كفرشوبا لا تنحني برغم الإهمال والاحتلال
لا مواسم زراعية والبلدية تشكو الضائقة المالية

السفير (الخميس، 4 نيسان / أبريل 2002)

طارق ابو حمدان

كفرشوبا

يلعبون بالكرة في الشارع الرئيسي لكفرشوبا أمس

تبدو كفرشوبا اليوم، كما بالأمس، هي البداية والنهاية. في تلالها بدأت مسيرة العمل الفدائي العربي والفلسطيني في نهاية الستينيات وفي التلال نفسها تنطلق معادلة تجعل المقاومة اللبنانية أكثر من وسيلة لتحرير تلك المناطق التي ما تزال قيد الاحتلال وهي لبنانية بامتياز، أي معادلة ربط معركة فلسطين بآخر جبهة عربية مفتوحة في جنوب لبنان. 

كفرشوبا هي بوابة المقاومة نحو “المزارع” والتلال اللبنانية المحتلة وهي خط التماس مع فلسطين وأهلها ما زالوا على “جبلتهم” وهم ما بدلوا في خياراتهم وإرتباطهم بأرضهم التي تتجاوز تلك الأراضي الزراعية التي ما زالت قيد الاحتلال منذ أكثر من ثلاثين عاما. 

كفرشوبا يوميا تحت نيران الاحتلال، لا بل انها أضحت “فشة خلق” فالقذائف الإسرائيلية لم تعد حصرا بالأطراف كما تحدد وسائل الاعلام في سياق تقديمها للخبر الميداني في العرقوب، بل طالت في اليومين الماضيين عمق البلدة وسقط جرحى وكاد يكون هناك ضحايا، خاصة وان البلدة تفتقر الى الحد الأدنى من مقومات الوقوف راسخة في هذا الخيار. يكفي هنا ان تتردد صرخة الأهالي مناشدين المعنيين في الدولة او على مستوى الأحزاب والهيئات الأهلية، للمبادرة سريعا الى ارسال سيارة اسعاف مجهزة لنقل الجرحى طالما ان خيار المقاومة “لا تراجع عنه” كما يقول أحد المعممين من رجال الدين في البلدة. 

ويشير أحد وجهاء كفرشوبا الى انه من المعيب ان لا تكون هناك سيارة اسعاف بتصرف الأهالي (وليس بعض الاشخاص) كما على الدولة ان تبادر الى فتح المستوصف الذي يحتاج الى تجهيزه بغرفة عمليات واسعافات أولية وتفريغ كادر طبي وتمريضي له ليقوم بواجباته ولو بالحد الأدنى. 

لا أوجاع في كفرشوبا من جراء الاعتداءات الإسرائيلية بل من الاهمال الرسمي المزمن الذي يجعل الناس بدون حزام أمان خدماتي واجتماعي كما يقول رئيس البلدية عزات القادري معددا وجوه التناسي فالبلدة تفتقد الى ملجأ وتئن تحت نار فواتير الكهرباء والمياه والمسقفات والرسوم على أنواعها “وعبثا نراجع لأن لا أحد يجيب”. 

وتعاني البلدية يقول أبو محمد قصب من شح الموارد المالية في صندوقها، فقد أتى المجلس البلدي الجديد ليجد الصندوق خاويا نهائيا وجاء قرار وزارة الداخلية بمنع التوظيف “ليجعل البلدية وكأنها لم تكن حتى الآن”. 

والجدير ذكره ان القسم الأكبر من أراضي كفرشوبا الزراعية ما يزال تحت الاحتلال منذ وقوع “رويسة العلم” (كانت تدعى “قاعدة التحدي”) أسيرة في العام 1972 وتوسع الاحتلال تدريجيا ليشمل 15 ألف دونم من الأراضي الزراعية الخصبة، فضلا عن حوالى 30 ألف دونم هي أرض محروقة وتحت مرمى النيران وقد حرم أصحابها من الوصول اليها كما يقول أحمد ذياب مشيرا الى انه لم تبق سوى مساحة10 بالمئة من الأراضي الزراعية التي تستثمرها قلة من المزارعين، بينما كان يعتاش من هذا القطاع أكثر من 95 بالمئة من سكان البلدة سابقا “فأقل مزارع كان بيدره يعطيه حوالى مائة “مد” من القمح أما اليوم فأرضنا محتلة وانتهت المواسم وتربية المواشي ولم تعد كفرشوبا مقصد الباحثين عن الانتاج الزراعي الجيد. 

ويوضح أحد الرعيان السابقين انه اضطر الى بيع قطيعه مؤخرا بعد ان سدت السبل بوجهه فالبلدة تعتاش من الزراعة والماشية وقد ضرب هذان المصدران فقضي على المجتمع الزراعي الرعوي ولم يبق في كفرشوبا حاليا سوى عدد قليل من رعاة الماشية لا يتجاوز عددهم الثلاثة. 

وتستعيد احدى سيدات كفرشوبا ما جرى خلال الغارات الإسرائيلية التي استهدفت البلدة يوم السبت الفائت “فقد تزامن انتهاء الغارات مع قطع التيار الكهربائي وعندما راجع الأهالي المعنيين لاصلاح العطل تبلغوا ان لا أعطال جراء القصف بل هناك برنامج جديد للتقنين الكهربائي في كفرشوبا. وتقول متهكمة: احدى الهيئات المعنية رفضت مد مزرعة شانوح بالتيار الكهربائي بينما قامت بتمديد شبكة كهربائية وهمية لاحدى القرى المجاورة وتبين ان المقصود فقط تزويد احدى محطات البنزين بالكهرباء! 

بعد التحرير، جاء مجلس الجنوب الى كفرشوبا ليعوض على الأهالي عن أضرار المنازل والمحلات ورغم الاعتراضات على الكشوفات وعدم اكتمال الدفعات وفقدان الرصيد المالي للمجلس في بعض الأحيان لاعتبارات سياسية ومالية، فإن أغلبية الأهالي يقول أبو بلال كانوا يأملون التعويض على اضرارهم الزراعية وجاءهم الجواب ان ذلك ليس من صلاحية مجلس الجنوب بل من صلاحية الهيئة العليا للاغاثة وعندما رفع الأمر للمعنيين ردوا بالوعود تلو الوعود “لكننا لم نجد لا هيئة لا عليا ولا أية اغاثة حتى الآن”. ويقول عضو في المجلس البلدي ان مجلس الجنوب عوض للبيوت المهدمة (دفعتان أولى وثانية فقط) أما البيوت المصدعة والمتضررة فلم تحصل على أية دفعة حتى الآن. 

وقد شكل أهالي كفرشوبا قبل فترة لجنة تولت مسح الخسائر الزراعية إبان فترة الاحتلال منذ العام 1978 وقبلها الأراضي التي احتلت عام 1972 وذلك حتى التحرير وتبين ان الأهالي تكبدوا خسائر بحدود 250مليار ليرة عن مواسم القمح والشعير والعدس وزيت الزيتون وهي أرقام تتصاعد في ظل استمرار معظم الأراضي الزراعية اما محتلة او محروقة. 

ويقول عضو المجلس البلدي (مسؤول اللجنة الاعلامية) حسين عبد العال: الصمود مهم جدا ولكن ليس في ظل أحوال معيشية متردية بالأساس. لقد هددنا باللجوء الى السلبية مرارا لا بل نحن نفكر باعلان العصيان المدني ضد هجمة الضرائب والاهمال وكأن هناك من يريد ان يعاقب كفرشوبا على الموقع الجغرافي والسياسي الذي شاءت الظروف ان تكون في قلبه. 

ويقترح عدد من أعضاء المجلس البلدي صياغة موقف قوامه دعوة الأهالي الى التوقف عن دفع الفواتير الى حين تبادر الدولة في التعويض على الأهالي حرمانهم التاريخي وخسائرهم الزراعية المتمادية والمستمرة. 

وكأن نار الاحتلال والاهمال لا تكفي، حتى جاءت العواصف الثلجية المتكررة هذه السنة لتقضي على ما تبقى من مواسم زراعية ولا سيما أشجار الزيتون التي عاثت فيها العواصف تكسيرا وتحطيما وكالعادة تم تشكيل لجنة بلدية أحصت الخسائر ورفعتها الى المعنيين وبقيت الأرقام موضوعة في الادراج.

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic