوان الصراع المستمر حول صوابية “الخط الأزرق” الذي رسمته الأمم المتحدة وسجل لبنان حوله الكثير من التحفظات، ونقاط الخرق التي جاءت لصالح اسرائيل وأجحف حق لبنان فيها. 

والداخل الى هذه القرية المتداولة في مآل المصير منذ التحرير، يحاول التقاط أنفاس المغامرة، كالداخل الى السكون، يشككه الصمت حول جدوى قرار الولوج. لكن في إطلالة بعض الوجوه من هذه النافذة أو ذاك الباب ما يبعث في تسارع دقات القلب بعضا من الرفق والاطمئنان. فيتجمع قلق المغامرين في الدخول مع قلق القاطنين على خط التماس الذي لا لون له عند أصحاب البيوت لاعتبارات عديدة تتعلق في مجملها بهذا الضياع المساور أهلها حول مصيرهم بين قرية موحدة أو قريتين من واحدة، وحول هوية أهلها السورية، أم اللبنانية؟ أم ما هي عليه بعد 35 عاما من الاحتلال: اسرائيلية. 

تشد المغامرة الداخل للتوغل في خضم المجهول وصولا الى وسطها ومتفرعاتها، ويتحول قلق المستغربين لوجود الزائرين الجدد، للمرة الأولى منذ 35 عاما، الى “حشرية” تدفع بهم على مختلف أعمارهم للخروج الى الشارع، وبعضهم من يلقي عليك تحية، هي أقرب الى التساؤل عن سبب مجيئك، وبعضهم الآخر، ولا سيما من كبار السن، لا يرد تحيتك أو يتعامل معها من رؤوس شفتيه معلنا رفضه لوجودك. وتتفوق حشريتك على قلقهم الذي يدفع بعضهم الى مخاطبتك بلغة أقرب الى التمرد والرفض التي تدعوك علنا للخروج من القرية حتى يتدخل أحدهم ليخفف من غضب المتحدث ويلاطفك بعبارات تبرر ردة فعل من سبقه. 

وأنت هناك تقهرك المقارنة بين ما أنت قادم منه وما تركت عليه، فتضيع بين المشاهد العمرانية الجميلة التي تطالعك للمرة الأولى في محيط لم تر فيه من الجهة اللبنانية خلال عام وستة أشهر من التحرير غير الدمار ومحاولة مسحه وانعدام للبنى التحتية. فالمنازل القديمة والحديثة المنظمة والمحاطة بغابات من الشجر البيتي والورود والمبنية على نفقة أصحابها ومن “تعب السنين”، طُليت في مجملها باللونين الأبيض والرمادي وطغى الأزرق والأقرب الى الفيروزي على أبوابها وشبابيكها وأسوارها الحديد. وتوزعت بيوت الضيعة على مساحات من مربعات متقاطعة تفصلها طرقات منفرجة توافرت فيها جميع البنى التحتية وشبكات المياه وعداداتها والكهرباء والهاتف ومستوعبات النفايات، وأكوام الحطب لمؤونة الشتاء، حتى تتأكد بعد برهة من تمالك أنفاسك، من أنك في قرية نموذجية. 

وفي الوصول الى محاذاة متنزه يطل من علوه على منبع نهر الوزاني ومجراه، وعلى قرية الوزاني اللبنانية، يمكن الملاحظة بإمعان كيف يحرك الإرباك جنود العدو الاسرائيلي، الذين علموا سريعا بوجود “غرباء”، في محاذاة موقعهم الذي حافظوا عليه في الجهة الجنوبية من البلدة التي تُعتبر داخل الترسيم الذي توجه “الخط الأزرق”. وتبدأ حركة مماثلة لسيارات أمعنت في الرواح والمجيء يمكن تمييز أصحابها بعناصر مخابرات ترتبط بقيادة الموقع الاسرائيلي أسفل القرية. 

ومن هناك وفي نظرة سريعة نحو الوزاني ونهرها، يمكن قراءة عنوان الصراع غير المنتهي، فالحدود تثبت لبنانية ثلثي القرية، وإلا فلماذا هذا الخط المتعرج الذي حول قرية الغجر الى رأس يدخل في خليج لبناني حتى كاد يرسم نصف الدائرة؟ وهكذا يعود الكلام عن قرية الغجر أو المعروفة أصلا ب “غاجر” السورية، ليتصدر عناوين شد الحبال بين لبنان وسوريا من جهة واسرائيل من جهة ثانية، حول ترسيم الحدود، ولتتحول فيه القرية في كل مرة تعود الى الواجهة، الى فتيل قد ينذر بإعادة خلط الأوراق، من جديد. 

الجدير ذكره أن الحديث عن قرية الغجر بدأ مطلع شهر حزيران الذي تلا شهر التحرير في أيار العام 2000، بعدما دخلتها دورية للقوة الدولية للبحث في احتمال تقسيمها شطرين. وهي احتلتها اسرائيل من سوريا مع هضبة الجولان منذ العام 1967، وتبلغ مساحة القرية حاليا ضعفي ما كانت عليه قبل نحو 80 عاما عند ترسيم الحدود الدولية في العام 1923. ويبلغ عدد سكانها نحو 1700 نسمة ينتمون الى الطائفة العلوية ويحملون حاليا الجنسية الاسرائيلية.

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic