مجالس الأدب في جبل عامل..
شعراء أسرة

السفير (الجمعة، 16 آذار / مارس 2002)

محمد الحجيري

الشيخ علي الزين

الشيخ علي الزين

     قبل العصر الذهبي الاخير لمجلس العلماء العامليين الكبار (1860 1910) ذكر المؤرخ حسن الأمين مجلسين سبقا هذا العصر: مجلس الشيخ محمد علي عز الدين في حناويه، ومجلس الشيخ عبد الله نعمة في جباع، ومشايخ العصر الذهبي الأخير للمجالس بحسب المؤرخ حسن الأمين (نجل السيد محسن الأمين)، هم ثلاثة: الشيخ موسى شرارة في بنت جبيل (1850 1886) الشيخ حسن يوسف (1843 1905) في النبطية، والسيد علي محمود الأمين (1859 1909) في شقرا، حاضرة في الناحية الاخرى في بلاد بشارة. بعد العصر الذهبي هذا اندرج جبل عامل في دولة لبنان الكبير، كان هذا هو النذير في بدء التحول في النسيج الثقافي، وبداية لأفول الرابطة العاملية، وظهور جديد “جنوبي” وثيق الصلة بنشوء الوطن اللبناني. ولم يكن هذا إلا من قرائن اضطراب العاملية وثقافتها وذهاب التعليم الديني الى النضوب.

فأنجال السيد محسن الأمين، وهو من “شيوخ العلماء”، ليس بينهم رجل دين واحد، اي من هم معتم بعمامة، وقد يكون هذا مرتبطا بالسيد محسن الامين واعتداله.

فهو وضع الحجر الأساس لبناء مدرسة البنات في دمشق، لأنه كان يدرك ان المرأة الجاهلة لم يعد لها مكان في هذا العصر.. وفي الوقت الذي كانت فيه مواكب العزاء في العراق وغيره صورة من صور الدعاية السيئة للقضية الكبرى (الحسين)، كان السيد الامين بنشر رسالة “التنزيه” ويبرئ القضية والدين من العمل الهمجي والاسلوب الغوغائي، وكان يعرف ما ينتظر الرسالة من الغوغاء وقادتهم.

حسن محسن الأمين

حسن محسن الأمين

فلم يكن غريبا ان يذهب أنجال السيد الامين الى التمدين، فدرس حسن الأمين في مدرسة حكومية مدنية بشقرا، على يدي “اول معلم حكومي، عيّن لمدرسة شقرا، بعد انتهاء الحرب العالمية الاولى”، وحط حسن الأمين قاضيا في مدينة النبطية. ويكتب هاشم الأمين معللا التردد الذي صبغ موقف والده في صدد تنشئة اولاده فيقول: “كان التخبط لتنشئتنا استمرارا لما درج عليه الآباء والأجداد قبلنا وكان الواقع الاجتماعي الجديد انعطافا في طريق اخرى، الى غاية اخرى، حتى اذا ذهب هاشم، ابن الثلاث عشرة سنة، الى النجف ليطلب علوم الدين، ألفى نفسه ابعد شيء عن هذا المحيط الجديد بكل ما فيه من اوضاع وعادات اجتماعية وبرامج واصطلاحات ثقافية فرجع الى بلده ولم يكن مضى على اقامته بالنجف غير عام واحد ولسان حاله: “لا كان الفقه ولا مقدماته”. وفي النجف كانت تعمر مجالس الأدب والشعر، شأن مدارس التعليم الديني، والمجالس الحسينية. ولما كانت لغة النجفيين الأدبية هي لغة كتب الفقه والنحو والمنطق المقررة في التدريس، فلا عجب إذا جاءت مجالس الشعر النجفي “عامرة (..) بالتهاني والرثاء، وأمثالها من المناسبات”، ويروي هاشم الأمين في سيرته “الحزب والخيبة” المنشورة في جريدة “السفير” منذ سنوات انه بعد هذا بدأت القصائد “على الطريقة السلفية، بالغزل والنسيب او الحكمة والموعظة، ثم التخلص الى الموضوع المقصود” فكان احد ابرز سبل الاحتجاج على التقاليد النجفية الدينية، والانسلاخ عنها الى التجديد وربما التحديث، ونظم الشعر بما يتناسب مع نوازع الذات والحالة. فنظم من تسموا باسم “الشبيبة العاملية” شعرا في “السياسة والوطنيات والاجتماعيات” كما يذكرها هاشم الامين الذين لم يعتمّ ولم يتابع الدروس الدينية، وانضم الى الحزب الشيوعي، وتركه بعد خلاف على موقف الحزب من القضية الفلسطينية وكان عيّن عضوا في اللجنة المركزية (من غير ان يدري). وكان الحزب يومها “في سوريا ولبنان” قبل ان يغدو حزبين: سورياً ولبنانياً، بعد الاستقلال ببضعة اعوام. 

وكان هاشم الأمين من “الشبيبة العاملية” المذكورة وهي عصبة من الأدباء الذين يولون الكلام مشاعرهم ورغباتهم، ويعالجون المسائل والمشكلات الجديدة الناجمة عن العلائق الوثيقة والمتعاظمة مع اوروبا، المحل الاول.

كذلك كانوا من اوائل من اختبر نحواً من الحياة السياسية مختلفاً عن النحو الذي جرت عليه المجتمعات العربية قبل العقد الثالث او الرابع من القرن العشرين. فعاصروا استقلال الفئات الاجتماعية المتوسطة عامة، وعمدوا الى الكتابة في الصحف، والى بث آرائهم وأفكارهم، والدعوة إليها، من طريق الخطابة والاجتماع والتظاهر.

فلم يكد هاشم الامين يصل الى النجف حتى كتب قصيدة “وطنية” أرسلها الى العرفان بتوقيع “تلميذ عاملي” وأتبعها بموشح بعث به الى مجلة المعرض التي كان يصدرها ميشال زكور ببيروت.

أما النجل الثالث للعلامة الأمين، عبد المطلب، فأجيز في الحقوق وتولى القضاء، قبل ان ينتقل الى المحاماة والصحافة والوظيفة. وعلى نحو ما كان دخول هاشم الأمين الحزب الشيوعي في سوريا ولبنان علامة على انفصال الشاعر عن الفكر والثقافة السابقة شرب عبد المطلب محسن الأمين الخمرة، وجهر بالأمر شعرا. على ان وظيفته الدبلوماسية في فترة من الفترات كانت عوناً على رؤية العالم، كما كانت ثقافته عونا له على المقارنة بين الفكر الاوروبي والفكر العربي، ولما عاد من موسكو طلبت منه احدى الكليات في جامعة بغداد ان يلقي محاضرة على والطلاب فأجاب الطلب، وألقى محاضرة “عن المرأة في السويد”.

وهو كتب الشعر عن أحداث (الوطن، والعالم، والتاريخ) كما يعبّر حسين مروة في مقدمته لديوانه.

منه كتب عن صاحب “نهج البلاغة”:
شرف المناصب أن تطأطئ للذي للشعب طأطأ رأسه مختارا

ومنه كتب عن دمشق الأم: 
ثغر الشآم أعز في عرف الهوى من ان ينال تحديا وتعمدا
ثغر الشآم لقبلة معطاءة كفم الحبيبة عابقا وموردا

ومنه كتب عن اختلال الموازين في مجتمعاتنا العربية:
".." وروائح البترول تزكم انف كل الانبياء
تطفى على نتن الجريمة في دهاليز الثراء
يا شعب جرحك في يديك، وبين كفيك الدواء

ومنه كتب قصيدته التاريخية عن حسني الزعيم “يرثي” فيه “طاغية وكل طاغية”.

بقي الشعر هذا الملجأ الوحيد في الغالب لتفجر طاقاته، يأتي من منبع طاقاته الفكرية.
 

     هجاء 

أما جعفر الامين فهو النجل الرابع للسيد محسن الأمين، كان يلقب بحطيئة العصر، وهو من الادباء الذين عمروا سوق الأدب في الخمسينيات من القرن الماضي، وله بين إخوانه صولات وجولات كانت ولما تزل حديث العامليين لا سيما القصائد التي تبادلها مع الأديب نور الدين بدر الدين، فلكم عقدت على هذه القصائد الحلقات والمجالس المرحة في النبطية احدى حواضر جبل عامل وغيرها، وتناقلها الناس. وهو الى ذلك كثير الاصدقاء. إذا جلس التف حوله المعجبون بأدبه وشعره وفكاهته ونوادره يصور عيوب الآخرين ويصور عيوبه، يهجو نفسه قبل غيره وكأنه حطيئة العرب: 

نصفي الى الزنار في صرمايتي وبداخل الطربوش نصفي الثاني

اذا ذكر الثراء نفضت جيبي وإن ذكر الجمال خفضت رأسي

حياتي كلها شؤم بشؤم وحظي حظ خفاش وبوم

ولما كان حسن بيطار المعروف (بأبو معن) من النبطية كان قد طلب امارة الشعر لنفسه بعد وفاة امير الشعراء شوقي فبايعه الشعراء الذين هم على شاكلته فأرسل له السيد جعفر المبايعة بأبيات منها:

ابا معن لقد اصبحت فخرا لأهل الشعر في المعمور اجمع
فما من بلدة في الارض إلا ونجمك في سماها بات يسطع (...)
فكنت كحصرم في عين خصم وفي ظهر الحسود شكلت اصبع
ونلت إمارة الشعراء طراً وصرت لهم مدى الايام مرجع

كان الهجاء يزيد من حماسة المتلقين للشعر، او هو نوع من التشفي الذاتي، صار سائدا بين شعراء آل الأمين، “ففتى الجبل” عبد الرؤوف الأمين، لما كان بعض زملائه في وزارة الشؤون على صلة ببعض امراء الخليج وكانوا يطلبون منه من حين لآخر أبيات مدح يستقبلون بها هؤلاء الامراء يوم كانوا يفدون الى لبنان للاصطياف فيه كان يرفض لهم ذلك. ولما اصر عليه احد زملائه، وقد طلب منه ابياتا في الشيخ شخبوط، اجابه بهذين البيتين:

تبا لأموال شخبوط وإن كثرت لا بارك الله في اموال شخبوط
وهو الحريص عليها ليس ينفقها إلاعلى فاسد مِ الناس أو لوطي

فعاد الزميل وأصر عليه، فأجابه:

تعاليت تعطيها لشخبوط نعمة من المال ما تكفي لمليون جائعِ
وتمنعها عن عبقري وعالم ومن ملهم عذب المقالة رائعِ
الا إنها يا رب حكمة قادرٍ يقصر عن إدراكها كل سامعِ

(وشخبوط (هو الشيخ)، احد حكام امارة ابو ظبي في الخليج العربي، اشتهر بعدم ثقته بالمصارف وكان يضع امواله في فراشه).

على ان شعر “فتى الجبل” يدور حول معظم اغراض الشعر، ففيه الغزل والسياسة والاجتماع والرثاء والمديح والهجاء والفخر والإخوانيات والتأمل في الحياة والموت، هناك في شعره نوع بين الغزل والشعر السياسي. وإضافة الى هذا ففتى الجبل كان على صلة وثيقة بالأسرة الهاشمية ابتداءً بالشريف حسين وانتهاءً بفيصل الثاني وكان لا يزال طفلا وعليه وصاية الأمير عبد الإله بن علي، وهو خصص ديوان “صقور قريش” في مديحهم دون البيوت الاخرى، وأعاد هيثم الأمين (نجله) تحقيق ديوانه ونشر وهو يضم “العواطف الثائرة” و”صقور قريش”.

من خلال قراءة أشعار آل الأمين المتناثرة، قد يكون السؤال أين التراث العاملي؟!!
 

     عزلات

في مستهل حديث مع حسين مروة كان أجراه عباس بيضون ونشره في كتيب عنوانه “ولدت شيخاً وأموت طفلاً” (دار الفارابي 1990) قال عباس ان ما يمكن تسميته تراث جبل عامل “لا يبقى” منه سوى شطر شارد وحكاية على مصطبة، ينساها الناس ما ان تغدو (مدينة) صور خلفهم، يستقبلون البحر والطريق الى العاصمة. فموسى الزين شرارة “لم يجمع أشعاره في كتاب (...) وفرفط عبد المطلب الأمين أشعاره على حانات فرفط فيها عمره، وأسلمت هاشم الأمين عزلته الى عزلات.

لم نكتب عن آل الأمين جميعهم، فهناك اسماء وأسماء متناثرة من الشعراء، قلنا غيض من فيض من احوال الشعر في عائلة وهذا بالتالي يشكل مرآة من مرايا مجتمع كان يحضر الشعر في نسيجه ومجالس أهله حضور التلفزيون في المنازل. او بالاحرى يمكن القول ان مجالس الأدب هي سوق عكاظ عاملية/ جنوبية، وبالتالي انطوى زمن العاملية، ليحل محله زمن الجنوبية، وذهبت ايام المجالس الشعرية الاقرب الى الدينية لتزدهر في فترات الندوات الشعرية المدينية، في الجامعات او المدارس، خاصة مع سطوع نجم “شعراء الجنوب” وتزامن هذا مع الحرب الاهلية. 

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic