نايبول الحائز على جائزة نوبل للآداب:
العرب دمروا التاريخ الهندوسي
والإسلام أفقد الإيرانيين تاريخهم!

السفير (الجمعة، 4 كانون ثاني / يناير 2002)

اسكندر حبش

نايبول - جائزة نوبل

نايبول يتسلم جائزة نوبل

بعد أشهر قليلة من حيازته نوبل للآداب (2001)، لا يزال الكاتب الترينيدادي البريطاني، نايبول، يثير العديد من التحفظات وردود الفعل، على الأقل، من خلال آرائه في الإسلام، وفي ما يجري حاليا من أحداث عالمية. 

منذ البداية، أي منذ كتابه الأول عن الإسلام، والكاتب يتخذ موقفا أقله، موقفا عدائيا و”مرضيا” (في لحظات ما) من الدين الإسلامي، وهذا ما يتبدى في حواراته هذه، وربما كان السبب الرئيسي للدافع الذي جعلنا نترجمها، أي الوقوف مليا على أفكار نايبول التي تقع دائما في العنصرية. 

هذا الحوار المترجم، هو مزيج من حوارات ثلاثة، جرى مع الكاتب في كانون الأول الماضي، أي قبل أيام قليلة من الحفل الذي أقيم في السويد لاستلام الجائزة، وهو مأخوذ من مصادر ثلاثة هي صحيفة “لوموند” (عدد 7/12/2001) وصحيفة “ليبراسيون” (عدد 6/12/2001)، ومجلة “تيليراما” (عدد 2709)، وقد ارتأيت أن أقوم بعملية مونتاج صغيرة، لدمج الفقرات بحسب الأفكار التي يطرحها: 



ماذا جلبت لك جائزة نوبل؟ 
- من حيث المبدأ إنها تعطي دفعا لعملي و حياة ثانية لكتبي. لكنني لن أكتب مستقبلا أكثر .إنني في التاسعة والستين ، وقد وقعت عدة عقود من أجل كتب جديدة . سأنتهي من الأول ومن ثم سأرى. لقد تعبت. 

لقد أثارت الجائزة ردود فعل في بعض الأوساط الإسلامية . ما رأيك في ذلك؟ 
- يعود ذلك إلى الطريقة التي قدمت فيها الصحف الحدث. لولا ذلك لما كان الأمر أثار أي شيء.علينا أن لا نعير هذه الحماقات الكثير من الانتباه أو ربما توجب الحديث بصراحة . هؤلاء الناس لا يقرأون كثيرا ، انهم ضد الحضارة. يريدون حمل صمت الصحراء إلى جميع الأنحاء. لقد دمروا في أفغانستان الأثار القديمة، محوا تاريخهم. في البلدان التي نجحوا في فرض إيمانهم، نجحوا في فرض هذا الصمت.

هل تظن، ولنستعيد قول صموئيل هنتنغتون، إننا نعيش صدام حضارات ؟
- لم أقرأ هنتنغتون، الا بعض الفقرات. كل ما أستطيع قوله هو أن مفهوم الحرب الدينية أساسي في الديانة الإسلامية. إذ كلما كنت ضعيفا، فإنك بالطبع لا تستطيع ان تحارب. لكن ما إن تعتقد انك قوي، سياسيا، عسكريا، حتى تستطيع عندها أن تقود حربا حقيقية. عندما تتصرف بهذه الطريقة، عليك أن لا تنسى أن لديك عدوا، عليك أن تكون ممتلئا بالكراهية، عليك أن تؤمن أن ما من تعايش ممكن، إلا إذا كان مفروضا. لا اعرف ما هي فرضيات هنتنغتون، ولكني لم أسمع يوما أن هناك أزمة حضارة بين الهنود والغرب، و لا بين اليابان والغرب. أعرف أن عند اليسار كمية من التفسيرات لواقعة أن العشرات من الأفراد اختاروا أن يضحوا بأنفسهم من أجل الجنة. الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية، الأمبريالية الأميركية لكن بالنسبة اليّ فأحداث 11 أيلول ليست سوى أفعال كراهية دينية صافية. 

هل ان بوش يشارك في حرب دينية أيضا؟ 
- كلا، انه يريد الانتقام. الاقتصاص من التعصب. ليس هناك أي مفاوضات ممكنة مع التعصب. ينبغي دفع كل الأضرار التي حدثت. يجب فرض التعويضات على المملكة العربية السعودية لأنها على رأس العالم الإسلامي. يجب على البلدان التي تشجع على الإرهاب ان تدفع التعويضات أو تلك التي تقول ان من يهاجم أفغانستان يهاجم جميع البلدان الإسلامية. علينا أن نقلب الأمور : يجب أن نقول اذا كان هناك بلد واحد تعرض للهجوم الإرهابي فهذا معناه أن كل البلاد الإسلامية مسؤولة عن ذلك و يجب ان تدفع ثمن ذلك. المملكة العربية السعودية والجزائر ومصر التي تغذي الإرهاب. عليهم التعويض على كل هؤلاء الأموات، على كل هذه الحيوات التي قصفت، كل هذه الوظائف التي فقدت، كل هذه المباني التي دمرت. ليس على الضحايا ان تدفع وإنما على المعتدين. للأسف ان العكس هو الذي يحصل إننا نكافئهم. إننا نكافئ باكستان. انه أمر عبثي. ليس لدى باكستان أي برنامج اقتصادي او اجتماعي او تربوي في حين ان فكرة الجهاد منتشرة. الأمر الوحيد الذي يسير في بلد كهذا هي فكرة الهرواة.

موقف سياسي 
العديد من المعلقين رأوا في منحك جائزة نوبل موقفا سياسيا: بعد الهجمات الإرهابية الإسلامية ضد الولايات المتحدة ، كوفئ الكاتب الأنغلو ­ ساكسوني الأقل تعاطفا مع الشعوب المنحدرة من الاستعمار، الكاتب المعادي جذريا للإسلام؟
- لم أكتب سوى كتابين عن الإسلام! في حين أن بيان أكاديمية نوبل لم تذكرهما بشكل خاص. كذلك وكما تعرفون، أنا مرشح منذ أكثر من عشرين عاما، لجائزة نوبل... هذا يعني، أن هذه الهجمات الإسلامية بدلت في رؤيتنا للعالم. لقد تيّقنا كم أن الحرب المقدسة مزروعة في قلب الإسلام، إنها جزء لا يتجزأ من الإيمان. فأن يتخيّل المرء نفسه، وبشكل أبدي، في حرب، فإن ذلك سيفضي إلى وجود عدو دائم، أي إلى بغض أبدي. 

في كتابك “وهم الظلمات”(1960)، وبينما تروي ذكريات طفولتك في ترينيداد، تقول :”فهمت بسرعة أن المسلمين كانوا أكثر اختلافا عن الجميع. لا نستطيع أن نثق فيهم. علينا أن نعاملهم دائما من فوق” ألم يلعب هذا الشعور، الذي أحسست به، في البداية، دورا في نظرتك للإسلام، فيما بعد ؟ 
- هل حقا كتبت ذلك؟ فهمت مصدر هذا الشعور الطفولي منذ عدة سنوات فقط حين ذهبت من الهند إلى باكستان. ليس في الأمر أي حقد عنصري ولكنه شعور مرتبط بالاجتياح الإسلامي في الهند، بتدمير الهند وتاريخها الهندوسي، من قبل الإسلام. عندما نقرأ رحلة ابن بطوطة، الذي أمضى سبع سنوات في دلهي في القرن الرابع عشر، ومن ثم رحلات بيرنييه وتافيرنييه في نهاية القرن السابع عشر، نجدهم يتحدثون عن هذه الحقيقة: لم يعد هناك ما من مدارس، ولا مؤسسات والسكان كانوا فقط حشد أقنان يسيطر عليهم بعض الأسياد. لحسن الحظ، أن الإنكليز وصلوا وكانوا فاتحين عطوفين جدا بعد ما عرفته الهند من المجتاحين المسلمين. اعتناق الإسلام كان يتطلب من الهنود أن ينكروا أصولهم، ماضيهم، ثقافتهم. ذلك ومن دون شك أعنف من النظام الكولونيالي! أرأيتم إن عداوتي ليست حقدا داخليّا ضد الإسلام إن لديها أسبابها التاريخية العميقة و البعيدة.

لنأخذ مثل إيران. لقد تأسلمت منذ 1500 سنة، وقد أبدعت إ سلاما خاصا بها، وهو يشكل جزءا من هوية البلاد هناك. كيف بإمكانك إذا أن تستمر في الحديث عن الإسلام بصفته غرزة غريبة؟ 
- لأن الإيرانيين لا زالوا يقولون هذا ! لو كنت إيرانيا ولديّ خلفي هذا التاريخ الفارسي الكبير، لو كان باستطاعتي أن أقرأه عند هيرودوت وكل الكتّاب الرومانيين، لكنت فخورا بماضيّ هذا. لكن ديانتهم قالت لهم أنه لم يكن هناك أي ماض قبل الإسلام. لقد أداروا ظهرهم لتاريخهم. عندما يرفض الإنسان نفسه بهذا الشكل، فانه يصبح عصابيا. لا نستطيع أن نرفض ما نحن عليه و لا من أين جئنا. 

هل هذا ما كاد يحدث لك؟ 
- أبدا، كلا. كنت دائما قوميا هنديا. منذ كتاب “وهم الظلمات” كتبت عن حركات الاستقلال الهندي.

الهندية أم الهندوسية؟ 
- انهما أمران لا يتجزءان بالنسبة إليّ، حتى وإن كنت شخصا غير متديّن. 

تعيش في ريف منطقة ويلتشاير، قرب لندن، هل تشعر حقا أنك في بلادك، هنا؟
- كان الأمر مجرد صدفة بحتة. لو لم أكتشف هذا الوادي منذ 13 عاما، لغادرت فعلا إنكلترا. لم أكن أملك أي فكرة عن المكان الذي أرغب في الاستقرار فيه، مع العلم أنني تهيأت للرحيل، للسفر ... ضجرت من إنكلترا، من الحياة السقيمة التي نحن محكومين بها عندما لا نملك مالا كثيرا. لم أكن أملك المال في تلك الفترة، كذلك لم يكن عندي ما يجعلني أسافر. في ذلك الوقت، وعبر صديق، وجدت منزلا صغيرا للإيجار هنا، وقعت في حب هذا الوادي فاشتريت هذا البيت وبقيت. 

الجنون الغاضب 
وصلت إلى إنكلترا العام 1950 مع الرغبة لا في أن تصبح كاتبا فقط وإنما أن تعيش من قلمك. ما الذي أعطاك هذا اليقين ؟ 
- الجنون الغاضب! لم أفكر في شيء بحياتي سوى أن أصبح كاتبا. أحيانا و حين كنت في الهند، كنت أذهب إلى قارئات المستقبل، أصل إليهن و عندي ثلاثة أسئلة، ثلاث كآبات في حياتي. هل سأجد الحب الجنسي؟ في ذلك العمر، هذا ما حدث لي. هل سيكون لي منزل؟ هل سأكتب شيئا؟ كنت مهووسا بذلك. 
ربما لو كنت غنيا، لما أصبحت كاتبا. انه مشروع بلا معنى حقا أن يجلس المرء خلف طاولة ويكتب شيئا. لم يكن عندي أمثلة تشكل مرجعا ومادة انطلاق كي أكتب: حياتي العائلية، الإطار الكولونيالي، أصولي... لو كان لديّ خيار في درب أسهل، لو أن حياتي كلها، بما فيها حياتي المادية، كانت حياة مستقلة، لتخليّت عن ذلك بسرعة. لكن ما إن أبحرت في هذا المركب،حتى توجب عليّ أن أكون كاتبا، لم أكن أستطيع أن أقوم بشيء آخر. 

كنت تقريبا في الثلاثين من عمرك حين وطأت الهند للمرة الأولى. أن تكون كبرت في ترينيداد، ألم يخفّف هذا من علاقتك بجذورك القديمة ؟ 
- لا، لأن ترينيداد لم تكن سوى نبتة، نوع من المختبر الاجتماعي البريطاني. لم تكن بلدا، كانت فقط جزءا هدمّه العالم الجديد. وعيت ذلك دائما. 

ما هو اليوم فضاؤك الديني؟ أنت غير المؤمن الذي أمضيت زمنا طويلا في مساءلة إيمان الآخرين. 
- إن الطريقة التي بحث عبرها البشر عن تفسير لوجودهم في الأرض كانت مثيرة للاهتمام! ما يثير شغفي، بخاصة، هو الديانات البدائية، المعتقدات الإفريقية، الديانات الرومانية، التي عشقت اكتشافها عند “فيرجيل” و”تاسيت” ... لا أستطيع أن أتجاهل أن هناك شيئا خارج الإنسان. لا أملك حسا دينيا، و لكنني أملك حس التاريخ، الذي ربما هو نوع من دين، لأن التاريخ يجعلنا نرسوا حقا في العالم. 

في الواقع، أنت لا تحب ديانات الوحي التي تملك طموحا كونيا. إن الأشكال الدينية هي، بالنسبة إليك، مرتبطة جوهريا بتاريخ كل شعب. إنها نظرة جوهرية جدا للتاريخ ... 
- هناك ديانتا وحي، الإسلام والمسيحية. لا أتكلم عن اليهودية التي لم تجتح العالم مثل المسيحية و الإسلام. إن اللاهوت المسيحي معتم. علم أيقوناتها علم مرعب، العذاب الأبدي، الموت والجثث في كل مكان. لست بعيدا عن نظرية ادوارد جيبون (1737 1794 ) ، مؤرخ الامبراطورية الرومانية: لقد كانت المسيحية كارثة ظلامية، إستفادت من انهيار روما كي تتمركز. لحسن الحظ، ان العرب المسلمين، في ذلك الوقت، قد حافظوا على معرفة الكتاب الكلاسيكيين، الإغريق والرومان، الذين عدنا واكتشفناهم بفضلهم في العصر الوسيط، وهم الذين غذّوا حضارتنا فيما بعد. لكن، ومن بعد ذلك، مات الإسلام! ما من حضارة كبيرة خرجت من البلدان المتأسلمة، لا من باكستان ولا من أفغانستان و لا من ماليزيا ولا من الفليبين ... 
ومع ذلك فان هاتين الديانتين قد أورثتانا فكرة أسست لعالمنا لا نستطيع التخلي عنها : انها فكرة الأخوّة و العدالة بين البشر، وبأن كل البشر من دون استثناء صالحون. كانت تلك فكرة جديدة، لم توجد مطلقا لا في العالم الكلاسيكي ولا عند البوذيين ولا عند الهندوس. 

الروح الإنسانية 
في كتابك “حتى أقصى الإيمان” تروي كيف كنت في مدرسة قرآنية في أندونيسيا فتصف تلميذا مستغرقا في الخضوع. يقول لك معلمه، بفخر كبير، بأن هذا التلميذ يحفظ نصف القرآن غيبا وتجيب، أنت، بنبرة ساخرة قاسية: “النصف فقط؟ هذا لا يكفي!” يبدو وكأن رؤية رجل منحن فقط تعطيك الرغبة في القتل ... في قتله هو وليس قتل الذي يضطهده! 
- حفظ القرآن غيبا هو أساس تربية “الطالبان”! ثمة ما يدفع الى الجنون في هذا الأمر، ليس في ذلك أي نظام ثقافي، بل هناك إزهاق للروح الانسانية! ما من شخص يحب الخضوع، بخاصة عندما يصبح هذا الأمر ذلا وعبودية. بالنسبة اليّ يعني هذا الأمر ان المرء يرفض الاحتمالات الإنسانية الكامنة فيه. إنه موقف معاد للإنسانية! كنت دائما مندهشا من أن الناس يقولون عني أنني فظ. لقد وصفت فقط البديهيات التي شاهدتها. 

ربما سببت بالصدمة لأنك تكلمت بغير رحمة عن المستعمرين السابقين. هل لديك التصلب ذاته تجاه الإنكليز ؟ 
- شرح تاريخ ضعفاء هذا العالم يبدو دائما شرحا قاسيا ان قلنا الحقيقة، لأنه في ذلك علينا أن نظهر كيف أن أولئك الذين لم يكن عندهم ماض مجيد يلجأون الى المتخيل، يغضون الطرف عن أنفسهم، يجملون حيواتهم وأصولهم لأنهم يخجلون من ذلك. لا أعتقد أنه من الفظاظة أن ننظر مباشرة إلى واقع جوهري. إن الطريقة الأخرى في الاقتراب من المسألة ستدفعنا إلى القول: أليسوا رائعين؟ لكن ما ستكون عليه قيمة ذلك ؟ أنني أكرم مني شرح عدم قدرتهم على رفع رؤوسهم في أن أشجعهم على التشكي. على الأقل، يستطيعون أن يتساءلوا حول أنفسهم. 

ثمة سوء فهم بخصوصك اذا؟ 
- سأقول لك من أين يتأتى سوء الفهم: إنهم لا يقرأون كتبي.انهم ينقرون شيئا او إثنين من على الإنترنت أو يبتلعون المحاضرات في الجامعة. الذي يقرأني سيجد في كتبي، على العكس من ذلك، الكثير من التعاطف و التفهم. 

هل الغضب، الذي هو سمّة عامة من سمات طباعك، قد ساعدك في إيجاد درب لهذا التفاهم؟ 
- كنت غضوبا، هذا صحيح، لكن العواطف العنيفة هي قضية حميمة؛ علينا أن نمحصها، أن نسيطر عليها، أن نفهمها قبل كتابتها. لا نستطيع أن نكتب عن الغضب بلا غضب. لا نفع في ذلك. لا أعتقد أنني كتبت يوما بغضب. بقسوة، أحيانا، ولكن برأفة ، غالبا. 

لمن نكتب 
هل تعرف اليوم لمن تكتب؟ 
- في البداية كنت أكتب لصديق أم لصديقين، من أجل زوجتي. لكنني الآن أكتب، بخاصة، للأجيال الجديدة في الهند، من أجل الذين في إفريقيا، يرغبون في مواجهة الأمور . 
لم أكتب شيئا عن روسيا، عن الصين أو عن أوروبا. كتبت عن مناطق، مناطق الظلمات الصغيرة التي كانت تحوط بي حين كنت شابا: الهند، إفريقيا، أميركا الجنوبية، كانت ترينيداد جزءا من اميركا اللاتينية، الأمبراطورية البريطانية، انكلترا عينها. نعم كتبت عن نفسي، بيد ان الكاتب يكتب دائما عن نفسه. كان الدرب طويلا وشاقا. اليوم، أكتب لكل الذين توجد حولهم مناطق معتمة. انهم موجودون في كل البلدان. 

أي خيط يربط بين كتبك الخمسة والعشرين، بين الروايات و كتب الرحلات، التي تقود القارئ الى أربع قارات؟
- لا تروي هذه الكتب الاّ بحثا واحدا: بحث كاتب، أمتلك كتابا بعد كتاب، أفكارا ليشرح العالم. لهذا السبب وحين أسأل أي كتبي أفضل لا أعرف كيف أجيب. كل كتبي مهمة بالنسبة إليّ. إنها تمثل جزءا من محاولتي لأن أملأ الفراغ الذي شاهدته حين بدأت الرحلة. 
انني نتيجة كتبي، و كتبي تتعلق ببعضها البعض، الواحد بالآخر. ولدت من بعضها البعض. أي كتاب من كتبي يتضمن هذه الخليّة التي ولدت من كل الخلايا السابقة. 

ما هي حصة السيرة الذاتية في كتاباتك ؟
- لنأخذ رواية شخصية جدا مثل “لغز الوصول” التي تتحدث عن المؤسسة في إنكلترا عبر كاتب متطلع يصل من الكاراييبي. لقد كتب هذا الكتاب بشكل تلقائي. إن محيط السرد هو سيري ذاتي، و لكنه ليس سيرة ذاتية متكاملة للكاتب. سيرة لا علاقة بها لا بحياته العاطفية ولا بحياته المهنية. انها تعالج اندفاعات الروائي، بالطريقة التي يعالج فيها حساباته مع نفسه، أي بين نفسه و باقي العالم. بهذا المعنى أنا كاتب تلقائي. 

يعتبر العديد من القراء ان تنقلك بين الرواية والسيرة الذاتية قد حدد نوعا أدبيا جديدا.
- سأشرح كيف أحدد الأشياء. عندما نقرأ سومرست موم (1874 1965) نجده حاضرا بشكل رهيب في كتبه، نتكهن بوجوده كما أراد أن يقدمه: طفولة في باريس، دراسات في الطب، رحلات، كتابة مسرحيات، الخ... ثمة مرجع يعود إليه موم بشكل دائم: حيواته، مشكلا، في كل كتبه، هذه النظرة التي هي نظرة الراوي والتي هي أيضا نظرة موم. حين نقرأه نكتشف ذلك . 
هذا ما يحدث للرواية: لا يرغب القراء في قراءة قصة مستنبطة بشكل كامل. انهم يبحثون عن مثال، عن الأصل. يريدون أن يكون المكتوب مرتبطا بواقعة حقيقية. 

يصبح القارئ عندها أقل سذاجة. 
- ليس ساذجا إلى هذا الحد. شخصيات روايتي الأولى التي تدور في “بورت أوف سباين” كانت كلها مستنبطة. لكن حين رسمت حدود العالم الذي كبرت فيه، بدأت بالسفر، كان عليّ أن أندمج في كتابتي مثلما فعل ذلك سومرست موم. فعلت ذلك للمرة الأولى بشكل واع في كتاب “في حالة حرة”(حائز جائزة بوكر العام 1971) 
الذي تدور أحداثه، في جزء كبير منها، في افريقيا. وكما أننا لا نعرف كاتبا هنديا كتب عن افريقيا، تراءى لي انه من المستحيل أن أكتب عنها بصيغة “هو”. كان عليّ أن أحدد اولا من أنا وقد قمت بذلك عبر استهلال على شكل يوميات حميمة حيث يزور أحد الهنود القاهرة. لقد شرحت في ذلك ما كان عليه وضعي، من كنت. 

شفافية اللغة 
خلال أربعة عقود لم تتغير كتابتك كثيرا 
- في كتبي الأولى كنت متمرنا. مِلت الى عدم كتابة جمل طويلة جدا. كنت أتدرب. ما إن أصبحت كاتبا باعتقادي وهذا ما حدث خلال كتابة “منزل للسيد بيسواس” حتى بدأت بالتفتح. في هذا الكتاب الرابع، بدأت بالتمدد، بكتابة جمل طويلة. بيد أن اللغة بقيت على حالها، شفافة. 

هل تكتب كل يوم ؟ 
- حين أعمل على كتاب فأنا لا أقوم بأي شيء آخر معه. أعيش معه باستمرار. لا أسعى إلى أن أكون متفردا بأي ثمن. أحاول أن أكون ملائما لمحتوى الكتاب. أكتب ما يقارب ال 200 كلمة كل يوم، نصف صفحة. أكتب على مهل، لكن الكتابة تصبح سريعة إذ تنطلق حين أملك رؤية واضحة جدا. 

في بحثك الشهير عن جوزف كونراد (1857 1924) قمت بصنع مثال نهائي عن “إخلاصه المتشكك لحقيقة مشاعره”. 
- أفكر كثيرا بكونراد. بخاصة بما كتبه عن ماليزيا وجزر أندونيسيا. لقد أخذ الامر بجدية. انه مجهود خارق من التعاطف، فماليزيا بعيدة جدا عنا، الا أنه أجاد الكلام. ج.ويلزا، يعتبر كونراد كاتبا بطيئا ومملا. بيد ان كونراد كان يكتب الأشياء بشكل أعمق من ويلز في مجال الخيال العلمي. وكان مخلصا لأحاسيسه. لو أغلقنا عيوننا و قرأنا “جنون ألماير” لسمعنا وشاهدنا كل شيء. لرأينا النهر و لسمعناه يهمهم بين جذوع الأشجار. انه كاتب ساحر. أتعرفون هذا المقطع الذي يشرح فيه كونراد اندهاشه بالارستقراطيين حين كان في كامبردج. قال إن أفضل من يستطيع الانتباه لذلك هو فلوبير في فظاظته المرعبة ... 

هل تقرأ بالفرنسية؟ 
- أجل. آخر ما قرأته في السنة المنصرمة كتاب “الإعترافات” “لروسو”. الجزء الأول مدهش. ما يقوله روسو عن الكتابة يشعر به جميع الكتاب. تتطلب الكتابة وقتا طويلا. حين قيل لروسو : أكتب لنا كتبا أقصر، أخف، أجاب أن ذلك يتطلب ذات الوقت الذي تتطلبه كتابة الكتب العميقة. 

هل تقرأ لغات أخرى؟ 
- الاسبانية، قرأت هذه السنة كتاب سرفانتس “النسخ الجديدة”. ما أثمنه هو هذه اللغة الاسبانية العائدة للقرن السادس عشر، انها لغة تملك عضلات. يؤكد خورخي بورخيس ( 1899 1986) انها لغة ترهلت فيما بعد. 

لديك الكثير من الحماسة للهند لدرجة نشعر معها انك مستعد لكتابة كتاب رحلات رابع؟
- كلا. أشعر بأنني انتهيت من شيء ما. اذا عرضوا علي ذلك فان متعة الرفض ستكون أكبر من متعة القبول. كتابي الأول، وهو كتاب شخصي جدا، كتب في العام 1962، لقد اكتشفت فيه بلاد الأجداد. التالي كان العام 1975 وكنت أحلل فيه البلد. الكتاب الثالث الذي جاء في العام 1988 هو الذي سبب لي الكثير من المتعة والرضا. كان يبدع رؤية آنية للثقافة، للحضارة، عبر تجارب العديد من الأشخاص في مختلف أرجاء البلاد. لقد تابعت حيوات كانت كل واحدة منها تشكل عصيانا شخصيا، مثلما أظهرت ذلك. 

تقول عنك وسائل الاعلام انك على مقربة من نوع من الأصولية الهندوسية؟ 
- أعرف انهم يلصقون بي هذه الأفكار! لكن الحديث عن أصولية هندوسية معناه اننا نستعمل تعابير متناقضة، إذ انه شيء غير موجود. ليست الهندوسية هذا النوع من الدين. كما تعرفون ما من قوانين في الهندوسية. ان اهتمامي بهذه الحركات الشعبية يعود الى الفخر الذي تسببه للناس المنضوين تحتها في بلد عانى لمدة خمس او ست قرون من الحكم العنيف للمجتاحين المسلمين. هذه الشعوب، و بخاصة الفلاحين، سحقوا كثيرا لدرجة ان أي حركة تتسبب لهم بفخر ما. اليساريون الذين يقولون بأن هؤلاء الفقراء هم فاشيون، على خطأ. من العبث قول ذلك. اعتقد انهم يطالبون فقط بهويتهم الخاصة. لا نستطيع ان نتحدث عنهم ونحن نستعمل تعابير أوروبية. 

الإنسانية 
قلت سابقا بأن لا رأي لديك. وما كان ينادي به فلوبير التالي : على الكاتب أن لا يحكم. 
- هذا صحيح. ليس عندي أي موقف او اعتقاد ديني. ولا أي واحد. ليس عندي أي مثال سياسي. لدي عواطف، ردود فعل، مشاعر عميقة للإنسانية. وأعتقد أن هذا يكفي بالتأكيد. أشعر بألم لسماع الأفكار السياسية لشخص ما، وهذا يشبه تقريبا علم اللاهوت، وهو أمر صعب عليّ جدا. 

لحسن الحظ ستبقى بعض كتبك. بحيازتك جائزة نوبل المائة، لا بد انك طرحت السؤال عما اذا كانت بعض كتبك ­ وبعيدا عن التكريس ­ ستعرف المصير ذاته. 
- أتمنى أن يبقى شيء ما لأنني وضعت فيها الكثير مني. إن بقي كتاب أو اثنان سأكون سعيدا. انها شهادة أحدهم. فكرة الشهادة تلائمني. بعض كتبي لا زالت تعيش منذ أربعين سنة. أظن أنها البداية فقط. لدي شعور غريب : أتخيل قارئا يقرأها بعد عشرين سنة. حين تكون تناقضات اليوم قد عبرت، لا بد أن يجد فيها القارئ شيئا ما. أكتب عبر هذه الفكرة. بيد أن لا أحد يملك الوسائل لمعرفة ما إن كان أي كتاب سيستمر ويدوم. 

من هم الكتاب الذين يرافقونك اليوم، ما عدا كونراد و موم و فلوبير؟ 
- غوغول إنه كاتب البدايات الذي يعطي الانطباع الأول عن روسيا، الذي يعرض لحياة البشر، للبطالة. بعد هذا التوصيف، لاشيء آخر لنضيفه. لقد حقق رحلته ككاتب، قام بكل شيء. هناك بلزاك أيضا. لقد أبدع بلزاك للمرة الأولى مجتمعا حوله. و مع ذلك لقد أصبت بصدمة صغيرة منذ مدة حين أعدت قراءة “جلد الحمار”. كنت شعرت بعاطفة جياشة حين قرأته منذ 72 عاما. حاولت إعادة قراءته وبدا لي أن بلزاك يحاول كتابته مجددا. كنت أراه حقا. لم يعد هناك من سحر. عليّ أن أعيد قراءة “الأوهام المفقودة”. أظن أن السحر لا يزال حاضرا. هناك أيضا ستاندال، إنه كاتب غريب، فلوبير معلم في الترية العاطفية. موباسان أيضا كاتب كبير ، حتى وإن كانت رواياته طويلة نسبيا. 

لو استعرنا عبارتك، للقول، هل تظن انك أنت أيضا قد أنهيت رحلتك؟ 
- لا أريد أن أبدو بطلا، و لكنني أعتقد، بلى، قد أنهيت هذه الرحلة. كل ما أفعله اليوم، هو عمل إضافي. إنني أردم الفجوات.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic