احتفالية "حاصر حصارك"
اسم فلسطين بأكثر من 20 ألف ذاكرة وفم

السفير (الإثنين، 15 نيسان / أبريل 2002)

عباس بيضون

علم فلسطين يرفرف بين الحشود التي شاركت في يوم فلسطين في لبنان

     “هدوء نسبي” بالقياس الى الأكثر من العشرين ألفا الذين ملأوا مدرجات المدينة الرياضية. هدوء نسبي. فالأحزاب التي حضرت براياتها ضاعت أيضا في البلوكات الزرقاء وانتحى اعضاؤها في أركان منها ينتظرون مع الجمهور أن تبدأ الأمسية. فالحشد الكبير كان يتعرف على نفسه وعلى المكان وينتظر ان تمتلئ على مهل وقطرة قطرة البلوكات التي ما زال قسم منها لم يكتسِ تماما بالحضور البشري. كان يمكن أن نجد الرايات الحمراء الشيوعية في بلوك. وفي آخر عدد أصغر من رايات الزوبعة السورية القومية الاجتماعية. وعدد أقل من أعلام “المرابطون”. بالإضافة الى رايات الحزب الاشتراكي التي تنتشر في البلوكات كلها وتشكل رقعا لونية متزايدة. أما الرايات التي لا يلبث المرء ان يفتقدها فهي الرايات الفلسطينية. بضعة أعلام فرادى حملت صورة ياسر عرفات وجنبها المسجد الأقصى. وفي غير ذلك لم نسمع إلا في القليل هتافا فلسطينيا بحتا وقلما، رأينا راية فلسطينية اللهم إلا علم فلسطين الذي كان مع الكوفية السوداء المذيلة بألوان العلم الفلسطيني بين أيدي الجميع. 

كانت هناك تلك الموازنة القلقة بين البلوكات الملأى والبلوكات الزرقاء الفارغة وتلك التي تزداد فيها الرقعة الممتلئة داخل الزرقة الجرداء. موازنة استحكمت بالجميع فالتحدي كان في جانب منه عدديا. أمسية شعرية في المدينة الرياضية هي بحق مشروع خيالي وما كان يمكن ان يخطر لولا نزوع ملحّ الى اجتراح شيء ضخم وغير مسبوق من اللحظة الحاضرة الى امتحان الحد الأقصى والمضي في مخاطره بأحجام عملاقة. كانت العين على البلوكات الزرقاء التي كان لها إذا استعرنا من محمود درويش “نظافة العدم”. اقترب الوقت وحان الوقت ومضى الوقت وهي تمتلئ ببطء. نصف امتلاء. ربع امتلاء، ثلثا امتلاء. دائما هذا النقص المقلق والمساحات الجرداء. لكن العشرين ألفا وأكثر التي تحت المشتهى بدت في انتظارها رائقة متريثة وكأنها ترتقب اكتمالها. بدت قوة سلبية ما لبثت ان تحركت مع بداية الأمسية فغدت هائلة. غدا وجودها بهذا الحجم مثار التحدي الأكبر واللعبة الفعلية. إذ كيف يمكن لجمهور بعشرين ألف ذراع وفم وعين ان يتواصل ويتقابل مع ذلك المنبر القصي الذي بدا في أرض الملعب ضئيلا طيفيا وبدا الذين صعدوه أطيافا بعيدة فوقه ضائعين في المساحة الشاسعة، موجودين كأصوات فحسب، أصوات تملأ جنبات الملعب من دون أي لقاء ممكن مع الوجوه والعيون والقسمات. كان هذا بحد ذاته أساس علاقات متباينة بين المنبر والجمهور إذ غدا صعبا أسر الجمهور في فرجة بعيدة شبه خيالية وإصغاء وحيد فحسب. جمهور جاء ليتظاهر هنا وليُخرج من ذات نفسه وليُعبّر وليندمج في استدعاء طقسي للمواجهة والمقاومة والعنف. الأرجح ان المغامرة كانت في هذه الصلة بجمهور جاء في قدر كبير منه من الشارع والتحرك الشعبي طوال أسبوع وأكثر وهو الآن قادر وغير قادر على ان يبقى قيد أصوات يسمعها ولا يرى أصحابها. فهو يتنقل بين لحظات مختلفة من الهدوء الأقصى والسكون الأقصى الى الانتفاض والهدير والتعبير الجسدي. 

كان واضحا ان مهرجان المدينة الرياضية امتحان متعدد الأوجه، امتحان للشعر ليقترب من الفعل بقوة اللحظة التي بدت ذات سحر يجعلها قادرة على الاجتراح ويجعل الآخرين قادرين على الاجتراح في حضورها. امتحان للجمهور ليحول الإصغاء الى فعل طقسي. ليروّض انفعاله وزخمه ويحوله في لحظات الى إيقاع والى نبض واحد. ذلك طموح يعرف الشاعر فيه ان يتعدى نفسه ويتعدى شعره، ويعرف الساعون إليه انها حمّى لحظة يتحد فيها الحقيقي بالافتراضي والخيالي ويستحيل فيها نزع قشرة الوهم عن الواقع. طموح اللحظة الكاسرة . 

طلال سلمان

طلال سلمان

كلمة الزميل ناشر “السفير” طلال سلمان في تقديم الشاعر تكلمت عن تلاقٍ مع فلسطين “على تخوم الجريمة الإسرائيلية” وعرّفت المدينة الرياضية بأنها المكان “الذي كان هدفا للاجتياح الإسرائيلي صيف 82” بقيادة شارون. وعلى مقربة من “مسرح الجريمة المنظمة التي خطط لها وأشرف عليها شارون شخصيا في مخيمي صبرا وشاتيلا”. كلام سلمان مر على فلسطين بمقاومتها ومخيماتها ومدنها قبل ان ينتهي الى درويش “قيثارة المقاومة وأهزوجة النصر” فلسطين التي هي الرباط المقدس وبغيرها “تتقطع أوصال هذه الدنيا العربية وتلتهمنا الكيانيات والعنصريات والعصبيات”. 

من كلام سلمان يمكننا ان نفهم ان الاحتفال استحضار كامل لفلسطين والنضال الفلسطيني. المكان نفسه يصلح لاستعادة كهذه فهنا وبمخيلة مباشرة نستعيد احتلال الضفة في احتلال بيروت. ومجزرة جنين في مجزرة صبرا وشاتيلا، بل ان الفاعل هو نفسه في العهدين والمكانين: أرييل شارون. الشعر مدعو الى هذا المكان ليكون صوت هذه الاستعادة ودليلها ولسانها. بدأ محمود درويش من المحل ذاته والمقدمة ذاتها “من هنا بدأ حصار بيروت قبل 20 عاما وهنا سال الدم اللبناني والفلسطيني دفاعا عن بيروت وقريبا من هنا ارتكب الغزاة إحدى الجرائم الكبرى في العصر”. ليست المدينة الرياضية هنا بسعتها وضخامتها فحسب انها بلاط الشهداء وعمادة الدم. هنا يمكن اجتراح فلسطين من ذكريات المكان. واجتراح المواجهة الفلسطينية نفسها في مخيمات الضفة ومدنها، وهنا يقف الشاعر ليكون “الوسيط” وسيط هذا الاستحضار والاجتراح. فهم محمود درويش ان عليه ان يكون كذلك لحساب الشعر أو لغير حسابه. فثمة لحظات لا ينفصم فيها الفعل عن الصورة ولا حرج على الشعر فيها ان يكون عزاء وأملاً. 

محمود درويش

محمود درويش

لا أعرف ماذا فكر محمود درويش حين وجد نفسه شبه غير مرئي على هذا المنبر القصي تحت 40 ألف أذن وعين. لكن الأكيد انه لم يكن يخشى على الشعر بقدر ما كان يخشى ان لا يتم التواصل كما يجب ويفوته الاستحضار وتفلت منه اللحظة، التي هي ايضا لحظة التزام عميق وإيجاب عميق ونبل مأسوي الى أبعد حد. روى تلك الطرفة عن شهيد جنين الذي تلفن الى صاحبه طالبا منه ان يروي له نكتة لأنه يجب ان يودع الحياة ضاحكا تلت ذلك فورا قراءة قصيدته: 

على هذه الأرض ما يستحق الحياة 
تردد أبريل، رائحة الخبز في الفجر 
تعويذة امرأة للرجال 
كتابات اسخيلوس 
اول الحب 
عشب على حجر 
امهات يفقن... 
وخوف الغزاة من الذكريات 

لم يكن في هذا الكلام اي نضال،.كان فيه ذلك الشغف العميق بالحياة الذي يعرفه المهددون اكثر من سواهم. لكنه، بقوة اللحظة يعبر عن حق الحياة البسيط والمعذب لاناس لا حدود لآلامهم، اناس هم جسد تلك المسيرة المخوفة التي مر بها شعبه. كانت اللحظة تمنح ابعاداً ماكروسكوبية لكل عبارة ولكل صورة. وكان الكلام في حضورها يغدو حقيقة بل وقوة. لكن ثمة في كلام محمود درويش منحى سجالياً آخر، هو ان يرفع عن النضال الفلسطيني شبهة الموت التي تلحق به، اليوم خاصة، والتي لا تترك بعد مجالا لقول، ليحوله الى معاناة مؤلمة ومهدَّدة للحياة نفسها، سيقرأ محمود درويش قصائد اختارها بعناية للمناسبة.اختارها بحسب تقديره لتكون اكثر ايصالا ومساساً. لكن هذه النماذج في اجتماعها حملت بقصد منه او غير قصد رؤياه “الفلسطينية” التي تتعدى النضال بل وتتعدى فلسطين نفسها. واللافت في هذه الرؤية هو انها بالمنحى السجالي نفسه، تنفي شبهات التعالي على الحياة والتعالي على التفاصيل اليومية والمعيش الجاري. 

نحب الحياة 
غدا عندما يصل الغدُ 
سوف نحب الحياة 
كما هي عادية ماكرة 

ماجدة الرومي

ماجده الرومي

هذا من “حالة حصار” آخر اعمال محمود درويش ويومياته الشعرية في الحصار الاسرائيلي، في المنحى السجالي نفسه يتهكم محمود درويش من مثال الوحدة والاجماع.. قاعدون هنا/ واقفون هنا/ خالدون هنا/ ولنا هدف واحد ان نكون” ثم بعد ذلك “نحن مختلفون على كل شيء”. 

ينزل محمود درويش الرؤية الفلسطينية من اسطوريتها الساذجة. من سماء الاصنام الكلامية والقطعيات والمثالات التوحيدية الى افق آخر فتستحيل في شعره اسطورة كونية، كما تستحيل موقفاً وجودياً وسؤالا انطولوجياً. لكن كلام محمود درويش، حتى المختار منه لهذه المناسبة، لا يمكن ان يبقى جميعه على وتر التواصل بين الشاعر وبين جمهور في حال من التظاهر الصامت، ويطلب قسم كبير منه من الكلام ان ينفذ كالرصاصة، وان يحاكي القبضة وان تكون له سيماء الامر اليومي. جدل محمود درويش ومأسويته النبيلة وسؤاله الكياني وسجاليته الضمنية ورثائيته الغائرة هذه امور لا ينفع سحر اللحظة دائماً في ان يجعلها مباشرة قريبة واختيار محمود درويش لهذه المناسبة يركز على حق الحياة والدفاع النبيل والخاسر غالباً عن هذا الحق. لكن الامل الذي يريد درويش ان يضيئه، ليس اكثر من مرض الحياة نفسها. تجاوز اليأس باليأس والموت بالموت جدل ليس مستغلقاً وربما كان قريباً، لكن ما يريده جمهور متظاهر في هذه اللحظة قد لا يكون درساً صغيراً في حب الحياة بقدر ما يريد تهديدا فائرا وإعداما بالكلمات. 

أحمد قعبور

احمد قعبور

ماجدة الرومي تكلمت بالعامية قبل ان تغني من شعر محمود درويش “حاصر حصارك”، “جيت لهون لأعلن رفضي النهائي والابدي لاحتلال ارض فلسطين” كانت مختلفة بلهجتها، متباينة بموقفها. لم تكن تدمج بين لبنان وفلسطين بل تدخل الى فلسطين من الجرح اللبناني كما قالت. صفق لها الجمهور كثيراً وهي تقول له “الله كبير”، غنى معها “حاصر حصارك” او رافقها بالتصفيق. كان بحاجة الى ان يحرك يديه وجسده ويمنح نفسه لايقاع منتظم. احمد قعبور كان يلبي اكثر حاجة كهذه، مع اغانيه التي يندفع الكلام فيها كالطلقات وصل الجمهور الى نوع من انشاد شبه حربي. الايدي والاجساد والاقدام والانفاس جميعها انتظمت في ذلك المارش الذي كان يتعالى اكثر فأكثر. دل الغناء على تلك الحاجة شبه الجسدية لردود فورية وخاطفة ومادية وجسمانية ايضاً. 

الكلام والشعر يستدعيان من جهتين مختلفتين ولا يستويان على المستوى ذاته، والجمهور لا يستطيع ان يمنح نفسه بنفس الحساسية لهما معاً. 

كانت المناسبة تتعدى الشعر كما قلنا وحضر الغناء ليساهم في هذا التخطي. حضر الغناء ليساهم في هذا التشبه بالفعل والاستحضار لساحة الحدث التاريخي والنضالي ربما نتعلم من تجربة المدينة الرياضية كثيرا عن حدود الشعر وحدود الكلام وحدود الجمهور. ربما تبقى هذه المغامرة من هذه الناحية، ولوقت طويل مدرسة لنا. طموح الشعر الى تعدية نفسه جرأة كبيرة وقد يكون خطيئة وقد يكون تمرداً على الإله الشعري نفسه، لكن الامر يستحق. 

AdabWaFan

محمد حسنين هيكل

السعر: 3:75 $ فقط !

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic