كل شيء على حاله هنا، لكن ما الذي يجعله يبدو مختلفاً؟
رحلة إلى “أميركا ما بعد 11 أيلول”

السفير (الإثنين، 7 كانون ثاني / يناير 2002)

هنادي سلمان

قبل 11 أيلول

بعد 11 أيلول

... في المقهى البيروتي، ترحل الصديقة الاميركية بعينيها بعيداً لبرهة ثم تقول “ربما امكنك ايضا ان تشرحي من هناك عن الشعب الاميركي، ربما أمكنك أن تنقلي مدى بعده عن كل ما يجري في العالم. لن أقول سذاجته، وهو التعبير المستخدم دوماً، لأنه ليس شعبا ساذجا، بل إن اهتماماته مختلفة”. 

**********

... الطائرة تخرق ظلام ليل يفصل الولايات المتحدة عن “العالم القديم”، وأنا في مقعدي الضيق أكرر لنفسي للمرة الألف أنه يجب أن أكون مستعدة لإجرأت أمنية مشددة في المطار لا تتطلب إلا بعض الصبر، وأنه يجب ألا أتذمر لأن الأمر لن يطول. ثم أتذكر رحلة مماثلة، كانت قبل نحو عشرة أعوام مضت، نحو البلد ذاته. كنت في تلك المرة اتساءل عما اذا كانت زيارتي لدولة تستعد لضرب العراق لا تعد ضربا من ضروب الخيانة. ثم اكتشفت لدى وصولي وخروجي من المدينة الكبرى كم أن شعب الولايات المتحدة يكاد لا يشبه دولته في شيء. 

لدى وصولي، أحمل جوازي اللبناني وأنا أتوقع الأسوأ، لكن خروجي من المطار لن يستغرق أكثر من دقائق. هي اميركا هكذا، تفاجئك دوماً. 

**********

... في السيارة التي تقلنا الى قلب العاصمة الاميركية، يكاد صديقي العزيز لا يتوقف عن الكلام “لقد هدأت الامور كثيرا الآن، كان يجب أن تأتي في أيلول أو في تشرين الأول، جنون، هلع وحالة من عدم التصديق. عرب كثيرون اختبأوا في بيوتهم لمدة أسبوع على الأقل، لكن الحوادث بقيت محدودة، وكلام الرئيس (جورج بوش) عن الإسلام وعن كونه دين تسامح ومحبة نجح في تهدئة النفوس وفي الحد من حجم الضرر. لكن ما حدث لا يصدق، الحمد لله أن أياً من الخاطفين لم يكن يحمل الجنسية الاميركية لأن ذلك كان سيكون بمثابة ضربة قاضية للجالية هنا، وهي بغالبيتها من المسيحيين.. كما تعرفين. لقد أمضينا سنوات طويلة نحاول فيها كسب مكانة لنا في هذا المجتمع، ونحاول محو صورة مشوهة عنا ولهذا البلد افضال علينا، وإن كنا لم ننس اصولنا الا اننا في الوقت نفسه اميركيون، أميركيون مثل كل الآخرين. أميركيون عرب في اميركا ما بعد 11 ايلول”. 

**********

Never, again", "We will never forget", "United we stand, 
divided we fall", "God Bless America". 

“لن يتكرر ذلك يوما”، “لن ننسى أبدا”، “متحدون نقف ومنقسمون نسقط”، “اللهم بارك اميركا”. 

شعارات منتشرة في كل مكان، شعارات وأعلام، أعلام عملاقة على نوافذ المباني الشاهقة وفي المكاتب، وأخرى ترفرف أمام أبواب المنازل أو من نوافذ السيارات، كل المنازل وكل السيارات. 

ربطات عنق تحمل ألوان العلم، دبابيس نسائية بالألوان الثلاثة، ثياب معروضة في واجهات المحلات على شكل الخطوط والنجوم، شجرة الميلاد الضخمة في مركز روكفيلر في نيويورك لا يضيئها إلا الأبيض والأحمر والأزرق. شبان في صف انتظار في أحد محال بيع التسجيلات الموسيقية يخبرون كاميرات التلفزيون كيف كانوا يسخرون من أهاليهم ومن تعلقهم بالأغنيات الوطنية وكيف أنهم باتوا اليوم يفهمون قيمتها ولا يحبون سماع سواها. 

كان الأميركيون دوماً شديدي التعلق ببلادهم وبرموزها، فما بالك اليوم وهم يشعرون بأنهم مستهدفون لمجرد كونهم ما هم عليه، أميركيون لهم قيم وقوانين “استغلها الآخر” ليوجه إليهم ضربة ما زال كثيرون لا يصدقون انها ممكنة. 

كأنما الأميركيون يتخبطون بين الاحساس بالفخر بالانتماء لدولة تحب أن تعرف بأنها الدولة الأكثر تسامحا في العالم، وبين الإحساس بالمهانة لكون بلادهم، الأقوى في العالم، قد تعرضت لهجوم طال رموزها ما يستوجب ردا بحجم الدور المفترض ويضمن أن ما حدث “لن يتكرر بعد اليوم”. 

يعيشون تناقضات مذهلة، فتراهم يوما يعتبرون في استطلاع للرأي أن نظرتهم للإسلام باتت أكثر ايجابية اليوم مما كانت عليه قبل 11 أيلول، ثم تجدهم في يوم آخر يعبّرون عن تأييدهم شبه المطلق للإجراءات الأمنية المشددة التي تطبقها وزارة العدل والتي تستهدف أساساً العرب والمسلمين في البلاد. 

يواجهون أسئلة لم يخبروا مثلها من قبل، لكن أكثر ما يثير الحيرة في نفوس عدد كبير منهم هو “لماذا يكرهوننا؟”. 

ببطء، عادت أقنية التلفزة لعرض برامج “عادية”، لكن الأولوية ما زالت للأخبار المتعلقة ب”الحدث”. أما ما يجري في كل أصقاع الأرض، فيمر مرور الكرام خلال النشرة من دون أن يستوقف أحدا. 

ببطء، استعادت المحال التجارية بعض زبائنها، بعد فترة من الجمود والترقب. ببطء أكبر استعادت شركات الطيران مسافريها والفنادق نزلاءها، ببطء استعادت الحياة بعض معالمها، وانتشرت زينة الأعياد، لكن كان لها طعم آخر هذا العام، وجاء الطقس الدافئ نسبيا على غير عادة، ليزيد الأمر غرابة: هناك ألفة ما مفتقدة. 

شيء واحد يبدو أنه لن يتغير: ليس من المسموح لأحد، كائنا من كان، بأن يتناول اعتداءات 11 ايلول بخفة، ليس من الوارد إطلاق أي دعابة بشأنها، لن يكون هناك ما يقف دون التأكد من منع تكرارها. هو جرح ما زال ينزف، ولا يبدو أنه سيندمل قريبا، لذلك ليس من المجدي بعد السعي لعقلنة ما حدث أو إثارة تساؤلات حول طبيعة الإجراءات المتخذة أو فاعليتها وصولا الى تأثيرها على مستقبل البلاد. 

لا مكان لمعارضة المزاج العام، لا مجال لمعارضة السائد، والسائد هو الرغبة في الانتقام. بخجل، ينظم المسالمون المعارضون للحرب تجمعاتهم التي لا تكاد تسترعي انتباه أحد. بغضب، يواجَه الصحافيون الذين يجرؤون على تحدي المزاج العام (وهم في غالبيتهم من الصحافة المكتوبة) وطرح اسئلة جدية حول حقيقة ما يجري في البلاد من قوننة للإجراءات التعسفية وحول الاخطاء التي ترتكبها الادارة بدءاً من تحويل الانتباه عن مسؤولية المؤسسات الامنية في الفشل في منع ما حدث، وصولا الى اهمال الاقتصاد المتردي على حساب الحرب الحالية. أما معارضو السائد الآخرون، الذين لا يملكون حصانة الصحافيين، فيتعرضون للتخوين إذا لم يختاروا التزام الصمت. 

أميركي أبيض هو ذلك المحامي الذي يكاد يجد نفسه منبوذا لأنه يشكك في إجراءات حكومته من اعتقالات ومقابلات وتحقيقات مع العرب والمسلمين في الولايات المتحدة، معتبرا أن معظمها ليس له أي قيمة معلوماتية وان هدفه الوحيد هو ترك الانطباع بأن الدولة تقوم بما عليها القيام به. وأميركي أبيض هو أيضا الباحث الشاب الذي ينفعل وهو يقول “لقد استغلوا تعلقنا بالحريات وبتسامحنا ليمارسوا إرهابهم. إجراءاتنا لا تستهدف المواطنين (أي حاملي الجنسية الاميركية)، ثم إنها مؤقتة ومن ليس لديه ما يخبئه، فليس لديه ما يخشاه”. 

عربي أميركي هو المحامي الذي يكاد لا يصدق كيف أصبح استهداف ابناء جنسه قانوناً، وعربي أميركي هو التاجر الذي يداعب سبحته وهو يقول “هم لا يستهدفون الا من خالف القانون. هؤلاء يأتون على أساس انهم طلاب ثم يتجاوزون المدد التي تسمح بها تأشيراتهم فيشوّهون سمعتنا جميعا”، وعربي أميركي هو الشاب الجامعي الذي يبتسم بسخرية وهو يتساءل “ما الذي تغيّر الآن؟ لا شيء. كنت أخضع للتمييز بسب لوني الفاضح لانتمائي قبل 11 ايلول، وما زلت أخضع للتمييز ذاته بعد 11 أيلول. لا، ربما وجدت عددا أكبر من المتعاطفين معي بعد 11 أيلول، لأن استهدافي صار الآن شرعيا”. 

أميركي أسود هو سائق سيارة الاجرة الذي يعتبر أن كل ما يحدث هو ضروري لحماية أميركا من الارهابيين، وأميركية سوداء هي المعلقة الصحافية التي تقهقه عاليا وهي تقول “تمييز؟ الآن اكتشفتم أن هناك تمييزا عرقيا في أميركا؟ أكان ما نتعرض له خافيا عليكم؟ على كل، تذوّقوا بعض ما تذوقناه وحاولوا أن تخوضوا معركتكم كما خضناها نحن. لن نخوضها عنكم هذه المرة، عليكم أن تطلقوها انتم وسننضم إليكم في منتصف الطريق فقط”. 

**********

من واشنطن الى نيويورك ثم الى ديترويت، تتنوع الصورة وتختلف الأمزجة والروايات. والرحلات الداخلية في الولايات المتحدة بعد 11 ايلول ليست أمرا “ظريفا”. فبعد تفتيش الحقائب التي سترسل على متن الطائرات، (إما يدويا او عير آلات الاشعة وذلك بحسب حجم المطار وأهميته) يفتَّش المسافر وما يحمل معه من متاع مرتين على الاقل. المرة الاولى لدى التوجه الى بوابات الطائرات التي بات تجاوزها محظورا على غير المسافرين. وهناك، تأتي الصدمة الأولى: جنود في الجيش الأميركي، ببنادقهم وبزاتهم، يقفون الى جانب موظفي الأمن، في مشهد غير مألوف على الاطلاق. والارتباك يبدو واضحا على الموظفين الذين لم يعتادوا تنفيذ الاجراءات الجديدة بعد، يتلقون أوامرهم من عملاء فدراليين باتوا مكلفين حماية امن المطارات. 

تمر حقائب اليد عبر آلات الاشعة، كما السترات التي يتعين على الجميع خلعها قبل تجاوز الجهاز المخصص للمسافرين، ثم يُفتَّش الجميع بشكل فردي بواسطة الآلة اليدوية الكاشفة للمعادن، وقد يطلب من البعض فتح حقائبهم الشخصية لتفقدها. 

“رحلة العذاب التالية” تبدأ قبل الصعود الى الطائرة. “لقد تم اختيارك عشوائيا للتفتيش الرجاء التنحي جانبا والتوجه نحو الطاولة المخصصة لذلك”. والاختيار العشوائي ليس عشوائيا جدا، فهو يشمل السمر كلهم، ولكنه يطال ايضا مسنين من البيض وشقراوات لا يمكن أن يثرن ريبة أحد. 

تقف الصبية الهندية تنتظر دورها للتفتيش. تبدو خجولة ومرتبكة بعض الشيء. ليس هناك سوى موظف واحد مكلف بمهمة تفتيش نحو عشرة مسافرين اختيروا عشوائيا. تصبح أمامه فيمرر آلته على جسدها، ومعالم وجهه جامدة لا تتغير. تطلق الآلة صفرة عندما تصل الى وسط الفتاة فيطلب منها ان ترفع سترتها ليكتشف أن عقدة حزامها معدنية. “من فضلك، فكي حزامك” فتنظر إليه الصبية غير مصدقة “عفوا؟” فيكرر “من فضلك فكي حزامك” تلتفت حولها كما لو أنها تريد الاستعانة بالموجودين، فتجد من خلفها يقف متذمرا في انتظار دوره فيما غيره لا يبالي. بحياء شديد تفك الحزام. “هل استطيع ان ألمس بطنك؟”، تغزو الحمرة وجه الفتاة “تلمس.. بطني؟” فيكرر كأنه آلة تسجيل “هل استطيع ان ألمس بطنك؟” تفغر فاها من الدهشة، ثم تكتشف انه ليس أمامها سوى الاستجابة. لا تنظر حولها هذه المرة، تطرق وتدعه يمرر يده “المحترفة” على بطنها. “استديري من فضلك”، تذعن فتكتشف أن الأعين كلها مصوبة نحوها. تزداد حمرة وجهها وتخفض عينيها كأنها لا تريد أن ترى احدا ويداها مرفوعتان الى الأعلى فيما الآلة اللعينة تمر على ظهرها ثم تطلق صفرتها مرة أخرى. “أهي حمالتك سيدتي؟”، هذه المرة تلتفت نحوه بغضب فيكرر كأنه آلة، من دون أن يتغير أي من تعابير وجهه، “أهي حمالتك سيدتي؟”. “نعم” خجولة تصدر عن الفتاة المسكينة التي ما أن ينتهي “تعذيبها” حتى تهرول نحو الطائرة وتختفي... 

**********

هناك مسحة من الحزن غير المرئية تطفو في الجو. كل شيء على حاله هنا، لكن ما الذي يجعله يبدو مختلفا؟ 

الزحمة عادت الى شوارع نيويورك، والمشاة يتوقفون أمام واجهات المحال التجارية الكبرى التي تتنافس كل عام في عرض زينة العيد. الاطفال يفغرون افواههم أمام الدمى المتحركة في الواجهات والامهات يبتسمن لدهشة ابنائهن وافتتانهم، لكن هناك شيئا ناقصا، شيئا يصعب وصفه ولكن لا يمكن تجاهل غيابه. 

في الجانب الآخر من المدينة، تختلف الصورة تماما. هنا حطام البرجين الذي سيتطلب شهورا لإزالته، هنا الشوارع القريبة من “الموقع” مغلقة في وجه المشاة . مسعفون وشاحنات ورجال شرطة وعمال حفريات وكهرباء يروحون ويجيئون كأنهم خلية نحل. الغبار ما زال يتصاعد من “الموقع” ويطال الشوارع المحيطة به. ما زال هناك الكثير من الزوار، يقتربون ما امكنهم من الموقع، ينظرون نحوه بأسى، وبعضهم بغضب، بعض السيدات المسنات يعجزن عن حبس دموعهن. يأتون مجموعات، يقتربون ما امكن، ينظرون نحو الموقع، يغيبون مع افكارهم. بعض من زار الموقع من قبل، يشرح لمن معه بحركات من يديه. لا تستمر الزيارة طويلا في الغالب، ولكنها تكاد تنتهي دوماً بهزة من الرأس إعراباً عن الاسى. 

في شارع ليبرتي، المشرف على الموقع عن علو، ثبتت السلطات ما يحجب المشهد عن المارة . الا ان الحجاب تحول الى ما يشبه جدارية تحمل رسوم اطفال الولايات الاخرى ورسائل تضامن من “دول صديقة”، ورسائل شخصية من اقارب الضحايا لأحبائهم الذين ماتوا ولم يدفنوا، ورسائل شكر لرجال الشرطة والإطفاء. دمى وزهور وصور شخصية وشموع وأعلام الدول التي سقط لها رعايا في 11 ايلول... ومارة يتوقفون، يقرأون نصوص الرسائل، يتمعنون في رسوم الاطفال. يهزون رؤوسهم بأسى. 

على الجانب الآخر من الرصيف، دراجة هوائية يعلوها الغبار، مثبتة بقفل الى عمود الإشارة الضوئية، وشال من الصوف مربوط بمقودها. وعلى المقعد، ألقيت باقات من الزهور، بعضها ذبل وبعضها الآخر ما زال نضرا. 

هي دراجة أحد السعاة، ثبتها عند الإشارة في صباح الحادي عشر من ايلول ومشى الى أحد البرجين ليوصل طلبية، ولم يعد. 

**********

هناك مسحة من الحزن غير المرئية تطفو في الجو. كل شيء على حاله هنا، لكن ما الذي يجعله يبدو مختلفا؟ 

شوارع جورجتاون ليست مزدحمة كما هي عادتها، وبعض عمال المطاعم يقفون على الرصيف أمام أبواب محالهم، يراقبون عددا من افراد الشرطة وهم يطوقون شابا يبدو مخمورا ويفتشونه في مشهد لا يسترعي انتباه الكثير من المارة. 

يقول بيتر “الحمد لله انهم عادوا لممارسة عملهم. بعد 911، كانوا مختفين، أوكلت اليهم مهام “كبرى”، فكانت فرصة ذهبية لمضاعفة نشاط تجار المخدرات، والقتلى المأجورين وسائر أنواع المجرمين، لا سيما في حنوبي المدينة، بشرقه وغربه”. 

وبيتر طالب في الجامعة الاميركية في واشنطن ويعمل نادلاً في جورجتاون بدوام جزئي “بقي المطعم خاويا من الزبائن فترة طويلة بعد الاعتداءات، لقد عادت الحركة تدريجاً الآن، ليست طبيعية تماما بعد، ولكن الامر لن يطول. هناك الأزمة الاقتصادية ايضا، ركود، الناس يفضلون توفير اموالهم”. 

والتوفير يبدأ بالاقتصاد في شراء هدايا العيد. وعلى الرغم من أن المراكز التجارية الكبرى ضاعفت من زينتها، في محاولة لجذب زبائن الاعياد الذين تأخروا عن موعدهم هذا العام. وعلى الرغم من أن بعض المحلات فيها تعج بالزبائن الا أن الغالبية لا تشتري أو تكتفي بالضروريات. 

أما قلب عاصمة الدولة العظمى الوحيدة فما زال يعج برواده. هنا المكاتب والوزارات والمؤسسات الدولية ومراكز الابحاث ومواكب المسؤولين والزوار الرسميين التي تنطلق ابواق سياراتها من حين لآخر لتؤمن عبورا آمنا لروادها في شوارع المدينة التي تعرضت مؤخرا لاعتداء. 

الأمن مضاعف حول المباني الحكومية، التي بات الدخول إليها مستحيلا من دون إشعار مسبق يتضمن اسم الزائر ورقم هويته وسبب زيارته بالاضافة الى كفالة الداعي. 

وفي مداخل المباني الكبرى، على الزوار تسجيل اسمائهم لدى حضورهم، بالاضافة الى هدف الزيارة ومكانها ووقتها، ومن ثم عليهم تسجيل وقت مغادتهم وهم يخرجون من المبنى. 

وحال الطلاب في الجامعات على ما هي عليه، باستثناء تضاعف الطلب على حضور الصفوف التي تقدم مواد عن الاسلام والعرب. ويشرح كريس توسنغ، رئيس تحرير شهرية “ميريب” ان “الاميركيين صاروا الآن أكثر رغبة في المعرفة، يريدون ان يفهموا ما يجري في العالم. لم يعد بإمكانهم تجاهل ما يجري خارج حدودهم لأن الامر بات يمسهم مباشرة”. 

أما مراكز الابحاث الكبرى فقد تضاعف عملها ومنشوراتها والدعوات التي يتلقاها الخبراء فيها لإجراء أحاديث صحافية. ومن المراكز الأكثر ولاءً لإسرائيل الى تلك التي أسّسها عرب أميركيون، لا قواسم مشتركة كثيرة ما عدا تلك الصورة، صورة لقبة مسجد الصخرة ومن خلفها القدس. 

**********

.. زائر اميركا ما بعد الحادي عشر من ايلول يحمل الكثير من الاسئلة الى جانب عدد كبير من الأفكار المسبقة. كم أثرت تلك الاعتداءات على الدولة الأقوى في القرن الحادي والعشرين، على سياستها الخارجية طبعا ولكن أساساً على مجتمعها وعلى العرب المقيمين فيها وعلى ميزتها الاساسية وهي الحساسية العالية ازاء كل ما يتعلق بالحريات وبالحقوق المدنية...؟ هل أحدث “11 ايلول” جرحا لا يندمل؟ وهل أحدث تحولا لا عودة عنه في نظرة البلاد الى نفسها والى علاقاتها مع الآخرين، كل الآخرين؟ 

هل انهار التعلق الكبير بالحقوق المدنية مع انهيار المبنيين العملاقين في نيويورك؟ هل العرب مضطهدون في اميركا؟ هل تغيرت علاقة البلاد بإسرائيل؟ هل سأجد اميركا أخرى؟ 

لم يكن من الممكن إيجاد إجابات عن الاسئلة كلها، أو حتى معظمها. ولم يكن من الممكن رصد التحولات كلها أو حتى معظم أوجهها. كان لا بد من التركيز على نقاط محددة والسعي لتجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات حولها. وكان لا بد من تحديد للأولويات بحسب ما يهم منطقتنا، فكانت محاولة لقراءة التحولات في السياسة الخارجية الأميركية ليس فقط في فترة ما بعد 11 ايلول ولكن أيضا في ظل إدارة جمهورية حديثة العهد نسبيا، كان رئيسها يفضل حتى الخريف الماضي عدم التعاطي بأي شأن خارجي فأوكل المهمة كاملة لوزير خارجيته كولن باول. 

وفي إطار السياسة الخارجية، كان لا بد من النظر في ما يعني لبنان في التحولات الاخيرة وتحديدا قضية حزب الله واستطرادا ارتباطها بكل من سوريا وإيران. وكانت ايضا محاولة للنظر في ما ينتظر العراق في “الحرب الاميركية ضد الارهاب “، ثم في ما اذا كانت علاقات واشنطن بكل من القاهرة والرياض باتت محكومة بأن تشهد تحولات جوهرية في طبيعتها. 

أما القضية الفلسطينية، فقد حالت المتغيرات السريعة والمأساوية على الأرض دون إمكانية بلورة صوة واضحة حول ما ينتظرها، فتم الاكتفاء بقراءة محدودة للطريقة التي تنظر فيها ادارة جورج بوش لقضية العرب المركزية. 

وزيارة نيويورك وموقع الحدث الذي يتوقع البعض أنه سيغير وجه العالم في مطلع القرن الحادي والعشرين كانت ضرورية ومعها محاولة لرسم ملامح بعض من اللبنانيين الثمانية الذين لقوا حتفهم في انهيار برجي مركز التجارة العالمي. 

ثم كان لا بد من الدخول الى عالم العرب الاميركيين، وهو عالم متشعب ومتعدد الأوجه والميول والاهتمامات، فمن ديربورن وشارع وارن “العربي” فيها الى نيويورك وواشنطن حيث المؤسسات العربية الاميركية الكبرى والطلاب “الناشطون”، تختلف الصورة وتزداد تعقيدا. وبين مغالٍ في إصراره على محدودية الحوادث التي تستهدف العرب وبين مبالغ في تأكيده على الكراهية التي تواجه ابناء جنسه، ينقسم العرب الاميركيون وتتنوع تجارب كل منهم في “اميركا ما بعد 11 ايلول”. 

أما القضية المرتبطة بذلك ارتباطا مباشرا فهي قضية الحريات المدنية. فبين الرعب الذي يعيشه الاميركيون والذي يبدو أن تأثيره لن يتبدد قريبا، وهو رعب يفرض تأييد إجراءات أمنية مشددة وإن كانت تمس روح الحرية الفردية المقدسة في البلاد، وبين تعلق الاميركيين بمبادئ دستورهم وفخرهم بما يؤمنه لهم من حقوق، تعيش الولايات المتحدة حالا من الفصام لم تخبرها من قبل، وإن كنت تجد من يؤكد أن الأقليات كانت دوما مضطهدة في البلاد وأن الاختلاف الوحيد اليوم هو أنه بات هناك غطاء شرعي للتجاوزات. 

والحريات المدنية عنوان واسع يضم قضايا كثيرة، من الصحافة والاعلام مرورا بالحرية الاكاديمية وصولا الى الاجراءات الأمنية الجديدة التي تبدأ في المطارات.. ولا تنتهي في المحاكم العسكرية.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic