مزارع شبعا في مواجهة الأطماع الإسرائيلية
وثائق جديدة تكشفها "اللـــواء" تثبت لبنانية المزارع

لبنان يتحرك على خطين: استصدار قرار من الأمم المتحدة وتأييد المقاومة رسمياً
الاحتلال يعيش في مأزق ويفكر جدياً بالإنسحاب من المزارع

اللواء (الأربعاء، 23 كانون ثاني / يناير 2002)

هيثم زعيتر

   

  
 

خارطة مزارع شبعا اللبنانية المقتطعة من منطقة العرقوب

وثيقة بحوزة ابراهيم دياب عمرها 121 سنة تؤكد لبنانية مزارع شبعا وتلال كفرشوبا

دورية لقوات الاحتلال الإسرائيلي داخل مزارع كفرشوبا

عملية للمقاومة داخل المزارع تأكيداً لحقها بتحرير الأرض المحتلة

 

وسط التطورات العالمية المتسارعة والحرب الأميركية على ما يسمى بـ "الإرهاب" في أفغانستان وغيرها من دول العالم··

ورغم تدهور الأوضاع في فلسطين المحتلة نتيجة للإعتداءات الإسرائيلية المتكررة وارتكاب المجازر البشعة·· تبقى هناك منطقة ساخنة في خارطة الوضع الإقليمي وقابلة للانفجار في أي لحظة، حتى انه يصح وصفها بأنها مثل "برميل البارود" لا يعرف المرء متى ينفجر، ويكفي ربما اطلاق نار لتتدهور الأوضاع وتشتعل الجبهة، وربما لتنشب حرب اقليمية في ظل هذه الظروف المعقدة··

هذه النقطة الساخنة من المنطقة، هي مزارع شبعا اللبنانية التي ما زالت "إسرائيل" تحتلها، وتصر على اعتبارها سورية، وليست لبنانية، وبالتالي فان ذلك يعني أن مصيرها مرتبط بالمفاوضات المستقبلية مع سوريا وليس مع لبنان·

بالمقابل، فان هناك إصراراً لبنانياً على اعتبارها أراضي لبنانية، واعتبار عدم الإنسحاب منها يشكل خرقاً للقرار 425، الذي ينص على "انسحاب العدو الإسرائيلي من كامل التراب اللبناني المحتل"، وقد تكرَّس هذا الإصرار في استمرار عمليات المقاومة فيها، رغم كل الضغوطات الدولية، ورغم كل التهديدات والإعتداءات الإسرائيلية·

والتساؤل الذي يدور: لماذا انسحبت "إسرائيل" من الجنوب وأبقت على مزارع شبعا؟!

ولماذا جعلت هذه المنطقة ساخنة وقابلة للاشتعال في أي لحظة؟!

ثمة من يقول: إن اطماع "إسرائيل" بالمزارع قديمة قدم قيام الكيان الصهيوني واغتصاب الأرض، وأن ذلك يعود إلى خلفية استراتيجية أمنية، وطمعاً في السيطرة على مصادر المياه، إذ وفق المفهوم الإسرائيلي فإن الأمن المائي الإسرائيلي مرتبط بالإحتفاظ باحتلال مزارع شبعا، أي مصادرة منابع المياه التي تغذي بحيرة طبريا، ومن ضمنه نهر الحاصباني - الوزارني وروافده·

وبالرغم من أن مزارع شبعا سورية في نظر الإسرائيليين، كما في نظر الأمم المتحدة، إلا أن لبنان عمل على خطين متوازيين:

- أولاً: تأكيد لبنانية المزارع عبر الوثائق والأدلة القاطعة، والإعتراف السوري بهذه اللبنانية·

- والثاني: بدعم المقاومة، واعتبارها حقاً مشروعاً طالما بقيت أراضٍ لبنانية محتلة، أسوة بالموقف الرسمي في دعم المقاومة ابان احتلال الجنوب·

وعليه، فان البعض اعتبر أن مزارع شبعا هي بالنسبة إلى لبنان كنقطة الرابع من حزيران بالنسبة إلى سوريا، فهي نقطة مبدئية ولا تقبل المساومة، وتكرَّس ذلك من خلال عمليات المقاومة المدعومة بالموقف الرسمي، وبمساندة الموقف السوري، وهذا الحال كان عقب الإندحار الإسرائيلي من الجنوب في 25 أيار 2000، ولكن اليوم ثمة متغيرات متسارعة في العالم في أعقاب انفجارات نيويورك، وواشنطن، وهل ما زال لبنان قادراً على الحفاظ على موقفه واقناع المجتمع الدولي بأن هناك فرقاً بين المقاومة التي هي حق مشروع، وبين "الإرهاب"

ربما لهذه الأسباب بالذات نلاحظ أن هناك هدوءاً ما على محور جبهة المزارع، ولكنه في كل الأحوال هدوء مؤقت أمام اصرار لبنان و"إسرائىل" كل على موقفه، وعجز الأمم المتحدة عن فرض تطبيق قراراتها على "إسرائيل"، مما يجعل المنطقة مفتوحة على كل الإحتمالات وفي أي لحظة·

لكن مصادر أخرى تعتبر أن الهدوء الذي يخيم على مزارع شبعا - تلال كفرشوبا - حيث لم يسجل منذ عدة أشهر أي عملية عسكرية، يوحي بأن شيئاً قد يحصل فيها ويشكل مفاجأة، وربما انسحاب إسرائىلي إلى ما وراء الحدود، وإغلاق الملف اللبناني من وجهة النظر الإسرائيلية·

ما يمكن الإقرار به أن العدو الصهيوني قد استغل لحظات الهدوء واطلق العنان لورشه الفنية والهندسية، كي تعمل على مدار الساعة وتقوم بعمليات التدشيم والتحصين للمواقع القتالية المتاخمة للخط الأزرق، وهي تمتد من جنوب غرب المزارع مروراً بمحاذاة وادي العسل، وصولاً إلى المواقع العسكرية في أعالي جبل الشيخ·
وقد أنجزت قوات الاحتلال بناء مواقع جديدة في أعالي تلال المزارع ومنها الخرار والفوار والزلقا والحضر، إضافة إلى نقاط عسكرية أخرى·

وتتحدث مصادر مطلعة عن اجراءات عدة تقوم بها قوات الاحتلال وكأنها تحضر فعلاً لانسحاب مفاجئ من هذه المزارع·

فما هي قصة مزارع شبعا، وكيف احتلتها قوات الاحتلال الإسرائيلي؟ وما هي أهميتها؟ وما هي الوثائق اللبنانية التي تثبت لبنانيتها؟!

كل هذا نحاول الإجابة عنه في هذا التحقيق:

مزارع شبعا: الموقع والأسماء
 
تقع منطقة العرقوب في أقصى الجهة الجنوبية - الشرقية من لبنان، على مثلث الحدود اللبنانية - السورية - الفلسطينية، أي على سفوح وأعالي قمم جبل الشيخ الجنوبية الغربية ويزيد عدد سكانها على 56 ألف نسمة، وتتبع ادارياً قضاء حاصبيا، وهي منطقة عمل الكتيبة النروجية ثم حالياً الهندية التابعة لـ "قوات الطوارىء الدولية" العاملة في جنوب لبنان، غير أن منطقة العرقوب و"قوات الطوارىء الدولية العاملة" وقعت تحت الإحتلال الإسرائيلي الفعلي وليس الرسمي بعد اجتياح حزيران من العام 1982، قبل أن تتحرر بعد الاندحار الإسرائيلي الذي تم في 25 أيار 2000، ولكن معظم بلداتها ما زالت تتعرض للإعتداءات الإسرائيلية من داخل مزارع شبعا، وأهم بلدات وقرى منطقة العرقوب، هي: "شبعا، كفرشوبا، الهبارية، كفرحمام، راشيا الفخار، الفرديس، الماري، حلتا والمجيدية"·

المزارع: الموقع والمساحة والأسماء: تقع مزارع شبعا في الجزء الجنوبي الشرقي من منطقة العرقوب وتمتد أراضيها من قمة الزلقا (2669 م) - أي ثاني أعلى قمة في جبل الشيخ، انحداراً الى تل القاضي في سهل الحولة، ويبلغ معدل طولها من الشمال - الشرقي الى الجنوب - الغربي 52 كلم، ومعدل عرضها 8 كلم، من بلدة كفرشوبا شمالاً حتى بلدة جبانة الزيت جنوباً، حيث تصل مساحتها الى حوالى 200 كلم2·

أسماء المزارع وانتشارها: كان يسكن مزارع شبعا 1200 عائلة بشكل دائم و600 عائلة في موسم الإشتاء، وفيها ملكية لأكثر من 1000 عائلة أخرى·

وعدد هذه المزارع أربع عشرة مزرعة هي: "مغر شبعا (250 منزلاً)، زبدين (175 منزلاً)، قفوة (180 منزلاً)، رمتا (125 منزلاً)، برختا التحتا (150 منزلاً)، برختا الفوقا (125 منزلاً)، مراح الملول (110 منازل)، فشكول (75 منزلاً)، خلة غزالة (90 منزلاً)، رويسة القرن (90 منزلاً)، جورة العقارب (78 منزلاً)، الربعة (60 منزلاً)، بيت البراق (30 منزلاً) وضهر البيدر (15 منزلاً).

- مزرعة بسطرة: وعدد منازلها(60)، استحدثها المهجرون من المزارع خارج الأسلاك الشائكة التي اقتطع بها المحتلون الإسرائيليون المزارع الأربع عشرة، وقد أقدمت قوات الاحتلال على طرد أصحابها مجدداً في نيسان عام 1989·

كما نفذت قوات الاحتلال اقتطاع وضم مساحات شاسعة من خراج بلدة كفرشوبا بشكل تدريجي منذ العام 1969·

أهميتها

الأهمية الإستراتيجية: تنتشر مزارع شبعا في موقع جغرافي ذي أهمية استراتيجية بالغة على ملتقى الحدود بين لبنان وسوريا وفلسطين المحتلة، وتتميز هذه المنطقة بقممها الجبلية العالية التي تصل الى حـوالى 2600م المشرفة على هضبة الجولان وسهل الحولة والجليل وجبل عامل وسهل البقاع·

تنبع منها معظم روافد نهر الأردن: (بانياس، اللدان والوزاني) ويجري في جنوبها نهر الحاصباني، وتختزن في باطنها الكميات الهائلة من مياه ثلوج جبل الشيخ·

الأهمية الإقتصادية: تشكل هذه المزارع 80% من خراج بلدة شبعا التي تعتمد بشكل أساسي على منتوجاتها الزراعية المتميزة بتنوعها تبعاً للتنوع المناخي في المزارع بين سهل الحولة على ارتفاع 400م عن سطح البحر وقمة الزلقا على ارتفاع 2669م·

أهم المزروعات:
 
- الحبوب: على مختلف أنواعها خاصة القمح، الشعير، العدس، الحمص، الفول، الماش، الفاصوليا، البازلا، السمسم، الفستق والقطن·

- الأشجار المثمرة: التين، الزيتون، الكرمة، التفاح، الإجاص، الخوخ، اللوز، الجنارك، المشمش، الصبار والبرتقال·

- الخضار والبقول: البطاطا، البندورة، الخس وسواها·

- الغابات: تغطي السفوح والقمم في المزارع غابات من الأشجار المعمرة من السنديان والملول والبطم والزعرور، وخصوصاً غابة "مشهد الطير" التي تحتوي المقام المقدس للنبي ابراهيم (عليه السلام).

- المراعي والمواشي: خصص المزارعون مساحات شاسعة من هذه الأراضي كمراع لتربية المواشي التي بلغت مئات الآلاف من مختلف الفصائل وأهمها: الماعز (100 ألف رأس)، الأغنام (5 آلاف رأس)، الأبقار (5 آلاف رأس)، والخيول (1500 رأس)، بالإضافة الى مزارع الدواجن·

كما اشتهرت مزارع شبعا بمعاصر الزيتون والدبس، وبآثارها التاريخية كالمغاور والآبار والنواويس·

العائلات المالكة: تتوزع الملكية في مزارع شبعا على العائلات التالية: "الخطيب، غادر، سرحان، صعب، مركيز، عبد الله، نصار، تفاحة، دعكور، كنعان، عبد الهادي، الزغبي، ناصر، الحناوي، حمد، البقاعي، حسن، إبراهيم، نبعة، رحيل، فارس، موسى، قاسم، علي، دلة، منصور، قحواني، ظاهر، حمدان، غياض، غياضة، السعدي، عطوي، الجرار، هاشم، ماضي، زينب، حمد، نصر الله، زهرة، عواد، النابلسي، شاهين، الخوري، أبو رضا، الشعار، ريمة، الترك، رحال، مخايل، سارة، الشريحة، عبد الرحمن، ناصيف، دلال، شريفة، بنوت، زغاط، أبو حويلي، خوندي، عرابي، خالد، غانم، فراشة وعبدو"·

كما تشترك كل من: الأوقاف الإسلامية (السنية) والمسيحية (الروم الأرثوذوكس) في ملكية هذه المزارع·

مزارع شبعا ··· والاحتلال
 
مراحل الاحتلال: نفذت "إسرائيل" أطماعها باحتلال مزارع شبعا اللبنانية عقب عدوان الخامس من حزيران عام 1967، على الرغم من عدم اشتراك لبنان في هذه الحرب، حيث بدأت عملية إحتلال مزارع شبعا بعد 12 حزيران 1967 وعلى ثماني مراحل:

- الأولى: بدأت صباح يوم الخامس عشر من حزيران 1967، حيث اجتاح الجيش الإسرائيلي مزارع: مغر شبعا، خلة غزالة، ضهر البيدر، رويسة القرن، جورة العقارب وفشكول، فجمعت قوات الاحتلال السكان في مزرعة فشكول وأخضعتهم للتحقيق والتعذيب والتنكيل بعد أن قتلت المواطن شحاده أحمد موسى، وجرحت أكثر من 10 أشخاص وأجبرت المزارعين على إخلاء مزارعهم·

- الثانية: في 20 حزيران وسّعت القوات الإسرائيلية احتلالها ليصل الى مزارع: قفوة، زبدين، والرمتا، وتعرض سكان هذه المزارع لنفس الممارسات، حيث أسر العدو العشرات وزجّهم في السجون الإسرائيلية الإرهابية، وطرد أصحاب هذه المزارع بعد مصادرة مواشيهم ومحاصيلهم·

- الثالثة: بدأت في 52 حزيران، حيث اجتاحت القوات الإسرائيلية ما تبقى من مزارع شبعا - أي: الربعة، بيت البراق، برختا التحتا، برختا الفوقا، مراح الملول، ولقي أهالي هذه المزارع نفس مصير اخوانهم المهجرين من قبلهم·

- الرابعة: بتاريخ 26 حزيران 1967، الساعة الواحدة بعد الظهر، فجرت القوات الإسرائيلية جميع المنازل والآبار وزرائب المواشي في كل المزارع من مغرشبعا حتى مراح الملول·

- الخامسة: في آب 1967، أحرقت قوات الاحتلال الإسرائيلي الحقول والبساتين وأجزاء واسعة من الغابات، ودمرت "مشهد الطير" وهو مقام النبي إبراهيم (عليه السلام)·

- السادسة: في صيف عام 1972 أحاطت "إسرائيل" هذه المزارع بالأسلاك الشائكة، وزرعت الألغام في المناطق الأخرى، مما أودى بحياة العشرات من ابناء شبعا وجرح المئات ونفق الآلاف من رؤوس المواشي، كما أنشأت المراصد العسكرية في جبل الشيخ·

- السابعة: في العام 1985، أقامت قوات الإحتلال مستوطنتين ليهود "الفالاشا" في مزرعتي رويسة القرن وزبدين، ومنتجعاً سياحياً للتزلج في منطقة مقاصر الدود·

- الثامنة: في نيسان 1989، أنذرت قوات الإحتلال الإسرائيلي سكان مزرعة بسطرة (60 عائلة) وطلبت منهم إخلاءها، فرفض الأهالي، إلا أن قوات الاحتلال أبعدتهم بالقوة وهدمت المنازل، وأحاطت هذه المنطقة بالشريط الشائك وضمتها الى المزارع الأربع عشرة المحتلة في العام 1967·

وبذلك تكون "إسرائيل" قد اقتطعت ما نسبته 80% من خراج بلدة شبعا·

توطين يهود الفالاشا
 
توطين يهود "الفالاشا" في مزارع شبعا: تشكل قضية الاستيطان في الإستراتيجية الصهيونية أحد الثوابت التي مهدت لقيام الكيان الإسرائيلي عام 1948 في فلسطين·

وإذا كان المخطط الإستيطاني الصهيوني داخل فلسطين وغيرها من الأراضي العربية المحتلة لا يعوزه أي دليل، فإن الخطوة الإستيطانية التي بدأت بإسكان يهود "الفالاشا" في مزارع شبعا اللبنانية تعد حلقة خطيرة في هذا المخطط، ودليلاً على المطامع الصهيونية في الأراضي والمياه اللبنانية·

بدأت عملية توطين يهود "الفالاشا" في خريف العام 1985 عندما قام الحاخام الصهيوني (مائير كاهانا) برفقة مجموعات منهم باستطلاعهم مزارع شبعا، حيث وقع اختياره على مزرعتي رويسة القرن وزبدين لقربهما من سهل الحولة ولتمتعهما بتربة خصبة تصلح لزراعة الحبوب والأشجار المثمرة، ولتميزهما بمناخ دافىء (600 م عن سطح البحر) يسهل عملية تأقلم المستوطنين "الفالاشا" مع طبيعة هذه الأرض، ثم بدأت عملية انشاء المستوطنات بإحضار بيوت جاهزة تتسع لثلاثة آلاف شخص·

ولم تمض أسابيع على تلك العملية الإستيطانية حتى بدأت مجموعات المستوطنين بعمليات سطو على المواشي في قرى العرقوب المجاورة لمزارع شبعا، واحتجاز وسلب ما بحوزتهم من أموال وساعات يد وذهب·

تحرك أبناء العرقوب على المستوى الدولي لدى الأمم المتحدة لمواجهة المشروع الإستيطاني ووقف تعديات المستوطنين "الفالاشا" على أبناء المنطقة فاستجابت الأمم المتحدة للتأثير السياسي والإعلامي الذي أحدثته التحرك، وارسلت المبعوث الدولي ماراك غولدينغ الى المنطقة ليطلع على الواقع ويرفع تقريره الى الأمين العام·

غير أن المبعوث الدولي وقع ضحية "مغالطات صهيونية" وأعمال تمويه سياسية ودبلوماسية وميدانية، حيث أطلعته "إسرائيل" على مناطق لا صلة لها بالموضوع وغير لبنانية، وكان ذلك دون مواكبة واهتمام من الجهات اللبنانية المعنية·

أطماع الصهاينة في مزارع شبعا والعرقوب
 
إن المخطط التوسعي الصهيوني كان ملازماً لمخطط اقامة الكيان الإغتصابي، وتعدى مشروع "الدولة" حدود فلسطين المغتصبة في العام 1948 الى أراضٍ عربية أخرى في عدوان 1967، ثم الى مساحة واسعة من لبنان على امتداد حقبة السبعينيات، توصلاً الى الإجتياح عام 1982، وجاء احتلال مزارع شبعا ليؤكد أن أراضي لبنان ومياهه هي في صلب الأطماع الصهيونية·

وتتضح الأطماع الصهيونية من خلال الحجج الواهية التي تتذرع بها "إسرائيل" لتنفيذ أي عدوان تقوم به، فبعد عدوان حزيران 1967، احتلت "إسرائيل" مزارع شبعا اللبنانية متذرعة بأن رئيس وزراء لبنان رشيد كرامي بعث برسالة تضامن الى دول المواجهة في 31/7/1967، فسارع وزير خارجية "إسرائيل" في 14/8/1967 الى إلغاء اتفاقية الهدنة مع لبنان من طرف واحد، في حين أن لبنان أكد على استمرار تمسك لبنان بإتفاقية الهدنة على لسان وزير خارجيته جورج حكيم في (تشرين الأول 1967)، والوزير فؤاد بطرس في (تشرين الأول 1968)، وكذلك بواسطة مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة·

والسؤال المطروح اليوم هو هل أن أطماع "إسرائيل" تشمل المساحات التي اقتطعتها من أراضي مزارع شبعا، وباتت خارج البحث لأنها دمجت ضمن الحدود الفلسطينية الشمالية، وأصبحت ضرورة أمنية - استراتيجية - جغرافية لهذه الحدود؟!

للإجابة على هذا السؤال يكفي العودة الى بعض أقوال وتصريحات وكتابات الصهاينة، حيث نرى الإجابة على السؤال المطروح في تصريحات ومواقف اثنين من القادة الصهاينة عقب عدوان العام 1967، وثلاثة منهم بعد اعلان مجلة "اتجاهات" الإسرائيلية في عددها الصادر بتاريخ 14/2/1982 عن استراتيجية "إسرائيل" في الثمانينيات:

- في 21/2/1968 قال ييغال آلون في الكنيست الإسرائيلي: "إن جميع الخرائط التي أصدرتها مصلحة المساحة الإسرائيلية التي تتضمن علامات خطوط الهدنة سنة 1949 أصبحت أثرية وتاريخية، وأصبحت في ذمة التاريخ، وإن "إسرائيل" لا تعترف بخطوط الهدنة لسنة 1949"··

- وفي 10/3/1969 قال آلون: "إن خطوط الهدنة للعام 1949 ليست حدوداً يمكن الدفاع عنها ولا يمكن العودة إليها"·

- وفي 7 تموز 1972، أجابت غولدا مائير على سؤال وجّهته لها صحيفة "معاريف" حول ماهية الأراضي التي تعتبرها ضرورية لأمن إسرائيل، قائلة: "إذا كنت تريد أن تقول انه يتعين علينا أن نرسم خطأ لحدودنا، فهذا أمر لم نفعله، وسننفذه عندما يجيء الوقت المناسب، ولكن يجب أن يعرف الناس أن من أساسيات سياستنا عدم النص في أي معاهدة للسلام على حدود 1967، فلا بدّ من ادخال تعديلات على الحدود، نريد تغييراً في حدودنا، كل حدودنا، من أجل أمن بلادنا"·

- في 15/2/1948 اعتبر رئيس الأركان الإسرائيلي رافائيل ايتان" أن الطريقة الوحيدة لضمان سلامة مدن وقرى الجليل هي بقاء القوات الإسرائيلية في جنوب لبنان الى الأبد"·

- في 20/9/1989 حاول ضابط إسرائيلي كبير يدعى "عكاشة" شراء أراضي مزارع شبعا عندما استدعى بعضاً من أصحاب الأملاك في هذه المزارع وحاول معهم بالتهديد والترغيب شراء الأراضي قائلاً لهم: "إن بالرضى أو القوة، هذه الأرض معنا وستبقى معنا، فالأفضل لكم أن ترضوا بقبض ثمنها والتعويض عنها"·

- في 1997/2/25 ذكرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو عرض على الرئيس الأميركي بيل كلنتون خلال زيارته للولايات المتحدة في شهر شباط 1997 "أهمية استمرار سيطرة إسرائيل على قمم جبل الشيخ"، وهذا ما أعلنه نتانياهو في جلسة للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست· 

آثار الإحتلال: المهجرون
 
المهجرون أول آثار العدوان: حيث أن 1200 عائلة من سكان مزارع شبعا كانوا طليعة المهجرين الجنوبيين، وأول من ذاق مرارة النزوح عن الديار، وأول من عانى وطأة التهجير في لبنان، ولأن العائلات التي تهجرت بفعل الاحتلال الإسرائيلي للمزارع عام 1967، لم تكن تملك منازل في البلدة الأم شبعا باعتبار أن أملاكها ومصادر رزقها كانت في تلك المزارع، فقد انتشرت مواقع تهجيرها بين بيروت والضاحيتين الجنوبية والشرقية وصيدا والبقاع، وذاق المهجرون مر الحياة، وحُرم أبناؤهم من التعليم والرعاية بسبب الظروف الإقتصادية والإجتماعية التي تعرضوا لها، كما يقول النائب السابق الدكتور علي ماضي في تقرير رفعه الى رئيس الجمهورية في العام 1968·

ومما جاء في هذا التقرير:
 
1- إن عدداً كبيراً من النازحين اللبنانيين من ملاكين ومزارعين وتجار وعمال، قد ضاعت أملاكهم واحتلت مزارعهم ونسفت منازلهم، وضاعت تجارتهم وفقدوا أعمالهم من جراء العدوان الإسرائيلي الغاشم، وأصبحوا في حالة مزرية، يشكلون خطراً اجتماعياً على الدولة، بالاضافة الى الحالة الإنسانية التي لا يمكن التغاضي عنها في أي حال من الأحوال إذا أردنا لهؤلاء أن يشعروا بالإنتماء والولاء للوطن، فضلاً عما يمكن أن تجرهم إليه أوضاعهم المتردية من إجرام وإخلال بالأمن وتشرد ومرض وجهل·

2- إن الدولة لم تهمل قضيتهم، ولكنها لم تعالجها المعالجة التي تمكن هؤلاء المنكوبين من تأمين الحد الأدنى من العيش الكريم، بل الطمأنينة والأمان والاستقرار، فرأينا المسؤولين قد بدأوا بتقديم بعض المؤن والأغذية، ثم انتقلوا الى تخصيص مساعدات نقدية زهيدة، ثم عادوا فعصروا هذه المساعدات بحيث أصبحت لا تكفي شراء الخبز اليومي لجماعة كانوا أسياداً في منازلهم ومزارعهم، حيث كان البعض منهم وهم عديدون يتمتعون بمستوى رفيع من العيش، لما كانت تدر عليهم مزارعهم وتجارتهم وأعمالهم من محاصيل وواردات ومداخيل·

3- ولم تكتف الدوائر المختصة بأن عصرت هذه المساعدات، حتى كادت تقضي عليها وعلى مستحقيها، بل عمدت الى ايقافها، وقد علمنا بذلك على اثر المراجعات التي قمنا بها لدى المسؤولين، الأمر الذي يؤدي إذا تم، الى إرتكاب خطأ فادح بحق هؤلاء المنكوبين المساكين، وبالتالي الى القضاء عليهم·

4- هذا مع العلم بأن المساعدات الزهيدة جداً لم تدفع إلا لعدد محدود من النازحين، وقد أهمل القسم الأكبر منهم والذين كانت خسارتهم، من جراء العدوان، فادحة الى حد بعيد·

5- إن النازحين عن القرى اللبنانية العديدة، التابعة لبلدة شبعا لا يستطيعون العودة الى مزارعهم واستغلالها، ليس لأن منازلهم قد نسفها العدو فحسب، بل لأنهم معرضون في كل لحظة للإعتقال والقتل، وقد جرت عدة حوادث من هذا القبيل يعرفها رجال الأمن والسلطات العسكرية حق المعرفة، كما أن محافظ الجنوب قد أكد في كتابه رقم 123/ص تاريخ 21/5/1968 "إن واقع هذه المزارع يختلف الآن عن وضعها السابق لجهة خطورة القيام بأعمال فيها، وإستحالته في الظروف الراهنة على الحدود، هذا مع العلم بأن الحالة اليوم هي أسوأ بكثير مما أشارت إليه التقارير السابقة، وإن الوصول الى تلك المزارع قد أصبح مستحيلاً لأنها تقع تحت الاحتلال الإسرائيلي"·

ومنذ أن تهجرت هذه العائلات من منازلها وبلداتها ومزارعها، أقامت في أماكن متفرقة في أرجاء الوطن·

الانسحاب الإسرائيلي والمزارع اللبنانية
 
اليوم بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب في 25 أيار 2000 بقيت مزارع شبعا محتلة من قبل العدو الذي رفض اعتبارها من ضمن القرار 425، على اعتبارها احتلت في العام 1967، ولكن موقف لبنان بقي واضحاً ازاء هذه المسألة وأصر على أنها لبنانية وقد عمل على خط الأمم المتحدة لاثبات ذلك، حيث أبرز سلسلة من الوثائق والأدلة الدامغة التي تؤكد لبنانيتها ومنها ما أبرزه المحامي نور الدين نور الدين من "أن مزارع شبعا لبنانية منذ اعلان دولة لبنان الكبير" وفق وثيقة تنشر للمرة الأولى وتفيد خريطة أن قرية النخيلي لبنانية قضمتها "إسرائيل" كما فعلت بمزارع شبعا فوضعت يدها عليها، مُشيراً إلى أنه في العام 1955 سمحت لجنة لبنانية لضرورات أمنية أن يضع السوريون مركز مراقبة عسكرية فقط في مزرعة زبدين عُرف باسم مخفر زبدين المؤقت، أما المزارع فبقيت مرتبطة بالدولة اللبنانية إدارياً وعدلياً، مؤكداً أن الدولة اللبنانية مارست كامل صلاحيتها وسلطاتها عليها وشملت الأوجه القضائي والأمني والشأن الزراعي، واحتواء المزارع على مخاتير ونيل الأهالي اذونات البناء من الشؤون العقارية في الدوائر الموجودة في صيدا، وإن الأهالي يدفعون الرسوم والضرائب عن هذه المزارع إلى الدولة اللبنانية·

كما كشف اللبناني إبراهيم دياب من كفرشوبا على وثيقة عمرها 121 سنة وتؤكد لبنانية مزارع شبعا المحتلة وهي عبارة عن وضع حدود الأراضي والمراعي المتنازع عليها بين أهالي شبعا وكفرشوبا في منطقة المزارع المحتلة حالياً من قبل العدو الإسرائيلي·

والوثيقة صادرة عن مجلس ادارة قضاء حاصبيا أيام العهد العثماني وحددت بشكل دقيق النقاط الجغرافية لحدود الأراضي لشبعا وكفرشوبا، والأسماء العقارية المذكورة في الوثيقة هي موجودة حالياً تحت الاحتلال الإسرائيلي في تلال كفرشوبا ومزارع شبعا·

والوثيقة التي تعتبر الأهم وقعها اضافة إلى مجلس قضاء حاصبيا، وجهاء ومخاتير شبعا وكفرشوبا منذ 121 عاماً، كما وقعها وكيل نائب قضاء حاصبيا ومدير المال وآخرون·

وقد دعمت الدولة اللبنانية مطالبها من الأمم المتحدة بهذه الوثائق وأرسلت إليها عدة وثائق أخرى منها خريطة توضيحية للحدود اللبنانية - السورية بما فيها مزارع شبعا وحملت هذه الخريطة توقيع القاضيين العقاريين المختصين بالمسح العقاري في منطقة مزارع شبعا اللبناني رفيق الغزاوي والسوري عدنان الخطيب اللذين أصدرا قراراً مشتركاً في 27 شباط 1946 أكدا فيه ان الحدود الفاصلة بين قريتي المغر وشبعا اصبحت نهائية·

وتبين الخريطة التي أرسلت إلى الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان إلى أن الحد الشرقي للمزارع: وادي العسل والحد الجنوبي للمزارع يقع شمال طريق بانياس - مرجعيون بعمق 500 إلى 1200 م كحد أقصى·

وبموجب هذه الخريطة أصبحت الحدود المشتركة بين لبنان وسوريا العام 1960 حدوداً دولية حسبما توصلت إليه اللجان المشتركة التي كانت تقوم بعمليات وتخطيط ومسح الحدود بين لبنان وسوريا آنذاك·

وقد ضغط لبنان على الأمم المتحدة من أجل استصدار قرار دولي لاستعادة مزارع شبعا، ولكن الضغوط الإسرائيلية - الأميركية كانت أقوى، واعترفت الأمم المتحدة بعد ترسيم الخط الأزرق عقب الإندحار الإسرائيلي من جنوب لبنان، بأن مزارع شبعا سورية، وقد نقل هذا الموقف إلى كل من لبنان وسوريا الموفد الشخصي للأمين العام تيري رود لارسن، الذي طالب ضمنياً بوقف عمليات المقاومة، ولكن لبنان لم يستجب وأصرَّ على موقفه بانتظار تغير الظروف الراهنة وأبقى كل تحفظاته·

استمرار المقاومة
 
وعلى الرغم من أن المزارع بنظر "إسرائيل" والأمم المتحدة سورية، فإن لبنان احتج على ذلك، مؤكداً أنه وفي حال موافقته على ذلك، فإن المزارع محتلة ويجب انسحاب "إسرائيل" منها، طالباً في ذات الوقت من سوريا ارسال وثائق واعتراف خطي تؤكد لبنانية المزارع·

ووسط هذا الجدل، فإن المقاومة واصلت عملياتها كالمعتاد وتعاملت مع المزارع على أنها أراضٍ لبنانية، وقامت بأول عملية في 21 أيار 2000، حيث اعتبر انه الهجوم الأول للمقاومة منذ العام 1989 عندما نفذت "جبهة المقاومة الوطنية" عملية نوعية حينها ضد دورية اسرائيلية بالقرب من رمتا، وأدت آنذاك إلى مقتل سبعة جنود للاحتلال، واستشهاد المقاوم محمد الحجيري·

وقد جاء هذا الهجوم للمقاومة في وقت كانت فيه قوات الاحتلال تنسحب من الجنوب كتأكيد مبدئي على استمرار عملياتها في حال تواصل واستمر احتلالها للمزارع، ثم تعاقبت العمليات وإن بوتيرة متفاوتة·

وسجل العام 2001 سلسلة من عمليات المقاومة الناجحة التي جعلت العدو الصهيوني يتذكر ماضيه في جنوب لبنان ويعيش في مأزق جديد··

أبرز عمليات المقاومة في مزارع شبعا

  •  أول عملية نفذتها المقاومة في مزارع شبعا، كانت يوم الأحد في 20 أيار 2000 حين قصفت "المقاومة الإسلامية" مواقع إسرائيلية في المزارع، وهو الأول منذ العام 1989 ·

  •  7 تشرين الأول 2000: المقاومة تنفذ عملية نوعية في منطقة مزارع شبعا، وتأسر 3 جنود اسرائيليين، وتطلق مبادرة لتبادل الأسرى·

  •  15 تشرين الثاني 2000: المقاومة تنفذ عملية نوعية في منطقة مزارع شبعا، واصابة 7 جنود إسرائيليين·

  •  26 منه: المقاومة تهاجم دورية إسرائيلية في مزارع شبعا، و"إسرائيل" ترد بغارات جوية·

  •  16 شباط 2001: المقاومة تنفذ عملية ضد دورية إسرائيلية في مزارع شبعا، تؤدي إلى مقتل جندي إسرائيلي، وجرح ثلاثة آخرين·

  •  14 نيسان 2001: المقاومة تنفذ عملية نوعية في مزارع شبعا، تؤدي إلى مقتل جندي إسرائيلي، وجرح آخر·

  •  29 حزيران 2001: المقاومة تنفذ هجوماً على موقعي العدو الصهيوني في رويسات العلم والسماقة، تؤدي إلى جرح جنديين·

  •  22 أيلول 2001: المقاومة قصفت موقع السماقة ورويسات العلم، دون وقوع اصابات·

فهل يقدم العدو على الإنسحاب من الأراضي التي ما زال يحتلها، أم يستمر بالاحتلال؟!

هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة··

  

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic