المجالس البلدية في المناطق المحررة:
3 أشهر من المعاناة

السفير (السبت، 15 كانون أول - ديسمبر 2001)

كامل جابر

ورشة بلدية

تتقوقع البلديات الجديدة المنتخبة منذ ثلاثة اشهر في القرى المحررة، على معاناتها من دون صناديق تتيح لها إثبات وجودها، ولا موظفين يسيّرون أعمالها وينفذون قراراتها. ثم جاء قرار مجلس الوزراء الذي اكده من جديد الأمين العام لمجلس الوزراء بمنع التوظيف، حتى بالفاتورة، ليقضي على آمالها في تفعيل ذاتها بتكامل جهازها الداخلي، وبورش تدير حساباتها او تجبي مستحقاتها او تضبط المخالفات وترعى تطبيق القوانين ضمن حدود عملها. بل جاء ليصيبها بالشلل التام وليتركها بلديات منزوعة الصلاحيات، وليطيح بالقوانين والمراسيم الصادرة عن أعلى هيئات قضائية، من المفترض ان تكون مقدسة ومحمية لا تنازعها قرارات ولا تلغيها غير القوانين ذاتها. 

ومن يغُص في حقيقة البلديات التي لبست ثوبها الجديد بعد نحو ثلاثين عاما من الجمود والتفسخ ثم الانحلال الذي قضى على تركيباتها الادارية والتنظيمية وجعلها رهينة التفرد او صراع الاقليات العضوية وتجاذبات المراحل السياسية المتعاقبة التي ارخت بضلالها على هذه البلديات فضلا عن فعل الاحتلال المستمر ربع قرن، يرَ الواقع المر الذي سوف تنطلق منه المجالس الجديدة التي تسلمت صناديق خاوية افرغت، في ما سبق، على مشاريع لم تراع الاولويات، نظم شؤونها وحساباتها بعد القائمقام او المحافظ، طوال سنوات “القحط”، موظف مكلف من وزارة الداخلية في اكثر من بلدية، من المقرر ان تنتهي صلاحياته آخر الشهر الجاري. 

لقد وقع قرار مجلس الوزراء على المجالس البلدية المتجددة منذ اشهر قليلة وعلى رؤسائها كفعل الصاعقة، اذ جعلهم اسرى قيد سوف يخنق هذه البلديات ويشل عملها ويربطها بقرارات استثنائية قد تصدر عن مجلس الوزراء المانع للتوظيف. والاعضاء المنتخبون في المجالس هم متطوعون اصلا ولا يتمتعون بمهام قانونية تخوّلهم عمل الجباية او تحرير المخالفات او ضبط التعديات وتنظيم السير وغيرها وصولا الى جمع النفايات. (تنص المادة 85 من قانون البلديات على الآتي: يحق للموظفين البلديين المنوط بهم تطبيق او مراقبة تنفيذ القوانين والانظمة المتعلقة بالصحة العامة والنظافة العامة والبناء وتسهيل التجول في الشوارع والساحات العامة وضبط مخالفات القوانين والانظمة). 

الموظفون
ويتبين من احصاء سريع لعدد موظفي بلديات قضاء مرجعيون التي كان يدير شؤون 15 بلدية منها القائمقام سمعان عطوي قبل الانتخابات الاخيرة في ايلول المنصرم، ان خمسة موظفين فقط كانوا يتابعون حسابات هذه البلديات وأعمالها على الارض. فقد أدار حسابات مالية بلديتي العديسة وميس الجبل بالتكليف امين صندوق بلدية الطيبة سليم عقيل. وأدار حسابات بلديتي حولا ودير ميماس بالتكليف امين صندوق بلدية كفركلا امين الهادي. وتولى شؤون حسابات مالية الخيام والوزاني بالتكليف امين صندوق بلدية إبل السقي فارس غبار. وميشال سلامة، لبلديتي القليعة وبرج الملوك، وأمينة صندوق بلدية مرجعيون زهات الحداد لبلدية دبين. وإذا ما استثنينا بلدية مرجعيون (فيها اربعة موظفين) يتبين ان جميع بلديات قضاء مرجعيون من دون موظفين او جباة او عناصر شرطة بلدية.

والامر عينه ينطبق على بلديات قضاء بنت جبيل. فبلدية مركز القضاء بنت جبيل لا تزال تعمل بموظف واحد، وكذلك يارون وبيت ليف وصولا الى معظمها الذي يفتقر الى موظف واحد في كثير من الأحيان. والحكاية ذاتها تتكرر في بلديات صور وحاصبيا وجزين، المستحدثة او المتجددة حديثا. 

لقد جاء في حيثيات القرار الرقم ثلاثة، المادة الثانية، تاريخ 15/11/2001: منع التعاقد واستخدام الأجراء الجدد في مختلف الإدارات العامة والمؤسسات العامة والبلديات واتحاد البلديات بشتى الأشكال بما فيه الفاتورة وذلك خلال العام 2002، إلا في الحالات الضرورية التي يقررها مجلس الوزراء. على ان يستثنى من مضمون هذا القرار المتعاقدون مع المنظمات الدولية. 

وجاء في قانون البلديات، الباب الرابع من أحكام مختلفة،الفصل الأول من التنظيم الإداري، المادة 83: للبلدية ان تنشئ ما تحتاجه من الوحدات الإدارية والمالية والفنية، والشرطة والحرس والاطفاء والاسعاف. 

القانون والقرار 
ويرى مهتمون بالشؤون القانونية ان القانون لا يلغيه قرار، وبالتالي من حق البلديات تطبيق القانون بما يتلاءم معه ومع مصلحتها الضرورية والعامة. وإلا “فكيف ستتمكن هذه البلديات من الوقوف على قدميها من دون جهاز بلدي، غير أعضاء المجلس، ينفذ أعمالها وقوانينها”؟ 

يقول رئيس بلدية الخيام، كبرى بلدات القضاء، كامل فاعور: “لقد تسلم المجلس البلدي الجديد بلدية تفتقر الى كل شيء يتعلق بالجهاز البلدي والإدارة البلدية والأرشيف والمعلومات. بكلام آخر، في الخيام لا يوجد مبنى للبلدية وليس في البلدية أي موظف او شرطي او أي خرائط او معلومات. هذه بلدية مدينة تشكل مركزا مهما في القضاء، وفيها “معتقل الخيام” الذي يؤمه الزوار من مختلف المناطق اللبنانية ويقيم فيها عدد كبير من الأهالي. في بداية عملنا قمنا بمقاربة هذا الوضع المأسوي والسيئ جدا واتخذنا جملة من القرارات تهدف الى الإسراع في العمل على ملء الشواغر في الجهاز البلدي من موظفين وعناصر شرطة، وإذا بنا نصطدم من دون معرفة سابقة بقرار الحكومة بمنع التوظيف إلا من الفائض، وأعقب هذا القرار بتعميم يقضي بمنع التوظيف حتى بطريقة الفاتورة”. 

وأضاف: “باسم المجلس البلدي في الخيام وباسم معظم رؤساء البلديات في المنطقة المحررة، اعتبر ان هذا القرار وهذا التعميم يهدفان الى شل شامل وتام للبلديات المنتخبة حديثا. فضلا عن كونهما يفتقدان المنطق والموضوعية. كان ينبغي بذل مجهود مضاعف لمساعدة هذه البلديات التي تشكو من تراكم المشاكل، على القيام في مهامها بأسرع وقت ممكن. كيف يمكن التوظيف من الفائض ومن خارج أي بلدة وفيها جيش عاطل عن العمل وينتظر أي فرصة مواتية؟ لذلك أرفض التعامل مع هذين القرار والتعميم، لأنهما يتعارضان مع النظام الداخلي في قانون البلديات الذي ينص على شروط التعيين. نرفض هذه الطريقة التي تتعارض مع المصلحة العليا لبلدة الخيام وبالتالي لكل البلديات”. 

ولفت رئيس بلدية دير ميماس التي تعتبر نموذجية في بيوتها القديمة ومساحتها الزراعية وكرومها، سامي الغزي، الى ان هذا القرار “يستهدف شل عمل البلديات، فبلدية دير ميماس كانت شبه معطلة أكثر من ثلاثين سنة وبقي فيها حتى السنة الماضية موظف وحيد هو سعيد منصور كان يعمل أمينا للصندوق ثم تقاعد، ليتسلم مهامه أمين صندوق بلدية كفركلا، وهذا جعل البلدية مشلولة. هذا القرار كالمستحيل وكيف سنعمل من دون جهاز إداري؟ العمل صعب جدا من غير هذا الجهاز. أقوم أنا ونائب رئيس البلدية ببعض الأعمال الإدارية ضمن إمكانياتنا، لكن كيف سنستمر ونحن نحتاج بالحد الأدنى الى شرطي وأمين صندوق، ثم الى جابٍ وكاتب؟ وأهلنا لم يتعودوا بعد على القيام بما عليهم من واجبات من تلقاء أنفسهم لجهة دفع المستحقات والمتوجبات. صندوق بلديتنا “تعبان” واستلمناه مديناً بأربعة ملايين ليرة ولم نسد الدين حتى الآن. كيف ستقوم مؤسسة من دون مال وجهاز إداري، وهل يعقل ذلك؟ لا أستطيع أن أفهم لماذا هذا القرار وما الحكمة فيه؟ علما أن القرار لا يلغي مرسوما صادرا فكيف الأمر بقانون وضعته أعلى هيئة قضائية؟”. 

واستغرب الغزي كيف يمكن استئجار عاملة تنظيفات لدار البلدية ولا يحق الاستعانة بموظف يدير الحسابات. وأكد فشل توظيف أي موظف في البلدية من خارج البلدة “كيف يمكنني أن أستوعب موظفا من الفائض وهناك العديد من العاطلين عن العمل ومن أصحاب الكفاءات في البلدية؟ هذا مرفوض بالمطلق”. 

منصور: مراوحة 
النائب نزيه منصور قال ل”السفير”: “بعد إجراء انتخابات بلدية وهيئات اختيارية في المنطقة المحررة، لا تزال هذه البلديات تراوح مكانها لأسباب عديدة منها في الدرجة الأولى، افتقادها للكوادر التي عليها تنفيذ أعمال البلدية اليومية، من عامل تنظيف حتى أمين الصندوق مرورا بالشرطي والكاتب. فضلا عن عدم وجود مقار للبلديات التي يفتقر معظمها الى المال، وبعض المجالس لم يجد في الصناديق سوى الدين. هذه الأمور المطلوبة هي من شروط الحد الأدنى لممارسة البلدية عملها والقيام بدورها الذي يفرضه القانون، وفي حال استمرار الوضع على ما هو عليه، يكون المجتمع قد أفرز وجهاء للقرى والبلدات لا عمل لهم سوى تصدر واجهات المناسبات وزيارة المراجع السياسية والروحية. مع العلم أن التشريعات بشكل عام وقانون البلديات بشكل خاص يلزم البلديات بإجراء المباراة اللازمة لملء الشواغر وتأمين الجسم البشري لتسيير أعمال البلديات”. 

وأضاف: “أما ما اتخذ من تدبير داخل مجلس الوزراء بعدم التوظيف، فهذا يخالف القانون وبإمكان البلديات عدم التقيد به. لذلك ندعو الحكومة الى الرجوع عن هذا التدبير حتى لا تضطر البلديات لتنفيذ القانون. أما ما يحكى عن فائض في الإدارات لجهة توزيعه على الشواغر، فهذا يتناقض مع القانون والواقع لأننا في ذلك نعالج الخطأ بالخطأ. فمن “دحش” في وزارة الإعلام أو غيرها لا يمكن فرضه على بلدية ما لأن ما تحتاج إليه البلدية يختلف عن أهداف من كان وراء توظيف هذا أو ذاك”. 

إن أخشى ما يخشاه رؤساء المجالس البلدية الجديدة وأعضاؤها في القرى الحدودية وقرى الداخل، هو أن تلجأ الدولة فعلا الى فرض الفائض من موظفيها، فيما لو تراجعت عن قرار منع التوظيف، على البلديات المستعيدة نشاطها أو المستحدثة بما يتعارض مع أدائها وتركيبتها الإدارية والمنطقية. الأمر الذي قد يتسبب بإحباط اندفاع أعضاء المجالس الجدد، الذي بدأ يتراجع أصلا بعدما وصلوا الى بلديات من غير صناديق وموظفين، تحت جملة من الأسئلة المبررة: لماذا سيجتمعون وماذا سيقررون ومن سينفذ المشروعات وتحت أي غطاء مالي؟ وهي محكومة كذلك بوصاية سياسية لا تزال قائمة، فرضتها حيثيات التحالف بين “حزب الله” و”حركة أمل” الذي جاء بأعضاء هذه المجالس من تنوع مختلف غير متجانس في كثير من الأحيان ومن البلديات المنتخبة. وقد وجد العديد من أعضاء المجالس البلدية أنفسهم ينقطعون عن حضور جلسات بلدياتهم لارتباطهم بأعمال في مراكز إقامتهم خارج البلدة، وبحس الإحباط الذي بدأ يرخي بثقله للأسباب الآنفة الذكر.


نموذج من النبطية عن قرار بلدي "منقوص"

جاء في حيثيات القرار 52/2000 المتخذ في جلسة مجلس بلدية النبطية:
ان عدد الشرطة البلدية الذي لحظ في ملاك البلدية الحالي لم يعد يتلاءم مع الأوضاع الراهنة بسبب تطور حجم الأعمال تبعا لزيادة عدد السكان، وإن الاستمرار في العمل على هذا النحو وفي ظل النقص الحاصل في الملاك الحالي من شأنه أن ينعكس سلبا على مستوى الخدمات العامة. فعليه، وتوضيحا للتوازن بين الحاجات الفعلية المرتقبة والامكانات المادية للبلدية المتاحة، وبناءً لضرورات المصلحة العامة ولحسن سير العمل، اتخذ المجلس البلدي القرار الآتي:
طلب الموافقة على تعديل ملاك عديد الشرطة البلدية بحيث يصبح العدد 22 بدلا من سبعة موزعين على الشكل الآتي: معاون مفوض (واحد) وشرطي (ستة). والمقترح: مفوض (واحد) ومعاون مفوض (واحد) وشرطي (20) وذلك بالاستناد الى عدد الأحياء السكنية والمحلات التجارية وتفرع شبكة المواصلات المستحدثة. فضلا عن المهام التي ستكلف بها العناصر توخيا لرفع مستوى الخدمات وتنفيذا للأنظمة والقوانين المتعلقة بحركة المرور والسير وضبط المخالفات. 

وبعد إرسال القرار الى وزير الداخلية والشؤون البلدية والقروية ميشال المر، في حينه، عاد الى بلدية النبطية يحمل التصديق الرقم 5997/د وموافقة الوزير المختص على التعديل بتاريخ الرابع من آب العام 2000. غير أن القرار لم ينفذ حتى الآن بسبب قرار مجلس الوزراء المانع للتوظيف في وقت لم يبق في عديد شرطة بلدية النبطية غير أربعة بعد تقاعد ثلاثة آخر العام المنصرم.

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic