جدل الجذور والمنافي
شوقي بزيع

السفير (الثلاثاء، 8 كانون ثاني / يناير 2002)

لم تكن العلاقة بين الأنا والاخر مطروحة للنقاش والبحث والتساؤل في اي وقت من الاوقات كما هي اليوم. ذلك ان مساحة الاشتباك المتولدة عن العولمة وازالة الحدود وسيادة التجارة ونظام السوق لم تحل دون البحث عن الجذور وتأصيل الذات وردها باستمرار الى هوية ونسب. يبدو العالم في لحظة كهذه وكأنه يسير في اتجاهين متعاكسين تحكمهما الوحدة والتعدد، الخرافة والعلم، الانفتاح على الاخر ونبذه تماما. وفيما تتكفل التجارة والاقتصاد ووسائل الاعلام بمهمة التوحيد تتولى الاصوليات القومية والدينية والعرفية مهمة مضادة هدفها تأكيد الأنا والتحصن داخلها لمواجهة الهيمنة او الذوبان. 

الأدب من جهة لم يكن بمنأى عن هذه الحمى التي تجتاح الارض من اربع زواياها. لا بل ان الأدب، كما الفن، هو الساحة الاكثر اهلية لاحتضان اسئلة الهوية والعلاقة الملتبسة بين الذات وخارجها، ليس فقط لأنه يملك القدرة على النفاذ والتحليل واستخلاص النتائج بل لأنه يشكل بحد ذاته الصدى الحقيقي لتفاعل الثقافات وتلاقحها واتصال بعضها بالبعض الاخر، بقدر ما يمثل من جهة ثانية الخصوصية والفرادة وعبقرية المكان الاصلي. في كنف هذين المؤشرين المتباينين في الظاهر والملتقيين في الجوهر كانت اللغة الام هي الحاضنة الاكثر تمثيلا للجذور والينابيع والأكثر قدرة على تحديد الهويات والناظمة الفعلية لحركة الفكر وخلجات الروح وجيشان الوجدان. 

واذا كانت الامور لدى المبدعين الذين يقيمون في اوطانهم الاصلية ويكتبون بلغاتهم القومية اميل الى الوضوح وتحديد الهوية ورسم اطر السجال فان الامور تختلف تمام الاختلاف لدى الذين يعيشون خارج اوطانهم او يكتبون بلغات اخرى. فالأنا والاخر هنا يكفان عن ان يكون علاقة بين الكائن وخلافه او بين الانسان وخارجه الضدي ليصبحا انعكاسا شديد الالتباس للذات المنفصمة. ومع ذلك فان هذا الانشطار المعقد بين الموج والجذور، بين السرير والافق هو الذي تربت في احضانه اكثر الابداعات المنفتحة على الحرية والرحابة وقبول المختلف. فالمختلف هنا هو جزء من اجزاء الهوية نفسها، وحركة من حركاتها وليس نقيضها الضدي او عدوها اللدود. صحيح ان هناك خللا بينا بين طرفي الهوية الاصلي والمستحدث، وبخاصة لدى الوافدين الى الغرب من العالم الثالث، ولكن ذلك الخلل على فداحته يتحول على مستوى الادب الى محرض حقيقي لأكثر ما في الباطن الانساني من نوازع وقلق واحتدامات. 

يكفي ان نستشهد في هذا السياق بالشاعرية المتألقة لليوبولد سيدور سنغور الذي حاول، رغم المرارات التي حملها شعره، ان يرتفع فوق ثنائية اللون والجنس وان يحول الزنوجة الى لون من الوان الروح والى احد اكثر ايقاعاتها احتفاء بالحياة والشهوة والعدالة. ان اتصال الشاعر بالغرب لغة ومعرفة واقامة مكنه بشكل فاعل وخلاق من ان يرتفع فوق السطوح الواطئة للكراهية والتنابذ والحقد ليتعانق مع الاخر عبر ما هو مشترك وجوهري ومتصل بالديمومة. الميزة ذاتها نجدها في ادب امين معلوف ومعظم اعماله بدءا من “الهويات القاتلة” ووصولا الى “ليون الافريقي” و”صخرة طانيوس “ورحلة بالداسار”. فالجذور هنا ليست سوى حالة من احوال الهوية او نسب من انسابها الكثر. انها جذور هاربة من نفسها باستمرار عبر حياة رجراجة ومتعرجة وكثيرة الانعطافات. والهوية عند معلوف ليست معطى نهائيا يحصل بفعل الولادة بقدر ما هو اكتشاف للذات في ضوء الاخر ورحيل مستمر باتجاه المجهول. قد تكون الامور لدى الطاهر بن جلون اكثر تشوشا ومأساوية وبخاصة في روايته الاخيرة “اعناب مركز العذاب” التي تكشف عن القاع المأساوي لحياة المهاجرين المغاربة في فرنسا وعن تمزقهم بين مطرقة العنصرية الغربية وسندان الاصوليات الدينية الدموية، ولكن بن جلون يترك الرواية مفتوحة على الأمل ويجعل بطلتها قادرة على متابعة المعركة حتى شوطها الاخير: “لن نراوح بلا نهاية على شاطئ الانتظار. لن نكتفي طويلا بأكواخ الادراج، بالعنابر الرطبة والمرائب الموبوءة. سننزل الى المدينة. رأسنا يغلي وفمنا مليء بالكلمات القاسية”. هذه الكلمات هي اخر ما تردده بطلة بن جلون فوق ذلك الخيط النهائي الفاصل بين رعب المنافي وجحيم الجذور.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic