مشاريع للصرف الصحي في قرى محررة
تثير إشكالات مع وزارة الموارد

السفير (الجمعة، 3 أيار / مايو 2002)

ترهق الآلية العشوائية للصرف الصحي ومجاريها بنية القرى الحدودية ومخزونها المائي في غياب واضح للبدائل الحكومية والأهلية، منذ عشرات السنين، ما يجعل المياه الآسنة والمبتذلة تتخذ من الحقول والسهول والأنهار ومحيط الينابيع درباً لمسلكها الفوضوي ومرتعاً للتلوث البيئي والصحي البالغ الخطورة. 

وتتخذ هذه المشكلة منحاها التصاعدي بعدما زخرت القرى المحررة بأهلها العائدين بعد ربع قرن من الاحتلال، وبحركة عمرانية فاضت معها الجور الصحية، وتفجرت التمديدات القديمة العهد، والدولة لم تشرع بعد لوضع الحلول قيد التنفيذ وظلت بعض الدراسات والتصورات حبراً على ورق. وفي المقابل لا قدرة للبلديات على وضع حلول شاملة، أو حتى جزئية، وهي تنوء تحت عبء صناديق موروثة خاوية، ومجلس لم تلتئم حول مشاريع صغيرة، فكيف بها في المشاريع الحيوية؟ 

خرجت في بعض القرى، مشاريع أولية للصرف الصحي، ممولة من مؤسسات غير حكومية، تهدف إلى التخفيف من المشاكل البيئية والصحية المترتبة عن انفلات المجاري والمياه المبتذلة. غير ان هذه المشاريع لم تنل رضى وزارة الموارد المائية والكهربائية التي تلزم البلديات بالعودة إليها في هذا الموضوع والحصول على موافقتها ورعايتها قبل التنفيذ وبعده، واطلاعها على الخطط والدراسات التفصيلية. فكيف بالأمر إذا نفذت بعض البلديات مثل هذه المشاريع من دون العودة إلى الوزارة المعنية؟ 

ففي التاسع من حزيران العام 2001، وجه المدير العام للموارد المائية والكهربائية الدكتور فادي جورج قمير كتاباً إلى محافظ النبطية يطلب إليه وقف العمل في مشروع تكرير الصرف الصحي في بلدة الهبارية في قضاء حاصبيا بصرف النظر عن مصادر التمويل، وذلك استناداً للمرسوم الرقم 5343 تاريخ 6/7/1994 ولا سيما المادة الرابعة منه التي توجب على البلديات إحالة كل مشاريع أشغال الصرف الصحي على وزارة الطاقة والمياه لإبداء الرأي بها حتى ولو كانت ممولة من أموالها الخاصة قبل تنفيذها. 

وقال قمير في كتابه إلى المحافظ إن تصرف بلدية الهبارية “يعتبر مخالفاً للقوانين ويعرض البيئة والمياه الجوفية والسطحية للتلوث، لأن المواصفات التي تستعمل من الجمعية المذكورة (مرسي كور) في كتاب رئيس البلدية هي مخالفة للمواصفات المعتمدة من قبل وزارة الطاقة والمياه، لأنه سبق وتم تقديم مشاريع مشابهة في بلدات أخرى ورفضت من قبلنا، وبالتالي ان القيام بهذه الأشغال يعتبر هدراً للمال العام ولأموال المساعدات المقدمة للدولة اللبنانية حين تصرف بدون أخذ رأي المراجع الفنية والإدارية المختصة”. 

المولى 
محافظ النبطية محمود المولى قال إنه لا يجوز بأي حال من الأحوال ان تنفذ أعمال في الصرف الصحي خارج إطار الوزارة وإشرافها، كونها المسؤول المباشر، وأي مشروع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خط سيره وموقعه وشموليته ويراعي الأوضاع البيئية والجيولوجية، ونحن نحترم الاتفاقات مع المؤسسات والوكالات ونقدر عملها وتعاطفها مع الجنوب وأبناء الجنوب، لكن يخشى من عشوائية القرارات الناجمة عن الحاجة، ومثل هذه المشاريع تحتاج إلى مخارج عامة تفيد أكثر من بلدة ومحلة وقضاء. وحتى لا نصطدم في نهاية الأمر بعقبات ولأننا نتطلع إلى ديمومة أي مشروع، الوزارة لم تقل لا، بل طلبت تقديم دراسات إليها حتى يتم الكشف وتقدير الأوضاع والحاجة. 

وأضاف المحافظ المولى: “سنصدر قراراً يتضمن إعادة النظر بكل الاتفاقات مع وكالة التنمية الأميركية، ومنها “مرسي كور”، وبعض البلديات تتسرع في اتفاقاتها مع الوكالة ولا تطلعنا عليها حتى نضعها في مسارها الصحيح ونتفادى العواقب. تقرير وزارة الطاقة يتحدث عن تأثيرها على المياه الجوفية بناء لتقارير الخبراء. ولو أردنا القيام بمشاريع للصرف الصحي لكانت البلديات استفادت من قروض البنك الدولي مثلاً، لكن لا يمكن القيام بمشروع آني وغير شامل ولا نريد الوقوع بالمحاذير، وهذا لن نسمح به. صحيح ان المشكلة كبيرة، لكن تحتاج إلى الصبر حتى يباشر مجلس الانماء والاعمار في تنفيذ المشاريع”. 

بلدية الهبارية 
رئيس بلدية الهبارية محمد خالد يوسف أوضح ان الكتيبة النروجية العاملة في إطار قوات الطوارئ الدولية في العام 1978 قامت بمد خطوط للمجاري الصحية، وكانت البلدة آنذاك صغيرة وقد توسعت بعد 24 عاماً ديموغرافياً وأضحت بحاجة إلى شبكة جديدة للصرف الصحي، خصوصاً ان شبكة الصرف التي أقامتها قوات الطوارئ كانت تصب في نهر الحاصباني. كما ان الجور القديمة بدأت تنز إلى سطح الأرض، ما يهدد الصحة العامة وسلامة الأهالي. البلدية السابقة طلبت من البنك الدولي أن يمول مشروعاً للصرف الصحي، فرفض بحجة عدم وجود برك أو محطات للتكرير. ولأن لا قدرة للبلدية على تمويل مثل هكذا مشروع، أبدت مؤسسة “مرسي كور” استعدادها للقيام بهذه المهمة وعلى مسؤوليتها. وأقيمت المحطة في ظروف كانت صعبة قبل التحرير وانتهت بعده. وهي ضرورية جداً في ظل عدم وجود البديل، وحتى لا تذهب المياه الآسنة بشكل عشوائي في الحقول وصولاً إلى النهر”. 

أضاف يوسف: “لنشرع عملنا قانونياً، طلبنا إلى الوزير السابق النائب أنور الخليل أن يتوسط لنا مع وزارة الموارد المائية والكهربائية، فوصلنا إلى المدير العام جورج نمار. ووعد بإيفاد المهندسين في الوزارة إلى الهبارية للكشف على المحطة فوافقنا لكنهم لم يأتوا، وأبلغونا بعدم الموافقة بعدما كانت المحطة قد أنجزت”! 

حاصبيا 
على خط مواز، بدأت “مرسي كور” تنفيذ مشروع مشابه في حاصبيا عاصمة القضاء، ما أثار تحفظ الوزارة المختصة وشكواها من التنفيذ. ورداً على ذلك يقول رئيس البلدية أمين شمس: “حاصبيا أصبحت بحاجة ماسة جداً لإنشاء مثل هذه المحطات، بعدما أدت السنوات الماضية إلى تلوث كبير في مياه نهر الحاصباني، بحيث انعدمت “بزرة” السمك فضلاً عن عدم إمكانية استخدام النهر في الري. ليس لدينا خيار آخر في الوقت الحاضر غير دعم إنشاء هذه المحطات. بصرف النظر عن أي اعتبار فني، المحطات أضحت حاجة ملحة وأساسية في منطقة حاصبيا ونحن نتشبث بها إلى آخر الأمر ولا نقبل المس بها تحت أي ذريعة ومن أي نوع كانت”. 

وأضاف: “نحن لم نتوجه إلى الدولة في إقامة هذه المحطات، لم نجد مبررا لكي نعلم الدولة بهذا العمل، خصوصاً انها عملية تبرع بكل ما للكلمة من معنى. وبالتالي لم نتلق من الدولة وبصورة خاصة من وزارة الموارد المائية والكهربائية أي علم بنوايا إنشاء مشروع مثيل، ان أي موقف معارض لقيام هذه المحطات يكون في موضع تناقضي مع المصلحة العامة، ومع مصلحتنا بعد سنوات عديدة من الاحتلال والإهمال وعدم الاكتراث بالوضع البيئي في حاصبيا. “مرسي كور” تقوم كذلك بإنشاء محطة خاصة “لزيبار” الزيتون التي هي مشكلة المشاكل، ان ضخامة وكبر موسم الزيتون في حاصبيا بدأت تشكل خطراً حقيقياً وبيئياً داهماً على كل المنطقة ولا يسعنا انتظار الروتين الحكومي وتوفير المال الذي قد لا يأتي أبداً من أجل إنشاء محطة مماثلة”. 

“مرسي كور” 
مدير المشاريع الخاصة بمؤسسة “مرسي كور” في لبنان المهندس سعيد زاهر قال من جهته: “حاصبيا مدينة كبيرة، ولذلك وبعد أخذ رأي خبراء متخصصين، هي بحاجة إلى محطة تكرير ضخمة تخلص نهر الحاصباني من التلوث الحاصل. لذلك ارتأينا ان تكون لها محطتان على خطين، وهذا بسبب وجود معاصر الزيتون التي تبلغ نسبة التلوث بزيبارها أكثر من عشرين ضعفاً من تلوث الصرف الصحي. وعلى خط آخر أنشأنا محطة في الهبارية حتى نحمي هذا النهر، ومن الضروري أن نعمل على حماية البيئة والمياه الجوفية لمنطقة غنية بالينابيع ومستوى المياه فيها قريب من سطح الأرض، وهذا لا يكون إلا من خلال إنشاء محطات للتكرير”. 

وحول عدم موافقة الوزارة المعنية على تنفيذ هذه المشاريع قال زاهر: “صاحب القرار هم الناس ونحن كمؤسسة لنا خبراؤنا ونتابع ما يتم تنفيذه عالمياً وقمنا بتجارب عملية أثبتت فاعليتها البيئية والاقتصادية، إذ يمكن من خلال هذه المحطات استخراج كميات من الغاز قد تكفي لتوليد طاقة كهربائية، هذا عدا عن السماد الكيماوي وغيره”.

 
 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic