16 شباط
بين استشهاد الشيخ راغب حرب والسيد عباس الموسوي وتحرير صيدا

اللواء (الأربعاء، 13 شباط / يناير 2002)

هيثم زعيتر

16 شباط 1984: استشهاد الشيخ راغب حرب 

16 شباط 1985: قافلة لقوات الاحتلال الإسرائيلي خلال اندحارها عن مدينة صيدا 

16 شباط 1992: حطام السيارة التي استشهد فيها السيد عباس الموسوي وعائلته

يأتي السادس عشر من شباط كل عام، ليُذَكر الصيداويين والجنوبيين ومعهم كل اللبنانيين بيوم مجيد·· هو يوم تحرير صيدا وجزء كبير من الجنوب اللبناني من الاحتلال الإسرائيلي، الذي تم في العام 1985، حيث اندحر الاحتلال وهو يجر ذيول الخيبة والهزيمة والإنكسار، تماماً مثل موعد 25 أيار من العام 2000، حين تحررت معظم أراضي الجنوب والبقاع الغربي - باستثناء مزارع شبعا، التي ما تزال تحت الأسر والاحتلال··

وشهر شباط من كل عام يحمل الكثير من الذكريات للجنوبيين، الذين قدموا عظيم التضحيات من شهداء وجرحى وأسرى، من أجل تحقيق ذاتهم وتحرير الأرض ودحر الاحتلال··

ففي هذا الشهر تعبق رائحة الإنتصار والشهادة:
- ففي 16 شباط من العام 1984: استشهد شيخ شهداء المقاومة الشيخ راغب حرب··
- وفي 16 شباط من العام 1992: استشهد سيد شهداء المقاومة السيد عباس الموسوي··
- وبينهما في 16 شباط من العام 1985: كانت بداية ثمرة الإنتصار وتحقيق المسيرة، إذ اندحر العدو الصهيوني عن "عاصمة الجنوب" صيدا وجزء كبير من الأراضي التي احتلها في اجتياحه للبنان في حزيران من العام 1982 ··

وقد شكل 16 شباط 1985 علامة فارقة بين: اليأس الذي تركه الاحتلال·· وبداية تحقيق المسيرة والإنتصار نتيجة عمليات المقاومة، التي اشتدت وقويت وتصاعدت لتطال العدو في مواقعه وحصونه، وصولاً إلى اندحاره في 25 أيار 2000 ·

لهذا سيبقى شهر شباط يعني الكثير للجنوبيين خاصة، واللبنانيين عامة··· وسيبقى خالداً في التاريخ اللبناني الحديث، ويكتب بأحرف من نور أن مدينة صيدا، كانت شعلة لانطلاقة المقاومة رغم كل اعتداءات العدو وإرهابه، ورغم كل قوته وآلته العسكرية، إذ لم يستطع البقاء فيها أكثر من عامين ونيف، عاش خلالها ضباط وجنود العدو في مواجهات يومية عسكرية وشعبية، وكان الثمن باهظاً: قتلى وجرحى، في وقت تخضبت فيه أرض عاصمة الجنوب والمقاومة بدماء الشهداء الزكية، التي ما زال أريجها يعطر المكان، وتدوي كلما اشتد خطر الاحتلال واعتداءاته··

هذه الذكرى تحولت إلى محطة سنوية يحرص الصيداويون على احيائها، والتوقف عندها، والتزود من معانيها، لشحن نفوسهم على المزيد من العزيمة والتصميم والإصرار على هزيمة العدو، وصولاً إلى التحرير الكامل واستعادة مزارع شبعا، واطلاق سراح الأسرى والمعتقلين اللبنانيين من سجون العدو··

تطورات متسارعة

ذكرى تحرير صيدا ومنطقتها من الاحتلال الإسرائيلي هذا العام تختلف عن سابقاتها في خضم التطورات الدولية المتسارعة، حيث تواصل الولايات المتحدة الأميركية حربها ضد ما تسميه "الإرهاب" في دول متعددة من العالم، بينما تتسارع الضغوط الأميركية - الإسرائيلية في محاولة لوصف المقاومة المشروعة بأنها إرهاب··

لم يرق للعدو الصهيوني أن يرى لبنان ينتصر بمقاومته ومواقفه الرسمية، فسعى بشتى الوسائل إلى الإقتصاص منه وتعكير صفو أمنه واستقراره، فاستغل ما جرى في الولايات المتحدة الأميركية من أحداث في 11 أيلول 2001، وبدأ يروج أن المقاومة في لبنان إرهاب وتجب محاربتها، فتوالت الضغوط على لبنان سياسياً واقتصادياً وأمنياً، ولكن دون جدوى·

المقاومة وجدت نفسها أمام مفصل هام بعد التغير العالمي الجديد، فحاولت التأكيد مراراً أنها بمنأى عن تداعيات ما جرى، ونفذت سلسلة عمليات في مزارع شبعا المحتلة، حيث أثبتت مجدداً قدرتها على قراءة الواقع، وانها مصممة على مواصلة خيارها حتى تحرير ما تبقى من أراضٍ لبنانية محتلة في مزارع شبعا بعيداً عن أي ضغوطات دولية··

مزارع شبعا

وقضية مزارع شبعا باتت ثابتة في السياسة الرسمية اللبنانية ولدى المقاومة، فهي في كل الأحوال مناطق عربية ويجب خروج الاحتلال منها، وتؤكد الوثائق أنها لبنانية، وباعتراف سوري رسمي من خلال رسالة وجهت إلى الأمم المتحدة·

كما أن عملية ترسيم الحدود ووفق اعتراف الموفد الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى الشرق الأوسط تيري رود لارسن مسؤولية البلدين، ولبنان تحفظ على الترسيم، وأكد أكثر من مرة أنها لبنانية·

كذلك، فإن الخرائط اللبنانية ومنها خريطة ممهورة بالختم الأميركي كان قد قدمها الرئيس نبيه بري إلى الرئيس الدكتور سليم الحص بتاريخ 18 أيار 2000 ·

كما أن اصرار قوات الاحتلال الإسرائيلي على البقاء في المزارع ليس بهدف كسب المزيد من الأرض أو استغلالها، انما يهدف إلى ابقاء بؤرة مفتوحة للتوتر مع لبنان، وصولاً إلى ضرب وتفتيت المقاومة اللبنانية التي تجلت بأبهى صورها بالتفاف الشعب اللبناني بجميع أبنائه وفئاته وأحزابه حول قيادته وجيشه، ومن ثم ضرب وحدة المسارين السوري واللبناني ظناً منها أن ما يربط لبنان وسوريا هو كالرابط بين الكيان الصهيوني وأميركا القائم على المال والسلاح·

وقد أبدت مصادر سياسية في الجنوب خشيتها من هذه الأهداف، حيث تتعاظم الضغوط على لبنان، وتزداد المزاعم الإسرائيلية ضد لبنان، وهي تخفي في طياتها مخططاً عدوانياً لاستغلال الظروف الدولية الراهنة والدعم الأميركي اللامحدود، مؤكدة أن المقاومة جاهزة للرد ومواجهة أي اعتداء محتمل وأن أي عدوان عسكري إسرائيلي لن يكون نزهة، وانما سيدفع رئيس وزراء العدو ارييل شارون ثمنه باهظاً جداً، وأن الصواريخ التي تحدث عنها وزير الدفاع الإسرائيلي بن اليعازر ووزير الخارجية شيمون بيريز في واشنطن "إذا ما وجدت فإنها لن توفر تل ابيب وستحول المستوطنات إلى كومة من الركام والخراب"·

مقاومة لا ارهاب

وتقول مصادر جنوبية "أن الوضع كله على المحك، إذ يجب التمييز بين المقاومة المشروعة لأي بلد احتلت أرضه وفق القوانين الدولية، وبين الإرهاب الذي هو عمل مُدان من الجميع، ولكن محاربة المقاومة تحت شعار القضاء على الإرهاب لن ينطلي على أحد، وبات المجتمع الدولي قادراً على التمييز بينهما، وكذلك الشعوب التي تنتظر احقاق الحق وإلا سيكون العالم بمجمله محكوماً بمفاهيم مختلفة، ولا تتوافق مع المنطق، وانما مع مصالح القطب الواحد"·

ولكن تبقى الآمال الكبيرة معقودة هذه المرة على عقد القمة العربية في لبنان نهاية شهر آذار المقبل، لأنها وللمرة الأولى تعقد بعد أحداث 11 أيلول، وأمامها مواضيع جسام لاتخاذ قرارات حاسمة فيها، وفي مقدمها على الإطلاق: ضرورة التمييز بين المقاومة المشروعة والإرهاب، ثم دعم "إنتفاضة الأقصى" الفلسطينية المستمرة في الأراضي المحتلة، وصولاً إلى تحقيق أهداف الشعب الفلسطيني في الحرية والإستقلال، واقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف·

أمام هذه المحطة الهامة يجد لبنان نفسه ليس وحيداً أو مُستفرداً، رغم ثقل الضغوط الدولية المتصاعدة، ولا سيما منها الأميركية عليه لوقف المقاومة وتجريدها من السلاح، ونشر الجيش اللبناني في الجنوب وعند الحدود، وصولاً إلى حماية أمن الكيان الصهيوني، ذلك أن المنطقة برمتها على المحك وأمام مخاص عسير ينبغي فيه مواجهة التحديات واتخاذ قرارات حاسمة، وخاصة في ظل استمرار الانتفاضة الفلسطينية والإرهاب الإسرائيلي المنظم ضد ابناء الشعب الفلسطيني، إذ لم يعد جائزاً وصف الانتفاضة والمقاومة بأنها ارهاب، بينما "إسرائيل" تمارس الإرهاب المنظم دون أي محاسبة أو عقاب·

وتعتقد مصادر سياسية أن شارون اليوم مكبل بالقيود رغم كل مظاهر القوة، ذلك أن الفرصة والمهلة التي أعطتها له الولايات المتحدة الأميركية منذ توليه الحكم في "إسرائيل" وهي مئة يوم انتهت، ولم تنتهِ الانتفاضة، وزيارته الأخيرة إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأميركي جورج بوش مع الذكرى السنوية الأولى لانتخابه، جاءت لتؤكد ضرورة تغيير نهجه العدواني بما يفسح في المجال أمام فرص جديدة للسلام، وعدم تجاوز الخطوط الحمر في تدمير السلطة الوطنية الفلسطينية، أو اغتيال الرئيس ياسر عرفات أو طرده من أراضي السلطة·

اعتداءات ميدانية

وميدانياً، فقد واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاتها وقامت باطلاق النار باتجاه جبل سدانة وأطراف بركة النقار وبركة بعثائيل وباب الهوا في خراج بلدة كفرشوبا·

بينما واصل الطيران الحربي الإسرائيلي خرق الأجواء اللبنانية، في وقت تصدت فيه المضادات الأرضية التابعة للمقاومة لهذه الطائرات، مما أدى إلى دخول سكان المستوطنات الإسرائيلية القريبة من الحدود اللبنانية إلى الملاجئ·

وأقدمت دورية إسرائيلية على ارهاب ومنع عدد من المزارعين اللبنانيين من التواجد في حقولهم الزراعية في سهل الخيام المحاذي لأراضي المطلة في فلسطين المحتلة، حيث روى المزارعون أنهم كانوا يرعون قطيعاً من البقر والمواشي في أراضيهم في سهل الخيام حين حضرت دورية إسرائيلية في سيارتي "هامر"، وترجل منها خمسة جنود إسرائيليون وصوبوا أسلحتهم الرشاشة باتجاههم مهددين بإطلاق النار عليهم وقطيعهم إذا لم يتركوا المنطقة·

هذا، وباشرت قوات الاحتلال بإقامة ساتر حديدي عند الجهة الغربية للطريق العسكرية التي تربط الجهة الشرقية لبلدة العباسية بموقع فشكول، وذلك بطول حوالى كلم ونصف كلم، وبارتفاع ستة أمتار، بهدف حماية الآليات العسكرية التي تسلك هذه الطريق من نيران المقاومة المباشرة·

وتنجز هذا الساتر ورشة مؤلفة من 15 جندياً مزودين برافعات كبيرة ومعدات كهربائية، بينما تعمل ورشة ثانية على استحداث دشم وسواتر ترابية في محيط مربض المدفعية الإسرائيلية في وادي المغر، الذي أدخلت إليه قوات الاحتلال بطارية مدفعية من عيار 175 ملم وراداراً متنقلاً·

مشكلة الألغام

وتبقى مشكلة الألغام التي زرعتها قوات الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب خلال فترة احتلالها عالقة، وقد حذَّر قائد قوات الطوارئ الدولية العاملة في الجنوب الجنرال لاليت موهان تيواري من "خطورة هذه المشكلة التي تهدد 28 قرية وأكثر من 90 ألف مواطن" مناشداً المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة تقديم يد المساعدة من أجل سلامة الشعب في الجنوب·

وأوضح تيواري "أن المعلومات تشير إلى وجود 389 ألف لغم، وأن "الجيش الإسرائيلي قدم معلومات في أيار من العام 2000 عن حوالى 76563 لغماً و288 جسماً مفخخاً و55 ألفاً منها مزروعة على طول الخط الأزرق، والـ 22 الباقية موجودة في عمق المناطق، وأن القوات الدولية حصلت فيما بعد على معلومات ووثائق اضافية حول الألغام والأجسام المفخخة سلمت فوراً إلى الجيش اللبناني"·

ووفق المعلومات، فإن قوات الطوارئ تسلمت في كانون الأول 2001 معلومات تخص ما مجموعه 389000 لغم و343 جسماً مفخخاً، اضافة إلى معلومات أخرى حول حقول اضافية مشتبه بها من غير مصادر قوات الاحتلال الإسرائيلي، فيما تسلمت رسمياً من "إسرائيل" معلومات حول 77 ألف لغم فقط"·

وحسب المعلومات فإن 95% من مجموع الألغام أي حوالى 367 ألف لغم تقع على طول الخط الأزرق، وتصل إلى عمق المناطق الجنوبية بحوالى بضعة كيلومترات، فيما الألغام الواقعة على طول الخط الأزرق وبمحاذاته من شأنها أن تؤثر على 28 قرية يقطنها أكثر من 90 الف مواطن·

وترى مصادر "قوات الطوارئ الدولية" أن ثمة مشكلة مستعصية في ازالة جميع الألغام دون أن يكون بحوزتها الخرائط الكاملة مما يتطلب تدخل المجتمع الدولي لازالة هذه الألغام، وتالياً مشكلة لبنان المستعصية التي تهدد حياة المواطنين بالموت لأن الألغام "قاتل صامت"·

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic