حسين حديفة
 |
|
مياه الحاصباني الملوثة |
يشكل نهر الحاصباني شريان الحياة الرئيسي لبلدة حاصبيا والمنطقة بأكملها، كونه النهر الوحيد الذي ينبع في هذه المنطقة ويروي مساحات واسعة من الأراضي والممتلكات الواقعة على ضفتيه، إذ يبلغ طول خط جريانه حوالى 25 كلم قبل أن يدخل الأراضي الفلسطينية المحتلة ليصب في بحيرة الحولة مع نهر الوزاني.
ينبع نهر الحاصباني من لحف احدى التلال الغربية لحاصبيا، ويعتبر من أهم وأكبر الينابيع التي تغذي حاصبيا وبعض قرى المنطقة بمياه الشفة، التي تتدفق من هذا النبع نتيجة ذوبان الثلوج التي تغطي قمم جبل الشيخ ومرتفعات حرمون على مدار السنة تقريباً.
ويشكل نهر الحاصباني مرفقاً سياحياً مهماً للمنطقة، يقصده الزوار من كافة المناطق اللبنانية، وكذلك السياح الأجانب وذلك للتمتع بمناظره الخلابة، وليرتاحوا في المقاهي والمطاعم وأماكن الإستراحة المنتشرة على ضفتيه، والتي تزينها أشجار الكينا والصفصاف والزيتون، وتعطرها الروائح الشذية التي تنبعث من بساتين الليمون.
يعاني نبع الحاصباني ولسنوات خلت من تدني منسوبه بشكل كبير، فهذا النبع الذي كان يضخ ما معدله 150 مليون متر مكعب من المياه العذبة، باتت بالكاد تصل مياهه الى جسر الشقعة عند مثلث الفرديس - راشيا الفخار - إبل السقي، أي على بعد 5 كلم تقريباً جنوبي النبع.
ويعود السبب في ذلك الى عدة عوامل بعضها طبيعية، وأهمها: تدني كميات المطر والثلوج التي تتساقط خلال فصل الشتاء في كل عام، وهذا ما يؤكده كبار السن، كذلك استغلال الينابيع والمجاري التي كانت تنبع من محيطه، وتركيب العديد من محطات الضخ على النبع أيضاً، ناهيك عن حفر عشرات، بل مئات الآبار الإرتوازية التي حصلت وما زالت مستمرة وبشكل عشوائي في محيط النبع دون تخطيط أو دراسة موضوعية بذلك.
لكن تبقى المشكلة الأكبر التي يعاني منها نهر الحاصباني هذه الأيام، هي مشكلة التلوث، إذ انه في كل عام، ومع عودة موسم قطاف الزيتون وعصره تظهر مشكلة جديدة تضاف الى عشرات المشاكل البيئية التي تعاني منها المنطقة بشكل عام، ومجرى نهر الحاصباني بشكل خاص، دون أن تلاقي الحلول المطلوبة من الجهات المعنية، ألا وهي تلوث مياهه بزيبار الزيتون، إذ هناك حوالى 30 معصرة زيتون في المنطقة، وجميعها تصب بقاياها في مجرى النهر، ناهيك عن غياب التخطيط السليم لشبكات الصرف الصحي والنفايات، التي تنتشر بشكل عشوائي أيضاً في مجرى النهر أو في أماكن قريبة منه.
كل هذه الملوثات مجتمعة تساهم في زيادة نسبة الملوحة، وتلحق ضرراً كبيراً بالثروة البيئية والثروة السمكية وبالمزروعات، التي تشكل مصدراً مهماً في معيشة مئات العائلات في المنطقة، فضلاً عن انتشار الأوبئة والروائح الكريهة التي تنبعث من جراء هذا التلوث وما تشكله من خطر ملموس على السلامة العامة.
المواطنون في منطقة حاصبيا يحملون الدولة كل المسؤولية، ويطالبون بوضع حد سريع لهذا التقاعس والعمل من أجل ايجاد الحلول المناسبة لهذه المشكلة، ورفع الضرر قبل تفاقم الكارثة.
القائمقام وليد الغفير
قائمقام حاصبيا وليد الغفير قال: لا شك أن مشكلة تلوث الحاصباني هي مشكلة قائمة كباقي المشاكل التي تعاني منها باقي المناطق اللبنانية، ونحن نعمل ضمن امكاناتنا من أجل ايجاد بعض الحلول الآنية للتخفيف من حدة التلوث.
وأضاف: عقدنا اجتماعاً موسعاً حضره أصحاب المعاصر ومندوبون من لجنة البيئة والدفاع المدني ووزارة الزراعة لبحث هذا الموضوع، واتخذنا سلسلة تدابير فورية، أهمها: الإيعاز الى أصحاب معاصر الزيتون ايجاد حفر تستوعب زيبار الزيتون، والتخفيف من عملية ضخ المياه من نبع الحاصباني، والتنسيق مع البلديات في قرى المنطقة ومع وزارة البيئة من أجل ايجاد حل جذري لهذه المشكلة التي تنذر بعواقب وخيمة إذا ما استمرت.
أمين شمس
وفي هذا الإطار يقول رئيس بلدية حاصبيا أمين شمس: إن مشكلة التلوث في حاصبيا مشكلة كبيرة، والأخطار الناتجة عنها من دون شك سوف تكون كارثة في حال عدم تفاديها في المستقبل القريب، وبلدية حاصبيا على دراية تامة بهذه الأخطار، ونعمل على معالجتها ضمن الإمكانات المتواضعة.
وأضاف: وقد قمنا كمجلس بلدي بزيارة وزير البيئة برفقة لجنة الأشغال والبيئة للبحث بهذه الأمور، لكن لسوء الحظ ورغم وعي الوزارة بحجم هذه المشكلة، إنما لا تتوفر لديها كما يقول الوزير أية امكانيات من أجل معالجتها بشكل جدي وجذري.
وعلمنا أن وزارة البيئة بصدد اعداد دراسة شاملة تستغرق ستة أشهر من أجل تحديد السبل التقنية الضرورية لمعالجة هذه المشكلة، وهناك بعض الإجراءات الآنية قد تتخذها الوزارة، ونحن بانتظار ذلك بالتعاون مع البلدية لتخفيف هذه الكارثة، بحيث عملت البلدية على تأمين قطعة أرض لاستحداث مجمع فيها لزيبار وبقايا الزيتون.
وتابع: إن المشكلة كبيرة جداً، وهي تتجاوز امكانيات البلدية، وتحتاج الى مساعدة الدولة، وإلا فالمشكلة ستتفاقم أكثر وأكثر في المستقبل، وخاصة في الموسم المقبل لقطاف الزيتون.
وأمل أن تحل هذه المشكلة خلال هذه الفترة قبل فوات الأوان.
وختم شمس بالقول: إن الحل الجذري لهذه المشكلة هو اقامة محطات تكرير لمجاري الصرف الصحي وزيبار الزيتون، قبل أن تصل الى مجرى النهر وعدا ذلك تبقى كل الإجراءات غير مجدية.
د. أمين شميس
أما رئيس "لجنة البيئة" في منطقة حاصبيا الدكتور أمين شميس، فقال: إن مشكلة تلوث مياه الحاصباني تفاقمت بشكل خطير جداً منذ العام الفائت، وذلك نتيجة تزايد كميات زيبار الزيتون والمياه الآسنة التي تصب في مجرى النهر، إذ أنه الى جانب الكميات الكبيرة التي تنتجها المنطقة من الزيتون، هناك كميات أخرى تضاف إليها من غير مناطق من المنطقة الحدودية، وجميعها تعصر في معاصر حاصبيا، وبالتالي تصب زيبارها وفضلاتها في مجرى النهر، وهذا ما أدى الى تدمير الثروة البيئية في الحاصباني تدميراً تاماً، إذ قضي على الثروة السمكية، كما شكلت خطراً كبيراً على الأشجار والمزروعات أيضاً.
وأضاف: ونحن كلجنة بيئية قمنا بعدة تحركات لايجاد بعض الحلول الآنية، لكنها جاءت متأخرة، ووزارة البيئة تعلم بذلك وأرسلت مندوبين من قبلها للإطلاع ميدانياً على هذه المشكلة ولو مؤقتاً، لكن دون جدوى، مع العلم أن النائب أنور الخليل قدم قطعة أرض الى الوزارة، على أن تكون مكاناً لتجميع زيبار الزيتون، على أن يتعهد أصحاب المعاصر بنقلها بواسطة الصهاريج، وعدم تحويلها الى شبكات الصرف الصحي التي تصب في مجرى النهر، كما عملنا أيضاً على اقامة حفر لتجميع زيبار الزيتون قبل وصولها الى النهر، لكن كل هذه الحلول باءت بالفشل.
وحذر الدكتور شميس من تفاقم الكارثة أكثر وأكثر إذا لم تسارع الجهات المعنية الى معالجة هذا الموضوع، بحيث بات هناك خطر حقيقي على نبع الحاصباني بالذات، وكل المياه الجوفية في المنطقة أيضاً، وبدأت تظهر بعض المؤشرات حول امكانية تلوث مياه الشفة التي تغذي حاصبيا وباقي قرى المنطقة، فباتت محطات الضخ مهددة بالإقفال إذا لم يحسم هذا الأمر، لا سيما موضوع زيبار الزيتون، الذي يشكل تلوثاً كيميائياً ولا يمكن تنقيته بمصاف عادية، وبهذه الحالة يلزم النبع عشرات السنين كي يعود صالحاً لمياه الشفة، وبالتالي نضطر الى التفتيش عن مصدر آخر للمياه.
وأضاف: لقد رفعنا عرائض عديدة تحمل تواقيع الآلاف من المواطنين الى الجهات المعنية قبل اسبوعين تقريباً تناشدهم ايجاد الحلول السريعة لهذه الكارثة، لكن حتى الآن عملياً لم ينفذ أي شيء من هذا القبل.
وأشار الدكتور شميس الى انه على أصحاب المعاصر بالتعاون والتنسيق مع البلديات في كل بلدة وقرية، أن يبادروا فوراً الى نقل زيبار الزيتون وفضلاته الى أماكن بعيدة عن مجرى النهر تحددها وزارة البيئة، وهي غير مكلفة اطلاقاً، وذلك ريثما تعمل وزارة البيئة على ايجاد حلول جذرية، ودون ذلك فإن الخطر محدق، والكارثة الى تفاقم لا محالة. وعلى الجميع أن يعي حجم المشكلة لأنها كبيرة وكبيرة جداً.
أمين الحمرا
أما صاحب أحد المنتزهات على نهر الحاصباني أمين الحمرا فقال: إن المنطقة التي تنتشر فيها المقاهي والمنتزهات، ما زالت خارج نطاق التلوث، لأنها بعيدة عن النقطة التي تلتقي فيها مجاري الصرف الصحي التي تصب في مجرى النهر.
وأمل من الدولة أن تجد حلاً لمشكلة التلوث لأن الحاصباني ومنذ القدم يعتبر مرفقاً سياحياً مهماً لا يقل أهمية عن البردوني ورأس العين في بعلبك وغيرهما من المناطق السياحية الأخرى.
وأضاف: إن الدولة غائبة كلياً عن هذه المنطقة، ولا تعمل أي شيء من أجل تشجيع هذا القطاع، حتى أن وزارة الزراعة ومنذ سنوات عديدة لم تلتفت الى الثروة السمكية في نهر الحاصباني، كما كان يحصل سابقاً مع العلم أنها تشكل مورداً رئيسياً في معيشة عشرات العائلات الحاصبانية.
وطالب الحمرا الجهات المعنية وضع حد للعابثين بهذه الثروة لجهة اصطياد الأسماك بالمتفجرات أو بالكهرباء، والتي من شأنها أن تقضي على كل كائن حي في المياه.
§
وصـلات: