"اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية"
كتاب جديد للدكتور عفيف فرّاج

انقلب اليهود على ألف سنة من العلاقات الطيبة مع العرب المسلمين
فكرة العودة الى فلسطين ليست صهيونية بل ابتدعها أتباع كالفن في القرن السابع عشر

النهار (السبت، 29 كانون أول - ديسمبر 2001)

سليمان بختي

اليهودية - عفيف فراج

مناسبة هذا الحديث مع الدكتور عفيف فراج صدور كتابه القيم "اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية" لدى "دار الآداب" في مئتين وثلاثين صفحة. كتاب مشغول في دراية عميقة وفي روية الباحث الاكاديمي المنشغل بالوصول الى نتائج وخلاصات جديدة. يقرأ فراج في كتابه التحولات السياسية والايديولوجية والثقافية ونزعاتها في مقاربة نقدية لموضوع قديم - جديد تتشعب فيه الاسئلة والاجابات والدلائل. يطرح الباحث فرضية "الانقلاب الذي أنجزته اليهودية على ألف سنة من التاريخ" بينها وبين العرب والمسلمين في الشرق. هذا الحوار مع الدكتور فراج يعيد الضوء الى مصادره الاساسية، والى الجدال الثقافي والسياسي الذي اثارته اليهودية في علاقاتها مع سواها من الاديان والجماعات ولا يتوقف الحوار في حيز او نطاق اذ يشمل التاريخ والثقافة والسياسة والحاضر والافكار والعلاقات التي تجمع كل ذلك. والمادة التي اتسعت وتشعبت بين يدي الدكتور عفيف فراج ظلت مرتبطة بأمرين: 1- معرفة الاخر وسبر غور جذوره لفهم مسلكه ونمط تفكيره وردود فعله، في موضوعية وسعة أفق. 2- تقديم قراءة تحليلية جديدة لصراع يكتنفه الغموض والظلال والاوهام والوقائع. لنقل انها محاولة جديدة وغير محددة في ذاتيتها او في مداراتها الشخصية. وبين قراءة الكتاب والحوار كانت المسافة في الكشف والعمق والرؤية الجديدة. 

  •  لماذا كتاب "اليهودية بين حضانة الشرق الثقافية وحضانة الغرب السياسية" في هذه الفترة؟ وأي علاقة لذلك مع تطور المرحلة التي بلغها الصراع العربي الاسرائيلي ودقتها؟ 

المسألة اليهودية ليست مرحلية في اعتقادي، والدولة اليهودية التي أُسِّسَت بالعنف عام 1948 وتعيش حياتها بالموت والإماتة، لا تعدو كونها مرحلة من مراحل المسألة اليهودية الأشد تعقيداً وخطورة من اي مسألة. والكتاب بالتالي ليس استجابة لحدث طارئ وان بحجم الانتفاضة، ذلك ان انتفاضة الاقصى الاخيرة تشكل هي ايضا معلما او حلقة من سلسلة انتفاضات وصدامات دموية جماعية مضادة للمشروع الاستيطاني الصهيوني بدأت عام 1920 في القدس - مكان الانتفاضة الاخيرة - لتنذر بولادة مسألة فلسطينية نشأت من الحل الخاطئ للمسألة اليهودية. الكتاب اذن استجابة لهم مزمن ومقيم ويجيب عن اسئلة عديدة بدأت تتخلق في سياق قراءاتي لمشابهات كثيرة بين ديانات الشرق وثقافاته وديانة القبائل العبرية، مما يدل على نشأة اليهودية في حضانة الشرق الثقافية. 

  •  ولكن بين حضانة الشرق الثقافية لليهودية وحضانة الغرب السياسية ثمة مسار فكري تاريخي صعب ومعقد وغامض كيف تبينت شواهده؟ 

لعل السؤال الاول الذي تولد من التماثل المذهل بين اليهودية وديانة التوحيد المصرية التي أبدعها الموحد الاول اخناتون (1375 ق.م) هو: كيف ولماذا تحولت اليهودية الى ايديولوجيا تتنكر لاصولها الثقافية وتعادي العرب والمسلمين الذين يتجانسون مع اليهود ثقافيا وعرقيا؟ والوجه الاخر للسؤال: لماذا تحول اليهود الذين عاشوا في الغرب الاوروبي حالة الشرقي السامي المغترب والمستبعد الى حلفاء لهذا الغرب الذين استبعدهم واضطهدهم ضد شرق عربي - اسلامي وفَّر لهم على مدى الف سنة مرفأ الأمان وملجأ السلامة من الغرب الطارد لهم؟ ومن المفارقات الدالة ان اولى المذابح الكبرى التي تعرض لها اليهود في الغرب كانت على يد الحملة الصليبية الاولى المتجهة الى الشرق الاسلامي عام 1096 تحت شعار "لنقتل الكفار المقيمين بيننا وفي بيتنا اولا" وادت متابعتي للعنف المتعدد الذي تعرض له اليهودي في شرق اوروبا وغربها وشمالها وجنوبها الى سؤال آخر: كيف أمكن اليهود ان يكسبوا معركة البقاء رغم الاضطهادات؟ وكيف تمكنوا من التكيف في اجواء معادية والنجاح في ميادين الاقتصاد والبحث العلمي والمهن الحرة التي تعتمد على النشاط الذهني؟ وفي سياق البحث عن الاجابة عن هذه الاسئلة وقعت على شواهد تدل على سببية بين محنة الاضطهاد ونعمة الثروة وميزة التضامن اليهودي الجمعي. وتبين لي كذلك وجود علاقة سببية بين الاضطهاد ونشوء الصهيونية من خلال التحولات التي طرأت على وعي ابرز مؤسسي الحركة الصهيونية في اعقاب مذابح او مظالم جعلتهم يتحولون من متنورين يدعون الى اندماج اليهود كليا في مجتمعاتهم الى صهاينة يدعون ويعملون لوطن قومي يهودي مستقل. وشغلتني مسألة اخرى: كيف امكن اليهود الشغوفين بالتقدم العلمي ان يتركدوا على دين صحراوي بدائي. وان يتشبث معظمهم بالايمان بعودة المسيح المخلص الذي سيقودهم الى ارض الميعاد؟ والاخطر من ذلك كله كيف استطاعت الصهيونية ان تحول ذلك الحلم الاسطوري الى واقع تاريخي؟ ثم لماذا تم هذا الانزياح والانحياز للتاجر اليهودي - المعتاد الترحل بين حواضر الامم مما يوسع افاقه الثقافية - الى فكرة وطن قومي بعيد يقام على ارض فقيرة متخلفة يغلب عليها الطابع الصحراوي؟ والكتاب محطة لمحاولات الاجابة عن هذه الاسئلة. 

  •  ياهذه التداخلات المتشابكة فعلا والاسئلة المتشعبة، كيف تحدد علاقة المشروع الصهيوني والاستعماري الاوروبي في ضوء ما اشرت اليه في الكتاب من جدال بين الاضطهاد الطارد لليهود واستعمار الصهاينة لفلسطين؟ 

لعل افضل مدخل للاجابة عن سؤالك هو قول احد مؤسسي الحركة الصهيونية: "لو لم يكن هناك يهود لكان على بريطانيا ان تخترعهم" وكشفت المفكرة اليهودية حنة ارندت الوظيفة الاستعمارية لـ"دولة اليهود" حين قالت: "ان الدولة اليهودية لن تكون سوى منطقة نفوذ للقوى الاستعمارية تحت وهم القومية". وكان هرتزل نفسه يعرّف مشروعه بأنه "فكرة استعمارية" ويتوقع ان تتفهم بريطانيا جدوى هذا المشروع كونها الدولة الاستعمارية الاكبر في العالم، وتساعد بالتالي على تنفيذه. ولم يُخيب البريطانيون ظنه كما تعلم. وتضافرت جملة اسباب دينية واقتصادية وثقافية لتحدث تقاطعا بين الصهيونية ودول اوروبا - بريطانيا خاصة في نهايات الحقبة الاستعمارية، اذ كانت بريطانيا اكثر دول اوروبا واقدمها اهتماما بالارض المقدسة لا لأسباب استراتيجية فقط بل لأسباب دينية تتعلق بأسباب الحروب الصليبية ومجرياتها. 

  •  هل ثمة في رأيك اسباب اخرى تتعدى البريطانيين في تفهمهم ودعمهم للمشروع الصهيوني؟ 

بلى، ثمة اسباب اخرى تتعدى البريطانيين لتشمل باقي الرأسماليين الاوروبيين الغربيين والاميركيين الذين كانوا يخشون منافسة اليهودية لهم في حقول المال ويمنعون، او يحدون في الاقل، من الهجرة اليهودية الى بلدانهم، وذاك ما فعلوه اكثر من مرة في اعقاب حمامات الدم الروسية (1881 - 1882) وابان الاضطهادات النازية في الثلاثينات والاربعينات. فضلا عن تواطؤ الرأسماليين اليهود في اوروبا اليهودية مع المشروع الصهيوني لكونه يوفر عليهم اخطار هجرة يهودية تحرك العداء للسامية وتهدد بالتالي مصالحهم على ارض اوروبا. كما ان بعض اولئك الرأسماليين اليهود كانوا يطمعون في وطن يهودي يطلق يدهم في الاستثمار في منأى عن منافسة البورجوازية الاوروبية. وهكذا ركبت المعادلة وتقاطعت مصالح الرأسمالية الاوروبية المسيحية واليهودية ودوافعها واليائسين في التحرر من اوروبا. ولا ننسى ان اوروبا على اختلاف انظمتها السياسية وتنوعها اظهرت ممانعة شديدة لادماج اليهود في مجتمعاتها وثقافتها بدءاً من فلاسفة الانوار الفرنسيين وانتهاء بالفلاسفة الالمان مثل كانط وهيغل ونيتشه. وكل تلك الظواهر تؤكد قوة الدفع الاوروبي الطارد لليهود وتؤكد بالتالي علاقة جدلية ثنائية خاصة بين الخصوصيتين السلبيتين، اليهودية والاوروبية، واثر كل ذلك على المشروع الصهيوني برمته. 

  •  حاولت في كتابك الاجابة عن سؤال الممانعة اليهودية للانخراط في ثورات الغرب وحددت الاسباب في ما سميته بالخصوصية الدينية والوظيفة الاقتصادية (الطبقة الاجتماعية). الا تعتقد ان هناك مشروعا سياسيا كامنا ظل يتين الفرص ويهيئها ويعمل على انضاج شروطها؟ 

اعتقد جازما ان مثل هذا المشروع لم يكن له وجود قبل ظهور الحركة الصهيونية في نهايات القرن التاسع عشر ذلك ان يهود الشتات قبل ذلك التاريخ كانوا يقرنون حلم العودة الى ارض الميعاد بظهور المسيح، ابن داود، ويمارسون الطقوس الدينية التي تعجل العودة ويترقبون علاماتها وجاءت الصهيونية لتقوض هذا النمط من التفكير الديني التقليدي وتحيي ما يسمى "العبري الجديد" الذي يتولى مهمة اعادة اليهود الى ارض اسرائيل بنفسه. وقلة من العرب تعرف ان فكرة عودة اليهود الى فلسطين ليست فكرة صهيونية او يهودية في الاساس بل بدعة انجيلية اصولية بريطانية ابتدعها اتباع كالفن في القرن السابع عشر انطلاقا من ايمانهم بقدسية العهد القديم وعصمة نصه القائل بعودة اليهود الى ارض كنعان. وبالفعل دعا اولئك الانجيليون وعملوا من اجل اعادة اليهود الى الارض المقدسة لأن عودتهم تسبق عودة المسيح وتمهد لها. وحين هاجر اؤلئك الاصوليون الى اميركا حملوا معهم فهمهم العبري للانجيل ونسختهم العبرية من الانجيل المسيحي، واستحدثوا الظاهرة التي ستعرف بـ"اليهود المسيحيون" والذين يبلغ عددهم في اميركا الان نحو خمسين مليونا يملكون قدرات اعلامية نافذة. وقلة من العرب تعرف كذلك ان شعار "فلسطين ارض بلا شعب لشعب بلا ارض" كان عنوان مؤتمر عقده المسيحيون اليهود في لندن عام 1840 ثم اشاعه الانجيلي الاميركي بلاكستون في سبعينات القرن التاسع عشر في وقت كان هرتزل ساهياً تماماً عن اليهود ومصيرهم ومنشغلا بالتألق في قاعات فيينا كمحام وكاتب مسرحي. وبناء على ذلك، اميل الى تصديق قول بعض المؤرخين بان الصهاينة كانوا اخر من اكتشف الصهيونية في اوروبا. 

  •  كلامك هذا عن المسيحيين اليهود يردنا الى فصل في كتابك تشدد فيه على اهمية العلاقة الجدلية بين الصهيونية المسيحية واليهودية في قيام دولة اليهود. سؤالي: هل من اسس بنيوية - اقتصادية تقوم عليها تلك العلاقة ذات العامل الديني - الثقافي؟ 

الواقع ان هذه العلاقة تعود تاريخيا الى القرن السابع عشر حين ظهرت في بريطانيا طبقة وسطى وجدت في العهد القديم والشريعة الموسوية مفاهيم تتوافق مع حاجاتها ونمط حياتها وطموحاتها. وتلك المفاهيم هي تقديس العمل المنتج وتمجيد الثروة واعتبارها علامة تدل على تفضيل الله لصاحبها وتخصيصه بالنعمة. وبهذا المعيار يصبح رجال الاعمال الاثرياء النخبة المختارة من الله ويفرق عليهم من ماله. واذا كان المال مال الله والملك ملكه فان المتمول او المالك يمسي تبعا لذلك مؤتمنا على المال ولا يستطيع التصرف به او انفاقه الا تبعاً لمواصفات تحدها الشريعة الموسوية التي توصي بالادخال والتثمير ولا تسمح بالانفاق والتبذير اي ان الانسان يغدو مسؤولا عن الوديعة المالية التي القاها الله بين يديه ومطالبا باثبات انه لم يبددها على الترف والمتع بل للضروري والاساسي من الحاجات وتدبر شؤون المعوزين من ابناء الجماعة المؤمنة. وهكذا وجدت البورجوازية البريطانية في العهد القديم ما عزَّ وجوده في عظة الجبل والعهد الجديد. ولا حاجة الى القول انها كانت انتقائية تأولية في مقاربتها للعهد القديم نفسه. 

  •  هل ترى تماثلا بين النص الديني وسلوك اليهود؟ وهل يدخل العنف الربوي الذي ذكرت في باب التماثل؟ 

الكلام عن اليهود او سواهم في صيغة الجمع بالمطلق هو ضرب من ضروب الوهم وقد يفضي الى العنصرية واللاسامية. والكلام عن النص الديني كأنه نص متماسك ومتجانس هو من الاخطاء الشائعة. في الشق الاول من المسألة ثمة جماعات وفرق وافراد يهود يتنوعون ويتميزون ويختلفون في اوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي لا تحددها اليهودية او تحددها. وفي الشق الثاني الخاص بالنص الديني، يتصف النص بالتنوع والاختلاف واحيانا بالتناقض في مضامينه الاجتماعية، فاليهودية حمالة اوجه شأنها شأن اي دين اخر. وقديما تواجدت فرق يهودية دينية انشقت وانشأت اخويات ومارست اسلوب حياة شيوعية، اشهرها فرقة الاسينيين وهي اقرب فكرا وحياة الى المسيحية منها الى اليهودية رغم بقائها على يهوديتها. انه مثل على التباين قديما. وراهنا عرفت اليهودية "اليهود اللا يهود" كما يصفهم دويتشر، وهو منهم، وبين هؤلاء فلاسفة وعلماء ومشاهير كانوا معادين لليهودية بل ألد اعدائها. يكفي ان نذكر سبينوزا وفرويد وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ. ويوصف كبار المؤرخين اليهود ماركس بـ"اليهودي المرتد" ويتهمونه بالعداء للسامية. وسأوفر للقارئ لائحة باسماء اليهود اللايهود المعاصرين والنشطاء في فضح عنصرية الدولة العبرية والتشهير بالعنف الصهيوني ضد الفلسطينيين واخرهم كان زائرا للبنان حديثا وهو نورمان فنكلستين. 

  •  هل ترى ان سلوك اليهودي مثير لحقد غير اليهود عليه؟ 

الجواب هو بلى ان المقصود تشبث اليهود بخصوصيتهم وعزوفهم عن التزاوج مع الاغيار وتحريم التطبيب والاستشفاء على ايديهم والامتناع عن دعوتهم الى موائدهم. وكل جماعة دينية لها سلوكها ومؤسساتها وشرائعها، واتبع المسيحيون شريعة حمورابي في تعاملهم مع اليهود بل جاوزوها عنفاً، وفي الكتاب امثلة على ذلك. لكن ما يستحق الادانة هو عنف اليهودي الاقتصادي. 

  •  تقصد العنف الربوي؟ 

بلى، العنف الربوي ضد دائنيه وجلهم من الفلاحين والحرفيين ويخسرون غالبا اراضيهم لعجزهم عن تسديد دين ضاعفته وراكمته الفوائد كما يشهد اراسم ابرز رموز النهضويين الانسانويين. وبحكم هذه الخصوصية الوظيفية كان اليهود يجدون انفسهم حليفاً للطبقة الاريستوقراطية، يدققون في حساباتها ويجمعون ضرائبها ويقرضون امراءها لقاء تعهد هؤلاء بمساعدة اليهود في تحصيل قروضهم وفوائدها. وفي المقابل كان الامراء والحكام يوظفون كراهية الجمهور لليهود كلما رغبوا او عجزوا عن تسديد قروضهم لهم، فيحركون اضطرابات جماعية ضدهم مما كان يرغم اليهودي على التنازل عن قرضه ليشتري به أمنه. 

  •  يقودنا ذلك الى الحديث عن الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في اوروبا. فمعادلة المال - الامن، او العكس، واشارتك الى مصالح الرأسماليين في التخلص من اليهود وما طرحته في كتابك حول اسباب دينية لاضطهاد ديني، هل يسعك بناء على ذلك تبيان اسباب اخرى للاضطهاد؟ 

الاضطهاد الديني المسيحي لليهود يعود الى نشأة المسيحية كعقيدة منشقة عن اليهودية ومنافسة لها. وفي واقعة صلب السيد الناصري بموجب حكم اصدرته عليه محكمة يهودية ونفذته السلطات الرومانية، اذ القى المسيحيون تبعة قتل المسيح على "امة اليهود"، وكان هذا الاتهام في خلفية كل اشكال العنف ضد اليهود، بدءاً بالتشريعات الكنسية والحكومية وقرارات الطرد، وصولا الى الاضطرابات اليهودية في ممتلكاتهم وارواحهم. وكان النظام الملي، بما اتاحه من حقوق للطوائف في العيش في احياء خاصة، وممارسة كل طقوسها خلف جدران حاجبة. كل ذلك كان يكتف الجماعة اليهودية على نفسها ويصهر ابناءها في كتلة، ويباعدها ويفصلها ويغربها عن عالم الاغيار او الغالبية المسيحية. وكانت تلك الحياة الداخلية لليهود تثير ريبة المسيحيين وتشككهم في نيات الآخر. ان النظام الملي في الممارسة هو نظام شبه غيتوي قبل ان نسمع بالغيتو. واعتقد ان هناك سببا سياسيا رئيسيا للاضطهاد مارسته امبراطوريات وحكومات كانت معنية بالمجانسة العقائدية للشعب. وبما ان الملة اليهودية كانت الوحيدة المغايرة للمسيحية كان طبيعيا ان تمارس ضغوط التنصير على اليهود لفرض التوحيد العقائدي بالاكراه بغية خدمة سلام الدولة واستقرارها. وبدأ اليهود يتعرضون لهذا النوع من الاكراه في القرن الرابع بعد تحول الامبراطور قسطنطين الى المسيحية وتحويلها الى ديانة للدولة، علما ان الامبراطورية الرومانية التعددية لم تمارس هذا الاكراه. كما هناك مسألة الخصوصية الاقتصادية الربوية التي سبقت ظهور الرأسمالية قرونا عديدة وهي وظيفة حرمتها الكنيسة على المسيحيين، وكانت ضرورية بقدر ما كانت محتقرة. بل ان مسيحيي القرون الوسطى كانوا يتأثمون من التجارة، فتحول احتقار التجارة والربا الى احتقار اليهودي المرابي والتاجر. 

  •  كيف تصف العلاقة بين اليهودية والعنصرية، خاصة انك ذكرت في كتابك ان ستالين تحرك ضد الحركة السياسية الصهيونية لا ضد اليهود بصفتهم الدينية؟ 

يمكن العثور على بذور هذه العلاقة في النصوص العبرية الدينية التي تحمل مفاهيم الاختيار الالهي لبني اسرائيل وتفضيلهم على سائر الامم، والعقد او العهد بينهم وبين الله هو عقد حصري واستبعادي وترجمته السياسية لا بد من ان تحمل لونا من الوان التمييز العنصري ضد غير اليهود. ولكن، الى هذه المعرفة الشائعة عن العلاقة بين اليهودية والعنصرية، نضيف ان مفهوم الخصوصية اليهودية ليس ابتداعاً يهودياً حصرياً غير مسبوق او متبوع، بل بدعة سبقتهم اليها شعوب الشرق القديم مثل السومريين والفرس وسواهم، كما اوضحت في سياق دراستي لأبرز المؤثرات الشرقية الثقافية في اليهود. ولا شك كذلك في ان غالبية اليهود، سواء كانوا في الاتحاد السوفياتي ايام ستالين او في مجتمع الثورة الفرنسية، اظهروا قدراً من التضامن القطيعي الغرائزي الذي يعبر عن انطوائهم او تركدهم على خصوصيتهم. لكن ينبغي من ناحية اخرى ان نحاذر مطابقة سلوك الغالبية اليهودية السياسي والاجتماعي مع معتقدهم الديني. فاليهود الذين عاشوا الحقبة الستالينية ورثوا ذكريات "البوغروم" او "حمامات الدم" التي تعرض لها اليهود مرارا في روسيا القيصرية، كما ورثوا قبلا وبعدا الخصوصية الاقتصادية الطفيلية ماثلة في الربا والوساطة والسمسرة والسوق السوداء التي حالت دون اندماجهم في المجتمع الروسي الجديد وموضعتهم في موقع المعادين للنظام الاشتراكي. يضاف الى ذلك العامل الاقتصادي قيام دولة اسرائيل ونجاحاتها العسكرية في "حرب الاستقلال" (1948) ودعايتها الصهيونية التي خاطبت اعمق طبقات وعيهم واثارت فيهم الشعور بالفخر والتماهي، مما جعلهم ليس فقط مزدوجي الولاء بل منحازين لاسرائيل. وهذان السببان حركا الاجراءات الستالينية ضدهم. 

  •  الواضح أنك استخدمت المنهج التحليلي المركب بين الهيغلية والماركسية في قراءة تاريخ اليهود استنادا الى العاملين الديني والاقتصادي - الوظيفي، فكيف وفقت بين منهجين أو أكثر، خاصة أنك تدخل ابن خلدون أحياناً في سياق البحث؟ 

ملاحظتك صحيحة، واستطيع القول إني لم اسلّط منهجاً واحداً على الوقائع، ولم أتعمد الاحتكام الى معايير سابقة اقيس بها الاحداث والظواهر، بل قاربت المادة التاريخية بمنهج يغلب عليه الاستقراء بحيث كانت تردني الظاهرة الى المنهج الاجتماعي او الفلسفي لهذا الفيلسوف أو ذاك العالم. أي أن الواقع كان يحيلني على النظرية لا العكس، أو ذاك ما أرجوه في الاقل. إن تاريخ الجماعات اليهودية حافل بالمفارقات ويتبدى تناقض أحياناً بين افكار اليهود ومسالكهم من ناحية، والنتائج التي كانوا يتوخونها من أفكارهم ومسالكهم. وكان ذلك يردني الى موضوعة "مكر العقل" الهيغلية. إن الربا مثلا كان مصدر ثروة ونعمة لليهودي المرابي، لكن ثروة اليهود المالية كانت مصدر نقمة عليهم وسبباً لاضطهادهم. كذلك كان العديد من قادة اليهود الفكريين والسياسيين، وأبرزهم هرتزل، من عشاق الثقافة الالمانية يرتجون المساعدة على تحقيق الحلم الصهيوني من الالمان، فجاءتهم المعتقلات والمحرقة على يد الالمان. ومعاناة الاضطهاد وذروته المحرقة كانت محنة لكن المحنة ساعدتهم في وضع مشروعهم السياسي موضع التنفيذ. والامثلة على "مكر العقل" سلباً وايجاباً" باليهود وأعدائهم كثيرة. من ناحية ثانية كانت خصوصية اليهود الاقتصادية واثر الوضع الاقتصادي - الاجتماعي في وعي البشر تستدعي ماركس. ولا يمكن بالتالي فهم انحياز الاصوليين المسيحيين البورجوازيين في القرن السابع عشر الى العهد القديم أو نفور التجار المسيحيين من اليهود ومحاولات تهجيرهم للانفراد بالسوق، أو كره الفلاحين الروس لليهودي المرابي من دون الاستناد الى منهجية علم الاجتماع الماركسي. واستدرجني الشكل الدائري للتاريخ اليهودي من ناحية أخرى الى ابن خلدون الذي قرأ التاريخ الشرقي في ضوء العصبيات القبلية الدينية. ولا ننسى ان اليهود هم أسباط وقبائل صحراوية بدوية في الاصل وحافظوا على هذا المتحد الجمعي وتشبثوا بعصبيتهم الدينية. 

  •  في المغازي الاخيرة للكتاب تظهر مقولة اللعب على شرق/ غرب/ شرق أو ما سميته "الانقلاب على ألف سنة من التاريخ". هذا الانقلاب ما حافزه في رأيك وما الدافع اليه؟ 

المقصود هو انقلاب الصهاينة على ألف سنة من العلاقات الطيبة بينهم وبين العرب المسلمين واستبدالها بحرب ضدهم على الصعد كافة، والتحالف في المقابل مع غرب كان طارداً لهم. وتشهد مرجعيات تاريخية يهودية كبرى مثل س. وبارون، ويشهد مؤرخون يهود مثل برنارد لويس، وفلاسفة مثل برتراند راسل على أن دار الاسلام كانت ملجأ اليهود الهاربين من الاضطهاد الأوروبي. وقبل هؤلاء ظهر عدد من المؤرخين والبحاثة اليهود بين القرن التاسع عشر ومطالع العشرين كتبوا عن الاسلام ونبيِّه في مؤلفات كانت الأكثر موضوعية وتُعد الأولى التي صححت صورة المسلمين في الغرب، الامر الذي جعل برنارد لويس يتحدث عن تقليد ثقافي يهودي - اسلامي. وكان أحد أهداف أولئك المؤرخين اليهود إطلاع الغرب المسيحي على النموذج الاسلامي في التعايش بين الجماعات الدينية المختلفة ويذكر لويس أن يهود أوروبا نظروا الى دول الشرق الاسلامي نظرة الاوروبيين الشرقيين الى شقيقهم الروسي الكبير الذي كانوا يأملون منه المساعدة والحماية، وتماهي اليهود مع عرب اسبانيا لاعتقادهم بأنهم ساميون وشرقيون مثلهم. وجاءت مطامع الحركة الصهيونية في فلسطين شرخاً طولياً في هذا التقليد الثقافي الذي كتبه من وصفوا بـ"يهود الإسلام". 

  •  ولكن هذه الكتابات غيبت أو طُمست بسبب فلسطين والصراع حولها وأبعاده وامتداداته وأعادت بالتالي رسم خريطة العلاقات؟ 

الصراع على فلسطين حوّل أصدقاء الأمس الى أعداء اليوم، وأعداء الأمس الى أصدقاء الراهن. لعبت فلسطين دور المحوّل الكيميائي لعلاقات صهاينة العصر بالغرب والشرق. والدولة العبرية في حربها على العرب تستبعد التقليد الثقافي اليهودي - الاسلامي من مناهجها التربوية وإعلامها وتعمّق في المقابل التقليد اليهودي - المسيحي" لتحوّله الى سلاح عقائدي مضاد للعرب والمسلمين. وهذا الانتقاص الممنهج للشرق من جانب الدولة الصهيونية ومؤسساتها كان لا بد من ان ينعكس سلباً على صورة الذات لدى اليهود العرب والشرقيين الذين هاجروا او هُجّروا الى اسرائيل بعد قيامها، إذ يسمع هؤلاء دائماً ان الفضل في قيام اسرائيل يعود الى يهود اوروبا، وأن اليهود الشرقيين والعرب جاؤوها ضيوفاً "يحملون التخلف في حقائبهم" كما وصفتهم غولدا مائير. كل ذلك يدخل في وعيهم الشعور بالدونية ويجعلهم كارهين لذاتهم الشرقية، وهو ما قصدته في حديثي عن يهود اسرائيل الشرقيين. 

  •  ما هي العلاقة في رأيك بين المشروع الصهيوني والمشروع الاوروبي الاستعماري والمشروع الحضاري العربي؟ 

لا أرى مشروعاً حضارياً عربياً راهناً. ما أعرفه أن النهوض الحضاري كان شاغل رواد النهضة اللبنانيين بدءاً ببطرس البستاني في القرن التاسع عشر وأمين الريحاني ورئيف خوري مروراً بفرح أنطون وشبلي الشميل وسواهم في المهجرين المصري والاميركي. لا أقوّم هنا رؤيتهم الحضارية، بل اقول ان النهوض الحضاري كان شاغلهم واستنهضوا الامة السورية او العربية لتحقيقه في تلك الحقبة الغنية من تاريخنا الثقافي والتي وصفها البرت حوراني بـ"العصر الليبرالي". وكان المشترك في مشروع الرواد النهضوي هو الايمان بمبادئ الثورة الفرنسية طريقا للنهوض. واستطيع القول ان كمال جنبلاط هو اخر ورثة الحلم النهضوي وكان هناك في مصر اصحاب مشاريع ورؤى مثل طه حسين وسلامة موسى وسواهما. وكان المشروع الناصري القومي العلماني اخر ما عرفه العالم العربي من مشاريع. وقد اجهضت اسرائيل عام 1967 امكان قيام قيادية عربية، ويمكن القول ان المشروع الصهيوني كان معطلا لمشروع الدولة العربية القومية العلمانية، وبقدر ما نجح في هزم المشروع القومي الناصري ساهم في احياء الاصوليات الدينية الاسلامية وسواها. وخلق مناخا ملائما للانقلابات العسكرية وما تبع ذلك من تعليق للديموقراطية ومصادرة الحريات بما ينقض المبادئ الاساسية لرؤية النهضويين الليبراليين الذين حاولوا استنهاض العرب بمبادئ الثورة الفرنسية. توقع نجيب عازوري عام 1905 ان تتصادم القوميتان العربية والصهيونية حتى تتغلب الواحدة منهما على الاخرى. والخشية ان يتحول هذا الصدام الطويل والمرير الى صدام ليس بين قوميتين فقط انما ديانتين يتداخل في كل منهما الدين والقومية. 

  •  تلقي اللوم في نهاية كتابك على الحل الكولونيالي الخاطئ للغرب للمسألة اليهودية وتدعوه الى حل للمسألة الفلسطينية. ألا ترى معي ان مقولة فلسطين تحرر نفسها رغم أخطار هذا الحل وصعوباته افضل من الحلول الخاطئة او المجتزأة التي نطلبها من الغرب؟ واستطراداً كيف ترى الى افق الصراع العربي - الاسرائيلي في مرحلته الدقيقة الراهنة؟ 

لا ادعو الغرب الى حل المسألة الفلسطينية، ولا اعفي الفلسطينيين والعرب من مسؤوليتهم الكبرى في مواجهة التحدي المصيري الذي فرضه عليهم الغرب وصهاينته، وهم في النهاية من صنعه وانتاجه، وعلى صورته ومثاله، فقوميتهم المتعصبة عصب نافر من تعصبه القومي الذي كان الغطاء الايديولوجي لحروبه المدمرة وعنصرية الصهيونية هي درس سيئ حفظه في طريقة التعليم الأقسى. وفلسطين التي جاءها غازي هي البديل الذي اختاره واختير له من قوى تعددت اسباب كراهيتها له او عطفها عليه. وانا بالتالي احمّل الغرب مسؤولية المساهمة في حل مشكلة نشأت من انحراف اصاب ثقافته ومن أطماع بورجوازياته وانماط سلوكه. اضف الى ذلك ان سلام العالم بات من سلام الشرق الاوسط، وكان أمين الريحاني بين الذين استشرفوا هذه الحقيقة. اما رؤيتي فهي السياق التحليلي للوقائع الذي قادني كما تعلم الى نهاية لا يمكن ان تتسم بالتفاؤل. ليست ثمة قواسم مشتركة يستند اليها اي حل تفاوضي متواز، واتفاق اوسلو لم ينجح، الا انه فشل ايضاً في مقاربة مسائل الخلاف الاساسية واهمها القدس والمستوطنات. ومشروع الدولة الفلسطينية يتعارض مع ما تعتبره اسرائيل ضرورات استراتيجية وامنية، اي ان الضفة الغربية يمكن ان تكون العمق الآمن او الثغرة المفتوحة في جدار الأمن الاسرائيلي تبعاً لمن يسيطر عليها. اما الاصوليات المتنامية على الجانبين الاسرائيلي والعربي فانها تُنذر بصراع مديد ومبيد لا حدود لتداعياته الخطيرة على الأكثريات والأقليات، وعلى المنطقة والعالم. 

  •  بعد حوادث 11 ايلول سادت العالم روح عنصرية. أليست هذه الروح مرادفة لما حدده ماركس بخصوصية اليهودية (الاقتصاد، المتاجرة، تأليه المال) والذي سميته انت "العالم بات يهودياً واليهودي عالمياً"؟ 

بالطبع، الروح العنصرية التي تسود اليوم هي انتاج اصولية انكلوسكسونية رأسمالية هي في الاصل والأساس أم الأصوليات كلها، وهذه الأصولية الرأسمالية الوحشية تستند الى اصولية انجيلية متهودة. واليهودية واليهود يتحملون وزر هذه الاصولية المركبة بنسبة الأسهم التي يملكها رأس المال اليهودي في الشركة الرأسمالية العالمية، وبالحجم الذي تتفاعل فيه الاصولية والاصوليون البروتستانتينيون المعروفون بـ"المسيحيون اليهود". هذا في ما يتعلق بالأصوليات السائدة وأصولها. اما في اصول العنصرية الاوروبية فهناك جذر لها في العقيدة المسيحية سابق لقيام البروتستانتية، فالمسيحية تقسم العالم بين مؤمنين وكفار فيما قسّم اليهود العالم الى يهود وأغيار. والفارق هو ان المسيحية نقلت الثنائية من مستوى الجماعة، او من صيغة الجمع الى صيغة المفرد. وقد تأسّى فيلسوف التاريخ ارنولد توينبي، ومن منطلق ايمانه المسيحي، على هذه الثنائية التي تسللت من العهد القديم الى المسيحية. واستناداً الى هذه الثنائية بات اليهودي في اوروبا هو الآخر "الكافر"، ودمغ اليهود جملة بوصمة الأمة القاتلة للإله. ومعظم المسيحيين الاوروبيين لم يميّز في الممارسة بين يهودي وآخر وتعامل معهم بالجمع. واستندت اوروبا الاستعمارية الى هذه الثنائية التي تميز بين الأنا وسكان المستعمرات المختلفين ديناً وعرقاً وثقافة. وتكفي مقدمة سارتر لكتاب فرانز فانون "المعذبون في الارض" او ما يقوله ماركس في "رأس المال" عن "بربرية الممارسات الاستعمارية للأمم الاوروبية التي تسمي نفسها مسيحية" لندرك ان العنصرية هي ملمح نافر في الوجه الاستعماري البشع. وينطبق هذا على كل الدول الاستعمارية التي دخلت اسرائيل في عدادها متأخرة والاستعمار الى غروب، كما ينطبق على كل الامبراطوريات من روما القديمة الى الولايات المتحدة التي تنفرد اليوم بالزعامة في عصر العولمة السعيد الذي يحيي الروح اليهودي في المعنى المجازي او الرمزي الذي استخدمه ماركس واخذته عنه للدلالة على عبادة "البعل" المالي الذي أحيته الرأسمالية العالمية. وفي هذا المعنى يصبح الروح اليهودي هو الرأسمالي عالمياً، ويصبح العالم بلا روح. 

 

§ وصـلات:

 
 

 
    

 
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic