بدأت مهمته بستة أشهر .. وتنتهي بـ 23 عاماً
تيمور غوكسيل أمام “عملية إبعاد” إلى.. أفغانستان؟

السفير (الإثنين، 7 كانون ثاني / يناير 2002)

ثناء عطوي

UNIFIL - Timor Goksel

الناطق بإسم القوات الدولية في جنوب لبنان تيمور غوكسيل

يعود الناطق باسم القوات الدولية في جنوب لبنان ومستشارها السياسي تيمور غوكسيل اليوم إلى مقر عمله في الناقورة، من إجازة قضاها في بلده تركيا، ليواجه قرارا بنقله من مقر عمله إلى مكان آخر (أفغانستان على الأرجح) بعد فترة طويلة قضاها في لبنان منذ العام 1979، بدأت بانتدابه لستة أشهر، وامتدت ثلاثة وعشرين عاما. 

ويعزو القسم الإداري في “اليونيفيل” هذا الانتقال الى إجراءات روتينية تطال جميع موظفي المنظمة الدولية كل فترة. لكن القرار بحسب مصادر لبنانية مطلعة يحمل في توقيته وحيثياته مضامين كثيرة تتجاوز الإجراءات الإدارية الروتينية، لعل أبرزها أن غوكسيل يحال إلى التقاعد بعد ثمانية عشر شهرا، ويبدو نقله في هذه المرحلة، وكأنه خطوة تأديبية، بعد ربع قرن من العمل في الأمم المتحدة، أثبت خلاله جدارته في مهمته، لدرجة أن تغيير أو تبديل “الرجل الأول في القيادة الدولية” على حد تعبير مسؤول في “حزب الله”، مقلق لمن عايشه هذه الفترة الطويلة التي احتل خلالها غوكسيل مركز الطليعة بين القياديين الدوليين، كمحاور بارز ومصدر دولي موثوق كاد أن يختزل “اليونيفيل”بشخصه، فلم يكن ناطقا دوليا فحسب، بل نقطة وصل وتواصل بين خطوط التوتر والتحالف من أطراف سياسية وجهات حزبية، كانت دائما تحتكم لموضوعيته واستجاباته لمقتضيات العقل وسياسة الممكن في أحلك ظروف الحرب والاحتلال وأكثرها تعقيدا. 

ثمة أمور كثيرة يمكن أن تطرح في ضوء القرار المريب بشكله ومضمونه، ليس أخطرها ما يقال عن ضغوط إسرائيلية تمارس على المنظمة الدولية لإقصاء الرجل عن الساحة الجنوبية، بل ما لم يذكر مباشرة عن نوايا دولية لتحجيم قضية الجنوب، والتأكيد أنه لم يعد أولوية، وهي نوايا بدأت الأمم المتحدة ترجمتها على الأرض بسلسلة خطوات كان أولها خفض عديد قوات حفظ السلام من 4500 جندي إلى 3600، ثم سحب الكتائب الإيرلندية والفنلندية والنيبالية نهائيا، كانعكاس لتقارير الأمم المتحدة المتتالية الى قادة تلك الدول، وأخيرا وليس آخرا انتزاع غوكسيل من قلب الجنوب وأهله، رغم خطورة المرحلة واستمرار الاحتلال لمزارع شبعا الجنوبية الذي يبقي الحدود ساحة صراع محتمل وجبهة حرب مفتوحة يمكن اندلاعها في أي لحظة. 

ردود فعل 
في ردود الفعل على الأرض، غوكسيل لم يعلق من جهته على قرار نقله بعد لا بل هو شبه معتكف عن الإدلاء بأي موقف أو تصريح، لكن مصادره ألمحت إلى مدى استيائه وحجم الصدمة التي أثارها القرار الذي لم يكن متوقعا بالنسبة إليه ولمعظم المحيطين به، في وقت تلقت “السفير” سيلاً من المواقف المتضامنة مع غوكسيل والمشككة في خلفيات القرار. 

رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب النائب علي الخليل أعرب عن خشيته من أن تكون إسرائيل هي من يقف وراء قرار نقل رجل قيادي بارز اتسم بالحيادية والالتزام بتنفيذ قرارات الأمم المتحدة، وهو ما لا ينسجم مع المصلحة الإسرائيلية التي تضرب بعرض الحائط كافة المواثيق والأعراف، وتسعى دائما الى احتواء كل من لا يسايرها أو يؤيدها في أفعالها وممارساتها غير الإنسانية، متمنيا على المنظمة الدولية التي يعود لها القرار الفصل في هذا الموضوع، إعادة النظر بقرارها وإفساح المجال أمام غوكسيل للاستمرار في أداء مهامه التي أداها طيلة السنوات الماضية بنجاح لافت وضمير حي. 

رئيس الهيئة العامة في حركة “أمل” النائب علي خريس الذي تواصل طيلة سنوات الاحتلال مع غوكسيل من موقعه الحركي قال “ان غوكسيل هو جزء من قضيتنا. كان دائما حريصا على الجنوب وأمنه وسلامة ناسه، كما كان ولا يزال العين التي نرى من خلالها خفايا أمور كثيرة، يحملنا غوكسيل على وعي مخاطرها وأبعادها، كمرشد وناصح وعليم، إضافة الى علاقته المميزة والصادقة مع رئيس حركة “أمل” نبيه بري وتقدير الأخير لمواقفه تجاه قضيته الجنوب. 

أضاف خريس: “الكلام اليوم عن نقل غوكسيل يندرج في إطار مشروع نسمع به منذ فترة على ألسنة المسؤولين الدوليين، ويتعلق بتحجيم دور اليونيفيل في لبنان بما معناه التقليل من أهمية هذه القضية رغم أن الجنوب لا يزال مستهدفا كل يوم”. 

واعتبر ان عامل الثقة الذي أرساه غوكسيل مسألة في غاية الدقة، ومن الصعب جدا أن يولد من جديد وبسرعة مع مسؤول دولي آخر بمكانة وموقع غوكسيل. 

مسؤول رفيع في اللجنة الدولية للصليب الأحمر رفض ذكر اسمه، أكد وجود خلفيات غير نظيفة لقرار نقل رجل ريادي وبارز كغوكسيل. وقال ان هذا الإجراء يهدف إلى إضعاف دور هذه القوة العاملة في جنوب لبنان وتجريدها من عناصر قوتها ومن عقلها الذي يعد غوكسيل مفتاحه والدماغ المحرك الذي يدير تلك القوة، لافتا الى ان خطة إضعاف اليونيفيل في جنوب لبنان بدأت منذ ان اتخذ قرار سحب الكتائب الأوروبية التي تمثل بدورها عنصر قوة وتأثير أمام الرأي العام الدولي وبالتالي استبدالها بوحدات محدودة الإمكانيات والقوة وغير مؤثرة أصلا. 

وإذ ربط المسؤول الإجراء المنوي اتخاذه بحق غوكسيل بتطورات محتملة وتغييرات ستشهدها “اليونيفيل” غير متوقعة، أشار الى ان نقل غوكسيل يأتي في التوقيت الخاطئ في ظل أوضاع حساسة وتوتر ملحوظ على الحدود، ومؤكدا على أهمية الدور الذي لعبه غوكسيل فهو تجاوز قطوعات كثيرة وجنّب الجنوب إشكاليات وأزمات بين الأحزاب الفاعلة على الأرض من جهة وبينها وبين القوات الدولية من جهة ثانية، ونسج أفضل العلاقات في أصعب الأوقات ومع أعقد الجهات والتيارات. 

قائمقام صور حسين قبلان قال إن غوكسيل مارس مهامه بحيادية تامة وتعاطف مع قضايا إنسانية كثيرة، وقد تكون مواقفه العادلة في بعض المفاصل هي وراء الإجراء الأخير. أضاف: نحن نتعاطف مع قضية هذا الرجل الذي أمضى بيننا مدة طويلة قال فيها دائما كلام الحق عندما تقتضي الضرورة وليس كما تقتضي الوظيفة، لأن الحقيقة والعدالة أكبر بنظر الشرفاء أمثال غوكسيل من مراعاة بروتوكول وظيفي أو تنظيمي. 

الجدير ذكره أن غوكسيل تولى مهامه كناطق رسمي باسم القوات الدولية في جنوب لبنان عام 1979 بعد عام على قرار الأمم المتحدة إرسال قوات حفظ السلام عام 1978. ومنذ خمس سنوات أضيفت إلى مسؤولياته مهمة المستشار السياسي لهذه القوات، وكان قبل تعيينه في الأمم المتحدة ضابطا برتبة كولونيل في الجيش التركي. 

ثلاثة وعشرون عاما قضاها غوكسيل في جنوب لبنان، أحب خلالها الناس وبادلوه الشعور نفسه، ولم تسجل عليه خلال هذه الفترة أي ملاحظة، على الرغم من حياديته في عمله وأمانته لمهنته. وبالتأكيد سيفتقده الجنوبيون، وخصوصا أن جيلا جنوبيا كاملا وُلد بعد مجيئه الى لبنان. كما سيفتقده الإعلاميون اللبنانيون، خصوصا في الجنوب، الذين قدم إليهم خدمات وتسهيلات مهمة.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic