“ثورة الحسين حدثاً وإشكاليات” لإبراهيم بيضون
اختراق الركام من موقع المغايرة

السفير (الأربعاء، 9 كانون ثاني / يناير 2002)

حسن جابر

الكتاب: ثورة الحسين حدثاً وإشكاليات.
الكاتب: إبراهيم بيضون.
الناشر: شركة المطبوعات، بيروت، 2001.

ثورة الحسين - ابراهيم بيضون

تتسم المعالجة الحديثة التي تصدى لها ابراهيم بيضون بالجدة والتمايز برغم الكتابات الكثيفة التي لا تزال تتراكم كاشفة عن أبعاد ومواقف يبدو ان غنى الحدث لا يضن بمكنوناته وكنوزه، وانه يكشف عن مدخراته لمن سعى بجد لجني مدخراته. ولا شك في ان خبرة الباحث الطويلة قد ساهمت الى حدود بعيدة في مقاربة الحدث وسبر أبعاده واختراق تلافيفه وتقعراته. قد يزعم البعض ان في ذلك بعض المبالغة ما دام الحدث كغيره يملي على الدارس إعمال مبضعه تشريحا وتمحيصا واستنطاقا. والحقيقة ان الموضوع مغاير واستثنائي، فهو الى كونه معطى تاريخيا، تصطف في طوله جملة معوقات وجدانية وشعورية تحيله الى حقل ملتبس يضج “بالاشكاليات”. 

فالمرويات التاريخية التي تناولت الحدث لم تُترك على رسلها، فقد غذتها عاطفة الانتماء وحرارة الفجيعة، فأضحت ركاما كثيفا ومختلطا من المعطيات الصحيحة والاضافات الدخيلة، وبات اختراقها وكشح ما اعتراها من أعراض الهوى من المهمات العسيرة والشائكة بالطبع، يشكل هذا اللون من المعالجة تحديا لموضوعية الباحث وعلميته وتجرده قلما يصمد ازاءها الكثيرون. غير ان بيضون، من خلال التأمل الدقيق والمتابعة الهادئة لمضمون الكتاب موضوع الدراسة، وُفِّق الى اجتياز الاختبار بنجاح، فقد أفلح في الوصول الى الحدث عبر سلسلة طويلة من الاختراقات للركام، المشار إليه، وتمكّن بمهارة من بعث الروح في حطام النصوص الباردة، وذلك في اطار عمل إحيائي شاق ومضن، وهذا ديدن المنهج التاريخي الذي تمرس فيه المؤلف وألفه لكثرة ارتياده وتوظيفه. والمنهج المعتمد يقتضي، كما يعرف أهل الحرفة من المؤرخين المعاصرين، الخرق الزمني لطبقات التاريخ، في مهمة “أركيولوجية” حذرة ودقيقة، تسمح في النهاية بالوصول الى لحظة الحدث وكأنه يعاصره، الامر الذي يخوله شحن الوقائع بحرارة الحياة، التي عادة ما يتواطأ الزمن على تبريدها. 

تحريك الأسئلة 
قد لا تكون مهمة وضع الثورة في سياقها التاريخي مما تفرد بها الكاتب، فقد سبقه الى إنجازها الكثيرون، إلا ان وجه الفرادة في المسألة، يكمن في القدرة على تحريك الاسئلة وخلق الاشكاليات واستنطاق النصوص وملاحقة أمدائها التي قد تقصر الدلالات عن تقديمها. وتكاد لا تمر، أمامنا، واقعة او محطة من المحطات التي سلّط عليها الضوء، إلا وترك فيها تساؤلا او أنبت فيها إشكالا، وكأنه اخذ عهدا على نفسه ألا يدع الامر على سكونيته الرتيبة، فهو مشاغب على الحدث، وفيه، يشعله في عقل القارئ ويترك لنفسه خيار إخماده او إبقائه كالميسم يلسع الحس العلمي لدى عشاق الحقيقة. 

بداية، تصدى الكاتب لمهمة وضع الحدث في السياق التاريخي الطويل من خلافة الإمام علي مرورا بصلح الإمام الحسن، وقد تتبع نمو بذرة الثورة خطوة فخطوة، في ايجاز لا يعتريه خلل ولا يسوؤه تجاوز بعض التفاصيل العرضية، فكانت محطته الرئيسية الاولى في الكوفة التي آلت على نفسها ألا تكون كسواها من الأمصار، فقد شرع نبضها يعزف لحن الثورة على أوتار اعتراض حجر بن عدي المستاء من اختبار الصلح الذي وقعه الإمام الحسن مضطراً في “مسكِن”، ولم يشأ الإمام ان يتوقف هذا النبض فقد غذاه بالامل، على حد ما استخلصه بيضون، عندما اكد الحسن على استمرار الصراع مع “قوى الامر الواقع”. 

وتابع الكاتب، بدأب، مراحل نمو النبتة وتفرعاتها المتسقة على وهج الشعور بالتحفز للثورة بعد وفاة الإمام الحسن، فرصد الكيفية التي تشكلت فيها النخبة المعارضة في الكوفة من دون ان يحط رحاله عند كل واحد من أركانها بدءا من سليمان بن صرد مروراً بعمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد وسواهم. ولم تغب عنه حالات الانكفاء التي اضطرت إليه هذه النخبة بعد مقتل حجر والاجراءات الصارمة التي رعاها معاوية بدقة متناهية من خلال عمّاله. 

والمثير في المعالجة هو قدرة المؤلف على التقاط التحولات ورسم تهيؤاتها فضلا عن مجرياتها المفصلية، والتي غالبا ما كانت تساهم في إنضاج المواقف، وتساعد في اعادة رسم التصورات والرؤى. فقد نجح الدكتور بيضون في متابعة تداعيات وفاة الخليفة الاموي معاوية وما احدثته من تبدلات في سلم الاولويات دفعت الإمام الحسين من جديد الى واجهة الاحداث، وألجأته، بعد طول انتظار، الى وضع الخيارات على ايقاع التحديد الفعلي، بعد ان غلّته بنود صلح الإمام الحسن طويلا ومنعته من التحرك بحرية، خاصة بعدما وُضع على محك تحديد الموقف من يزيد وخلافته، الأمر الذي لم يجد إزاءه مندوحة من جبه التحديات إلا بخطوة التفكك من إكراهاتها التي عكستها خطوة الخروج من المدينة متحرراً من تحريض مروان بن الحكم (الساخط على واليها الوليد) ضده. لقد سرّع الزعيم السفياني في إنضاج موقف الإمام الحسين، وربما دفعه التحريض الى حرق المراحل والإقدام على خطوة كان يرى أن أوانها لم يحن بعد، فغادر المدينة الى مكة ليعطي نفسه فرصة التفكير الهادئ بعيداً عن ضغط الخيارات المستحقة. 

محطة تأملية 
وضع إبراهيم بيضون إقامة الإمام الحسين في مكة في اطار المحطة التأملية، وذلك لتتسنى له القراءة الموضوعية للمتغيرات والخيارات الممكنة، ففيها أنضج قراره الرامي الى اختيار الكوفة كساحة للتحرك ضد الخليفة الجديد، فمكة لم تكن، وفق كل المعايير والاعتبارات السياسية والتاريخية، مكانا مناسبا للإقامة او للخروج على الحاكم. وفي خطوة تؤْذن ببدء التحرك العملي اوفد مسلم بن عقيل الى حيث تُشد الرحال، وقبل ان يتوقف عند مسلم وصلاحيته لمهمة في مثل هذه الخطورة، كانت للمؤلف وقفة مع مشروع الحسين وأهدافه، التي لا تزال الى اليوم تتسع للمزيد من التأويلات، وقد استبعد بيضون فرضية المنافسة على السلطة، ورجّح، في المقابل، خيار الإصلاح في اطار مشروع تصحيحي لمسيرة الأمة وإسلامها المستهدَف. 

وكانت لبيضون محطة تحليلية ثرية عن أسباب اختياره الكوفة، حاول فيها لملمة عناصر الموقف الموضوعي؛ فمن الرسائل التي بعثت بها النخب وزعماء القبائل، الى الإرث العلوي فيها منذ كانت مركزاً لخلافة الإمام علي، وصولا الى جملة المواقف والتحركات التي كانت ترهص بدور ما كانت الكوفة تتوق إليه. والجديد في إسهامات المؤلف كان التحليل الدقيق لشخصية مسلم المتردد الذي لم يوفَّق، ربما لخبرته المتواضعة، في إدارة الأزمة وتعقيدات الموقف، الامر الذي سهّل على والي الكوفة الإمساك بزمام الامور وقطع الطريق على الحسين قبل ان يظفر بفرصة الوصول الى معقل شيعته الاساسي. والحديث عن الكوفة لم يحجب الاهتمام بالبصرة، المصر العراقي الثاني، التي كانت تعد بوقفة ما تعزز فرص نجاح حركة الإمام وثورته المكلومة. 

لم يتورط المؤلف، كما هو ظاهر من مجرى القراءة الموجزة، في التفاصيل، لكنه لم يبخل في توظيفها عندما تقتضي المعالجة ذلك، فقد كان مسكونا بإثارة الأسئلة وتحريض المعطى على البوح بالمسكوت عنه، وهذا المنحى افترض مسبقا استخدام منطق خاص في المعالجة أقل ما يقال فيه إنه مغاير. 

ولا يفوتنا في ختام هذه القراءة المتواضعة، الاشارة الى لغة الكاتب البديعة التي كانت تترك لمساتها الساحرة عند كل عبارة، وتحلّق بالقارئ في فضاء الادب الجميل، وهذا ديدنه الذي يدأب، دائما، على خلط التحليل الموضوعي بالعبارة الأخّاذة، فيغدو النص آسراً يفرض سلطته على القارئ، فلا يبرح هذا الأخير الكتاب إلا وهو في شوق للقاء جديد.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Guestbook Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic