محمد علي شمس الدين
الشاعر أكبر من المدارس وأكبر من الأشكال..
والدين والشعر دعوتان إلى تحرير النفس

السفير (الجمعة، 7 كانون أول - ديسمبر 2001)

اسكندر حبش

محمد علي شمس الدين

“الشعر شغف روحي وجسدي”. قد تختصر الجملة هذه، علاقة الشاعر محمد علي شمس الدين بالكتابة، هذه الكتابة التي أصبحت اليوم على عتبة تحولات جذرية في مناخاتها ولغاتها، وإن كانت لا تزال تستغرق “بالعيش والمتعة والألم”. 

عشرة دواوين، هي خلاصة هذه الرحلة التي بدأت منذ أكثر من ثلاثين عاما (هذا إذا استثنينا الكتب النثرية)، رحلة، تطلع “من قاع ثقافي” مثلما تطلع من هذه الحياة الباحثة بدورها عن أساليب وخصوصيات، تتجلى اليوم، في “ممالك عالية” (دار الآداب بيروت) آخر مجموعات محمد علي شمس الدين. 

مجموعة الشاعر الجديدة، تقف على الحد الفاصل لسؤال الكتابة الشعرية المعاصرة. من هنا، قد لا يكون السؤال المطروح، لماذا عودة الشاعر الى القصيدة “الكلاسيكية” العمودية، بل وكما يسأل الشاعر، ان المكتسب الخليلي العروضي هو طوع يديه يلغيه او يثبته كما يشاء. 

حول الشعر، ورحلة الكاتب، حول “ممالك عالية” وموضوعات أخرى، جاء هذا الحديث مع محمد علي شمس الدين. 

 

>> أنت اليوم في مجموعتك العاشرة. لن أسأل أين وصلت بالشعر، فقط، ماذا يعني لك الشعر بعد، بعد كل هذه التجربة؟ 

-- الشعر شغف روحي وجسدي. لنشبهه بالموسيقى، ومن البداية من الصبا، من لحظة استفاقة النفس على قلقها الغامض كانت حيثيات وإجراءات العيش اليومي لا تشبع النفس أي مطالب الصبا. حتى مطالب الصبا كان ينقصها شيء آخر سوى التلبية، كانت تنقصها العبارة او ان تكتب. باكرا أحببت ووقعت في شك وجودي وباكرا استمتعت بالجسد وانكسرت وتأملت في موت صديق، وانتبهت لمفاصل الأيام، ونظرت الى الغيوم في الأفق، وتأملت العناصر وهي تتحول؛ وما ينقص هذا الوجود كان بالنسبة إليّ الكلمات. تسألني لماذا الشعر؟ أقول لأن الحياة لا تكفي وأعني بذلك ان استغراقي الشخصي بالعيش والمتعة والألم وهوامش الحياة أيضا، كل ذلك كان ينبغي له ان يكتب. لماذا؟ لستُ أدري على وجه التحديد إجابة شافية لأنني من خلال الكتابة كنت أقترح على الوجود وجودا آخر وعلى اللغة لغة أخرى، وعلى الهمّ واليأس والمتعة والزواج والله والشياطين، أسماء أخرى هي أسماء الشعر. 

أنا في الحقيقة أجدني في وضع إشكالي. لماذا لا تكفي الحياة مثلا؟ ثم ما الفائدة من اقتراحات أخرى لكي يسمى المبدع مبدعا، ما دامت هذه الاقتراحات هي كلمات، هي فراغ ممتلئ، هي لا شيء. فبين الوجود والعدم أكتب سيرتي وأشعاري. فلنقطة الشغور والفراغ فيّ ككائن منتبه لم يستطع ملأها شيء سوى الكتابة، الكتابة مرض وشفاء. ربما أنا مريض بهذه المسألة، حاولت ان أعيش من دونها فلم أستطع. الكتابة قدر وجودي. 
تنوع 

>> الناظر الى مساراتك، يفاجأ أحيانا بتنوعها: درست الحقوق، والتاريخ والأدب العربي وعملت في عدة وظائف، ومع ذلك كانت الكتابة هي الأمر الوحيد الذي استغرقك. لماذا كانت هذه الخيارات او الاختيارات العديدة، ما دامت الكتابة قدرك الوجودي؟ 

-- الكتابة إشارات شبيهة بلمعان الضوء على شاشة ما خلف الكتابة، هي العمق الثقافي للكائن الكاتب. هذا العمق الثقافي شبيه بالبحر، كثير الأغوار ومتلاطم ومتنوع. أعتقد ان الغنى الثقافي يأتي من التنوع، انتهى من مدة طويلة عصر البدائية الشعرية أي الزجل الشعري المنطلق من الحدث الشعري بمفرده من دون ثقافة. إليوت يشير للثقافة في احدى مسرحياته ويرى ضرورتها المطلقة بعد الثامنة عشرة. شخصيا أرى ضرورتها قبل الثامنة عشرة إذ بإمكان الشاعر التهام مكتبات في عام واحد. أنا شخصيا التهمت مكتبة الجد الشيخ في القرية وأنا في الثالثة عشرة من العمر. قرأت في هذه السن لزوميات المعرّي ومقايسات التوحيدي وديوان المتنبي وديوان الشريف الرضي والمحاسن والأضداد للجاحظ، من الناحية التراثية، وكنت أدأب او أعمل على نفسي بشأن اللغة الفرنسية، كنت أحفظ في كل يوم بيتين من الشعر الفرنسي. قرأت راسين وكورناي وحكايات لافونتين وحفظت معظمها غيبا، كما انفتحت على ألبير كامو ووجوديته في “الغريب”. الثقافة تنوع كما قلت والشعر لا يطلع من الأدب، من قاع أدبي، الشعر يطلع من قاع ثقافي، من التاريخ، من الفلسفة، من العلم. والأساليب التعبيرية الأدبية جزء من الزاد الثقافي. لكن خصوصيته انه يستر كل الثقافة، وأعتقد ان الشعر يبدأ من حيث ينتهي التاريخ وتنتهي الفلسفة وتنتهي العلوم وينتهي الأدب. هو زهرة كيمياء هذه الثقافات بكاملها. دراستي للحقوق وللأدب وللتاريخ هي جزء اكاديمي من الثقافة وهي محدودة لأن الجزء غير الاكاديمي هو الاوسع والاكبر. دراستي الاكاديمية اعطتني منهجاً وجزءاً من المعرفة، أما الجزء الاكبر من هذه المعرفة فقد اخذته من قراءاتي المتنوعة والشاسعة ومن عاداتي ان اقرأ في وقت واحد كتاباً في السيرة او التاريخ وكتاباً في الفلسفة وكتاباً في العلم وديواناً ورواية، وهكذا احس بشغفي، فالكتاب ايضا كالقصيدة جزء من ضرورة ملء ما سميته الفراغ المزدحم. تبقى نقطة وهي جوهرية، كيف ترفد الثقافة القصيدة؟ الثقافة وحدها لا تكفي، لقد كان العقاد من اكبر مثقفي عصره، تشهد على ذلك كتبه وسيرته، كتب 11 ديواناً من الشعر ليس فيها سوى شذرات قليلة من قصيدة، فلم تستطع الثقافة ان تصنع منه شاعراً. لكنك في الوقت عينه، حين تقرأ إليوت، تشعر بأن خلف هذا الشاعر الكبير الذي ملأ عصراً بكامله، ثقافة هائلة. من شروط الثقافة ان تتوارى خلف إيماءات القصيدة ولكن القارئ ذا الدربة يستطيع من كلمات القصيدة ان يستشف ما خلفها. الثقافة للقصيدة هي أخلاط التراب والهواء والشمس، التي تصنع الزهرة في النبتة. بل هي الاخلاط التي تصنع الحليب في دم الحيوان وعظمه. حين لا تواري القصيدة ثقافتها تسقط تحت ثقل المعرفة. شرط المعرفة في القصيدة كمونها. من اجل ذلك وعلى سبيل المثال لم ينجح الشاعر ادونيس في الكتاب (I) والكتاب (II) في ستر عبء التاريخ العربي والاسلامي وضغطه على القصيدة فجاءت القصيدة لديه شبيهة بإبرة تحت قش التاريخ. ايضاً خليل حاوي حين اكثر من إشاراته الفلسفية والوجودية في قصائده وأيضاً حين أغرق بعض قصائده بالسرد الاسطوري، انتقص هذا الصنيع الاستعراضي من شعرية النص، لأن المعرفة بتنوّعاتها، اخص منها المعرفة الفلسفية والتاريخية بمقدار ما هي ضرورية للقصيدة أي لخلفيتها تشكل خطراً عليها، اذ ربما أزاحت الشعر عن موقعه وأخذت الصدارة وبالتالي تصبح لا هي بمعرفة فلسفية ولا هي بحدس شعري. اعتقد ان ما سلب عن المنظومات والاراجيز العربية المشهورة شعريتها هو استعراضها للمعرفة والحكمة. 


البدايات 

>> لو عدنا الى الوراء قليلا، وسألتك عن تربيتك الشعرية، ما عدا الاسماء التي ذكرتها، من مارس بمعنى من المعاني تأثيره عليك في تلك الفترة، الى اين نوع شعري كنت تنحاز؟ أسأل هذا وفي بالي “قصائد مهربة الى حبيبتي آسيا”، اذ اشعر كأن هناك بعض تأثيرات بيرس، وربما ادونيس، من حيث الفصاحة والايقاعات الخ.. ما رأيك؟ 

-- قبل ان هرّبت هذه القصائد الى آسيا وأعلنتها بالنشر كنت مهرباً خطيراً بيني وبين نفسي لعشرات القصائد سواها، استخدمها كعينات مختبرية بيني وبين نفسي، وربما عرضتها على بعض الاصدقاء، وحتى على بعض الفلاحين او الصغار احياناً لأرى لأي مدى هي تشكل صلة وصل مع العالم. وهي ما زالت في الزاوية السرية من التجربة ولست ممن يميلون إلى نشر أشعار الصبا كما حصل مع بدر شاكر السياب او شعراء آخرين. هذه تجارب مع الذات. اسجل لك ما يلي: القصيدة الاولى التي نشرتها وما زالت حتى الآن، حين اقرأها، احس براهنيتها وكأنها مكتوبة للتو هي “ارتعاشات اللحظة الاخيرة” نشرتها العام 1972 في مجلة اتحاد الكتاب العرب في دمشق “الموقف الادبي”. ولم يكن احد يسمع باسمي ولا كنت على شيء من الشهرة ونشرت في الشهر التالي لإرسالها في مكان لائق. اقول لك ان هذه القصيدة تنطوي على بصمات لغوية وهندسية وإيقاعية ومعرفية من عدة جهات. لا انفي شغفي في حينها بأدونيس فأنا ما زلت حتى الآن اعتبر ان قصائده في “اغاني مهيار..” هي من اجمل ما كتب، ولا أنفي شغفي بسان جون بيرس ولكن عليك ان تضيف ايضا انني كنت رمادياً لجهة وجودية المعنى وهذا آتٍ من ناحية المعري. ثم متجاوزا جميع هؤلاء فإن احساسي اوجودي بأن العناصر لا تتحرك في الطبيعة بل في جسدي متأت من التصاقي الحسي بالارض وعناصر الريح والمياه والطبيعة العارية والعالية في قرية بيت ياحون. كل ذلك يأتي مشفوعاً بحس درامي للمأساة، بشكل موسيقي. هناك جذور موسيقية للمأساة لدي، مثلا، وهذا المقطع هو من القصيدة الاولى: 

“تهب الريح من خلواتي الجرداء تقلع من منابتها
جذور الرعشة الاولى وتلقيها
على خلوات صدرك برعما من دم
انا لا الريّ يرويني وبي ظمأ وما لي فم
حملت الجرح والإعصار في كبدي
حضنت العشب والاطفال
وحين تعبت من ترحالي الابدي
غسلت الجرح في نيل من الكبريت والأوحال”. 

للمأساة هنا كما تلاحظ جذور موسيقية وجذور من عناصر الارض. هذه مجموعة من اودية متعددة. اذا اردت ايضاً التوغل لما قبل هذه القصيدة، سوف تعثر على شعر للصبا شديد الاضطراب الوجدوي، سكّاك لغوي، وموزون، وهي تجارب لم تنشر فدخلت في مجموعة “قصائد مهربة الى حبيتي آسيا” بعد ان طلعت من جذور اصولية وكلاسيكية الى افق حداثوي متأتٍ من ضرورة الحداثة وتغير الموسيقى في الوجود العربي وتأثر هذه الموسيقى بموسيقى الثقافة الغربية. 


معطف السياب 

>> تحدثت عن أدونيس، لكن أحب أن أسأل ماذا كان موقع السياب في تلك الفترة؟ وخاصة أن مجموعة كبيرة من الشعراء، ومن الشعر، لا بد “أنها خرجت من معطفه”؟ 

-- أعتقد أن شعر الحداثة العربية على العموم تأثر بخمس تجارب حداثية هي التالية: 

  1.  تجربة السياب. 

  2.  تجربة أدونيس. 

  3.  تجربة البياتي. 

  4.  تجربة الماغوط. 

  5.  تجربة أنسي الحاج شوقي أبي شقرا. 

هذه هي الحداثة الأولى. بعد ذلك جاءت تجارب أخرى للحداثة الثانية والثالثة أضافت الى المكتسبات العالية لهؤلاء الشعراء خصوصياتها لجهة الاحتكاك المباشر مع النصوص الغربية التي احتك بها هؤلاء الشعراء بالذات كقراءة إليوت وباوند وبيرس وبروتون إلخ... مع الانفتاح على شعريات عالمية أخرى غير فرنسية أميركية مثل شعرية ريتسوس اليوناني وشعرية لوركا. أيضا هناك أجيال انفتحت على تدرجات الحداثة في الغرب والشعراء الهامشيين والصعاليك واليوميين فأنتجت جيلا حداثويا أخيرا تحس أحيانا أنه ليس بينه وبين هؤلاء الرواد من نسب. نضيف الى ذلك كله أننا من الخمسينيات حتى الآن كتلة حداثوية واحدة. يعني الأسبقية الزمنية لم تكن كافية لتراتبية شعرية، فأنت ترى على سبيل المثال شاعرا كسليم بركات أو كعباس بيضون أو كبول شاوول شكلوا مناخات في قصيدة النثر لا تذكرنا بالأسلاف كثيرا، كما أن قصائدي وقصائد حسن عبد الله ومحمد العبد الله على سبيل المثال هي مرايا ذوات شعرية لا يحضر فيها من الرواد إلا أصداء واهية، والسبب أن التجربة الواحدة لنصف قرن من الزمان جعلت مصادر الحداثة الشعرية العربية متاحة لمن يقرأ والتجارب متداخلة في ما بينها من حيث كونها ثقافة شعرية مشتركة. تحضرني كلمة لسليم بركات قالها وهي: نحن جيل بلا أسلاف. ولعله يقصد أننا نحن متقاربون في التجربة وفي المصادر، فإذا كان السياب متأثرا بأديث ستويل وأدونيس بسان جون بيرس وأنسي الحاج بأنطوانان أرتو وسعدي يوسف بريتسوس ومحمود درويش بلوركا... فتجارب هؤلاء الشعراء الغربيين تجارب مفتوحة لنا ولسوانا، وبالتالي تجربة الحداثة الشعرية العربية تجربة مفتوحة وغير مغلقة وهي قيد التكوين، مع ملاحظة تفيد أنها على العموم تجربة من دون دراسة نقدية مرافقة للمنجز الإداعي مع استثناءات لا تشكل خروجا على الملاحظة خاصة لدى خالدة سعيد وكمال أبو ديب والشعراء أنفسهم في تناولهم لأشعار رفاقهم النقدية. 

الحداثة العربية كتلة واحدة إبداعية وغير مدروسة بما فيه الكفاية. 

>> بأي معنى غير مدروسة كفاية؟ 

-- خذ مسألة واحدة مهمة وهي مسألة الايقاعات الشعرية والأوزان والتوازنات، سواء في قصائد الإيقاع والتفعيلة أو قصائد النثر، فإن مسألة الإيقاعات والأوزان وتداخلاتها والإيقاعات المستحدثة المركبة وكسر الإيقاع كما عند صلاح عبد الصبور أو تداخل التفاعيل كما في قصائدي فضلا عن توازنات قصيدة النثر بكل أساليبها غير مدروسة بما فيه الكفاية. خذ مثلا آخر، الاستعارة الأسطورية، الغربية والشرقية معاً في قصائد الحداثة العربية غير مدروسة بشكل واف. أقول أيضا إن التقنيات الشعرية والأسطورية، وهي منجز هائل في الحداثة العربية، غير مدروسة بما فيه الكفاية. 

>> وأين النقد العربي من ذلك كله؟ 

-- إنه يجر أدواته خلف طيران التجارب الشعرية. أنا أرى في التجارب الحداثية الشعرية العربية وتنوع أساليبها وتقنياتها لجهة الشكل واللغة والتوازنات الهندسية والإيقاعية غنى لا حد له لم يتم الكشف عنه حتى الآن. لعل تجربة الحداثة العربية مربكة في حدود وجودها وصلتها بالواقع العربي القلق وصلتها المتوترة بالغرب لكن ذلك لا ينفي أن يكون الفكر النقدي العربي أيضا فكرا يلامس هذا القلق وهو قلق هوية ومعرفة وتوجه. 

في كل حال، الضعف النقدي الأدبي العربي ليس مسألة أدبية بمقدار ما هو مسألة تتعلق بضعف العقل العربي المعاصر. فالنقد في كل الأحوال جزء من العقل والمحاكمة. بالطبع بخصوصية الحدس الإبداعي الفني أو الأدبي. 

لكن في النتيجة ينتمي النقد الى عمارة العقل مع خصوصية الذوق. فمناهج النقد الغربي مناهج غربية، البنيوية والتفكيكية مثلا. فرولان بارت أو جوليا كريستيفا البنيوية مفكران. وفوكو وجاك دريدا وبخاصة دريدا، فيلسوفان. أنا أسأل: هل تستطيع أن تعد ناقدا عربيا واحدا محسوبا على الفكر الفلسفي؟ ومن هو؟ كان باث يقول أيها الناقد أين الفيلسوف فيك!! 

العرب حين أضاعوا الفلسفة أضاعوا النقد. فجوهر النظرية النقدية العربية القديمة للشعر هو جوهر فلسفي، وأبرز من لخصه اثنان، ابن سينا والفارابي. ونظريتهما في الشعر غير بريئة من تأثرها بنظرية أرسطو في كتابه عن الشعر. إذ كان هؤلاء ينظرون الى الشعر على أنه مزيج المخيلة مع الموسيقى المتأتية من الوزن. فمخيلة بلا وزن لا تصنع شعرا ووزن بلا مخيلة لا يصنع شعرا. 


الجنوب والشعر 

>> في فترة معينة، عرف عنك، كما عن غيرك، بأنكم تنتمون الى ما سمي “بالشعر الجنوبي”، لا اعرف ان كنّا تستطيع الحديث عن مدرسة، ولكن لا نستطيع الإنكار أنها اثرت في غالبية الشعر العربي في فترة محددة. وضعتم تحت لافتة سياسية، ومع ذلك لم يكن الشعر الذي تكتبونه شعرا سياسيا مباشرا، بل كانت هناك جمالية ما تبحثون عنها: خذ “قصائد مهربة...” و”أذكر أنني أحببت” لحسن عبد الله و”رسائل الوحشة” لمحمد عبد الله. 
ألا تعتقد ان ثمة ازدواجية بين الشعار والمعطى؟ 

-- لقد تم اختراق الشعار السياسي الخطير للجنوب باكرا بإبداعية الشعراء وثقافتهم. الاستثناءات القليلة مثل قصيدة “أنا يا رفاق من الجنوب” وهي من اضعف شعر حسن عبد الله، لا تشكل استثناءً لقاعدة الاختراق الشعري العظيم. المسألة لدى الشعراء كانت سطوع الموهبة الشعرية والانتباه لفنية القصيدة قبل سياسيتها وشعاريتها. لقد تم تلافي الفخ الجنوبي، وأنت الآن بعد ثلاثين عاما من إطلاق هذا الشعار حين تقرأ دواوين الشعراء تحس ان الهم السياسي فيها ذائب في شعريتها وليس طاغيا عليه، على خلاف تجربة الشعر الفلسطيني في بداياته، فلم يخرج محمود درويش، وهو الابرز في تجربة الشعر الفلسطيني، من ضغط الخطاب السياسي والهم الجماهيري إلا بعد دواوين كثيرة واستكناه اعمق للتجربة الشعرية، ولعلها بدأت لديه من “ورد أقل”. 

باكرا كنت اعتقد ان الجنوب الذي حملني وأنبتني من صلبه، مائه، خوفه، مآذنه، عناصره، لا بد له ان ينحل في قصيدتي كجزء مما احمله وإن تشعب الانتماء وجذور هذا الانتماء وأغصانه كلها ذاهبة في لحم التاريخ ودم اللغة. ولحم التاريخ ودم اللغة التي اكتب بها ابعد من الجنوب وأشمل. كان يحملني فحملته. كنت جزءا منه فأصبح جزءا مني. نقطة وحيدة كانت تجمع الذين انتسبوا للجنوب في التجربة الشعرية وهي عصب متوتر وحار في التعامل مع كل شيء، وهو عصب متأت لا من المخيلة او الانتماء النظري بل من الاحتراق اليومي بالنار الجنوبية، من الرؤية بأم العين للحد، من الاحتكاك الجسدي بالارض والناس، من الخوف الحقيقي وليس النظري، من اجل ذلك كتب شعراء آخرون عن الجنوب من مثل القصائد التي كتبها بلند الحيدري والقصائد التي كتبها سعدي يوسف بعنوان “يوميات الجنوب يوميات الجنون” والقصائد التي كتبها ادونيس بعنوان “قصائد للسيد للجنوب” وتمتاز هذه عن سواها ببنائها الفني واللغوي الذي يميز ادونيس، لكن جميع هذه القصائد تبقى خارج اطار العصب المأساوي والموسيقي للجنوب. 

>> ما الذي بقي اليوم من هذه التسمية؟ وخاصة ان هذا الشعر وجد امتداده في غير بلد عربي وفي غير قصيدة؟ 

-- بقي الشعراء وهم معروفون. والتطورات السياسية وتحرير الجنوب لم تسقط جملة اشعارهم. اعتقد ان الزمن هو الناقد الكبير لكل شعر سياسي او وطني بخاصة. الاوطان قد تسقط وتكبو وتنهض. الغريب مثلا ان من ليس له وطن يبحث عن وطن فإذا تحصل لديه وطن بحث عن بديل وربما عن منفى. التفاف الاقامة على النفي والنفي على الاقامة مسألة شعرية بالنسبة الى المشاعر ولا يمكن فصل الوطن عن اللا وطن. 

من جهة ثانية، كون الشاعر في اهله شكلا من الابحار او الرحيل فالاقامة تضربه فضلا عن ان اللغة ليس لها زمان ومكان ووطن والمخيلة كذلك وهي ادوات الشعر. 

>> مرّت تجربتك الشعرية بالعديد من التطورات: لو نظرنا الى البداية، لوجدنا “السيولة اللغوية” والتناسل الصوري، واليوم تصل الى “الحكمة” والى القصيدة القصيرة. ماذا تقول عن ذلك؟ 

-- دعني اقل لك ان “قصائد مهربة الى حبيبتي آسيا” و”غيم لأحلام الملك المخلوع” و”الشوكة البنفسجية” هي دواوين الفجاجة الشعرية والنزق الذي تجلى في ما يشبه اللغة الوحشية والصور المركبة في معمار وحشي. النزف الشعر هذا كان يتجلى في الصورة والتركيب الصوري والتدافع اللغوي وهو مشهود في جميع اعمالي القديمة. فكان الشعر حجارة تتدحرج في مسيل هائل وتحدث دويا لا انفي صوتيته عني فأنا شاعر ايقاعات وتركيب صوري وهندسي في الاصل. 

لكن لماذا نهمل العمر وجريانه؟ 

يعني “ممالك عالية” كتبتها بنتيجة الألم الجسدي والتأمل والتحديق في النهايات. لذلك ستلاحظ ان الموت والحكمة جزءان من انين هذه المجموعة في حين كان الصراخ والتجديف احيانا جزءا من الماضي. كنت اقول “ونعاتب هذا الله قليلا” كما في قصيدة اغنية كي تنام زينب. أما الآن فأقول في قصيدة “التيه”: 

يمشي على الموت تيّاها كأن به
من الألوهة سراً ليس يخفيه
يمشي الهوينا وقتلاه تمجده
كأنما كل ما يرديه يحييه
يعلو على الغيم أحيانا وآونة
يدنو فيصبح ادنى من معانيه
اعطيته كل ما اوتيت من نعم
وما ندمت، فألقاني على التيه

اقول ان النار الوجودية التي اشعلت الجسد والنفس انضجت التجربة والشعور من جهة وجعلتني اميل الى هدوء التأمل والحكمة. من اجل ذلك تلاحظ ان ثمة مفاتيح للتجربة الشعرية يمكن رصدها بيانيا على امتداد الأعمال الشعرية: كمفتاح الدم أو الطير أو النهر أو الموت. حاليا التجربة عندي معقودة على البحر كعنوان للعدم وعلى الموت من حيث ان الإنسان هو الموت كما يقول بيتس. أضيف لذلك شيئا من التوغل في ما لا أسميه الصوفية بل الحاجة الى ميتافيزيق، الى الدين بمعناه كخلاص وجودي للإنسان ذي الأزمات ليس المعيشية بل النفسية والفكرية. شعري في مجموعة “ممالك عالية” يطلع من جوف ميتافيزيقي. 


الدين والشعر 

>> تتحدث عن الدين والشعر، كيف تجاور بين هذين المتناقضين إذا جاز التعبير، بين المحافظة والتمرد؟ 

-- كلاهما محاولة خلاص، كلاهما ينبع من الداخل، كلاهما في استراتيجيته استبدالي للحياة المحسوسة. ولا أعتقد ان جوهر الدين يختلف عن جوهر الشعر في كونهما دعوتين لتحرير النفس البشرية في مدى آخر موعود على العموم اليوتوبيا بنت الشعر وبنت الدين. ثم مهما تغيرت أحوال الحضارة في اتجاه المزيد من الآلية وتشكيل الإنسان الصنعي والاستهلاكي في وقت واحد، ومهما تم اختزال الأزمنة والأمكنة من خلال تطوير أساليب المعلوماتية وأجهزتها وحتى الهوامش واليوميات فجميعها تحتاج لسؤال حول المعنى والمصير أو المآل، وليس سوى الدين والشعر والفلسفة بقادرة على مثل هذا السؤال. وليس صحيحا ان الفيزيقا ستحل مكان الميتافيزيق والآلة مكان الإله. ليس هذا صحيحا. فالإنسان قلق وأسئلة ومخيلة وما لست أدري ما هو. والشعر هو جزء من هذا الشجن والخلاص الذي قد يشوبه الوهم. لكن لا بديل منه على ما يظهر. بالمناسبة التجربة النفسية الكبيرة لأولياء في الدين الإسلامي صنعت أشعارهم وما ينسب للصوفية من أحوال وكتابات، وخاصة أشعار ابن الفارض وابن العربي والشيرازي هي نابعة من انخطاف ديني في عمق الإسلام وفي تعامله مع الزمن والحرية. يجري الشعر في مجراه. 


العودة إلى الخليل 

>> تحدثت مرة عن نسب إسباني، ما كنت تقصد بذلك؟ 

-- نحن ولوركا أولاد عم. هذا الذي يتكلم عنه في قصائده ويسميه “الروندو” أو الجني أو الروح المبدعة هو جن مشرقي وإسلامي يجمعنا بنسب واحد. ثم لا تنس أنني إلى حد كبير شاعر غرناطي من خلال قصائد البحث عن غرناطة التي لفتت إليها بيدرو مونتالث وترجمها للاسبانية وكتب عنها مقالا من أجمل ما كتب، إذ أشار فيه لمسألة لم ينتبه لها النقاد العرب وهي شغفي في ما أسميه “الإيروتيك الديني”. فمن حيث الأشكال الهندسية للمآذن والقباب وقباب الجسد الأنثوي يتم ضبط صلة ما بين أشكال الهندسة الإلهية فضلاً عن أن العبارة الشعرية في البحث عن غرناطة مغمسة بإيروتيك ديني. 

>> ثمة عودة إلى العمود في بعض قصائد “ممالك عالية” ما سببه؟ 

-- هي ليست عودة إلى الوزن الخليلي التام بمقدار ما هي استخدام له. والمسألة إبداعيا متضمنة في القصائد التي سميتها شيرازيات وقصيدة واحدة هي “ببغاءات بنت مدناً” وهذا الاستخدام طالع قبل كل شيء من طبيعة الحال الشعري للقصيدة ولم أترك فرصة للشكل الحداثوي بأن يقتل هذا الحال، لجهة ان نظرتي لحداثة الأشكال والتجربة هي أن الشاعر والشعر أكبر من المدارس وأكبر من الأشكال وهو سيد المعطى الإيقاعي بكامله في تجارب امرئ القيس إلى تجارب آخر صعاليك الحداثة، فالسؤال هنا ليس لماذا تكتب قصيدة بوزن خليلي تام أو منقوص بل لماذا لا تكتب بها جزءا من أحوالك الشعرية إذا كانت تلبي هذا الحال أي إذا شكلت شعرا. من هنا فإن رأيي النقدي في الموضوع هو جزء من إعادة النظر بمعنى الحداثة الشعرية كما عرفت في الغرب. وأخذها بعض الشعراء العرب حيث افترضت ان شرطها موت ما قبلها ودفن الماضي بكامله في مدافن للتراث. حيث كان يسأل ماياكوفسكي المستقبلي عن الرومنسية مثلا، كان يقول ما حاجتي لأطعم جسد القصيدة الحي بساق ميتة، وشعراء كثر من السوريالية في فرنسا اندفعوا اندفاعات طاغية ضد الكلاسيكيين. مضى الزمن وإذا بالتفكيكيين من أمثال جاك دريدا يعيدون الاعتبار لكل التراث الذي كان قد قتله الحداثويون بإعادة تأويله والاستفادة بأي معطى من معطياته. لا أقول ان الوزن ماضي التجربة ولا أقول هو مستقبلها ولا أقول أيضا قصيدة النثر مستقبل الشعر، بل أقول إنني سيد جميع المكتسب الإيقاعي والموسيقى للشعر العربي والعالمي بما في ذلك الموشحات والتفاعيل المجزأة والبناء الإيقاعي المركب والأوزان التامة وأدخلها في القصيدة. فأنا في النتيجة شاعر غير مدرسي وصاحب تجربة مركبة. وحين أعتبر قصيدة النثر بلا جدال نظري جزءا من الشعرية الحديثة والعربية، فلأنني أرغب في أن أكون أكثر غنى في مسألة الإيقاع ودونما مصادرات لا للمستقبل ولا للماضي. أرغب في أن أقول في النتيجة ان النص الشعري هو الذي يعطيك مفاتيح وصفه وقيمته. وكثر من شعراء الحداثة العربية الذين لا يمارى بحادثتهم كتبوا القصيدة ذات الشكل الخليلي بعروضها التام أذكر: السياب، البياتي، أدونيس، درويش، سعدي يوسف، محمد عفيفي مطر، أحمد عبد المعطي حجازي، صلاح عبد الصبور الخ.. 

فأنا أعتقد ان هذا المكتسب الخليلي العروضي هو طوع يديّ الشعريتين ألغيه أو أثبته كما أشاء وأنا أستطيع أن أكسر إذا أردت.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic