مرامل وكسارات وفيضان الجور الصحية
كارثة بيئية تواجه المنطقة الحدودية.. والدولة تغض الطرف

السفير (الأربعاء، 22 أيار / مايو 2002)

كامل جابر

كسارات ومرامل تنهش الجبال “المحررة” بلا حسيب ولا رقيب

     إذا كان ابناء القرى المحررة قد ابتلعوا نداءاتهم الطامحة لحماية طبيعتهم وبيئتهم من هجمة اسنان الجرافات والحفارات والكسارات، وما ترتب عن عملها “المجنون” من تشويه وتلوث، بانتظار ان تلملم الدولة انفاسها فإنهم اليوم يختنقون شيئا فشيئا من غبار الكسارات المحولة هواءهم قاتما، ومحافر الرمل القاتلة للاخضرار والدالقة بمخلفاتها في مجاري الانهر والينابيع، ومجابل الزفت العابثة بجمال الروابي، ناهيك عما تلوثه المصارف الصحية العشوائية المنفلتة من قيود الجور او التمديدات وحتى محطات التكرير، واكوام النفايات المترامية في دخانها المنبعث ليل نهار لا ترحم الاحراج او السهول، ومنه سهل الخيام، عدا عما خلفته مشاريع البناء الفوضوية والطرقات المستحدثة على الثروات السياحية والحرجية والمحميات الطبيعية. 

كل ذلك والدولة ليست موجودة او “غاضة للطرف” او ان بعض وزاراتها او اداراتها راحت تشرع لهذه الورشة او تلك، ولهذه الكسارة او ذلك المحفار او المجبل، ساخية “بمهلها الادارية” اللاعبة على القانون والاصول. وابناء القرى وفاعلياتها باتوا يتحدثون عن “رشاوى” تصرف هنا و هناك، تشريعا للمخالفات القاضمة للبيئة. 

  
من يردع؟ 
وفي هذا الاطار، ما زال رئيس بلدية برج الملوك رزق الله الحمصي، يروي بمرارة كيف استنجد بأحد مخافر الدرك ليتدخل عناصره ويوقفوا مخالفة بيئية في عقار تابع للبلدية في “تل النحاس، تسبب بها احد المتعهدين، غير انه انتظر وانتظر، ولم يجد من يتدخل ليقمع تلك المخالفة. والامر عينه تكرر عندما تعرض لتهديد من احد المتعهدين، ولا حياة لمن تنادي، ولم يسمع غير الوعود. 

وتظل احراج الريحان وخلة خازم عرضة لنير محافر الرمل، المتجددة يوما بعد يوم، وفي اكثر من مكان او رابية. فأصحاب الورش وجدوا كنوزا رملية تحت قشرة ترابية حمراء تغطيها الاشجار الصنوبرية المعمرة، توازي في اهميتها مناجم الذهب. وراحوا ينخرون الجبال بمسافات شاسعة وارتفاعات بلغت عشرات الامتار، غير ملتزمين بالشروط البيئية، الصادرة عن وزارة البيئة التي اطلت على هذه الكارثة من خلال وزيرها الدكتور ميشال موسى واجهزتها الادارية والرقابية “المتواضعة”، مصدرة بعض القرارات “الشجاعة” غائبة عن اخرى تحتاجها المنطقة. ومن خلال وزارة الزراعة والعديد من النواب والفاعليات البيئية والاجتماعية الملبية لصرخات بلدية الريحان وبلديات الجوار. وتحت حجة حاجة المنطقة للرمول لتدعيم حركة البناء دعما للعائدين من ابناء القرى، عمت الفوضى في الحفريات والمحافر، المحمية بالمهل الادارية عينها. 

  
غسل الرمول 
غير ان المستجد في موضوع المرامل هو لجوء عدد من اصحابها الى غسل رمولهم المستخرجة بمياه نهر الليطاني، الامر الذي ادى الى اضرار فادحة في محطات تكرير “مشروع الطيبة” الذي يجب ان يغذي نحو عشرين قرية بمياه الشفة، واذ بالمياه تنقطع عن البيوت في “عز” فصل المطر. هذا فضلا عما يصيب الثروة السمكية في هذا النهر. 

والامر عينه ينطبق على بعض المحافر القريبة من القليعة، والتي اكدت اكثر من جهة معنية توقفها عن العمل مع عشرات الكسارات الممتدة على الخط ما بين كفركلا ومرجعيون وابل السقي وصولا الى تخوم كوكبا وحاصبيا. غير انها ظلت تعمل اما بحماية “امنية” او بحماية “التشريع المؤقت. ولم تمض اشهر على ايقاف كسارة على الطريق العام بين مرجعيون وابل السقي، حتى عادت هذه الكسارة تعمل بنهم فاتكة بالجبل القريب من دبين وبلاط جارتي مرجعيون، بعدما كانت قد اكلت نصفه ابان فترة الاحتلال بترخيص صادر عن قائمقام القضاء في حينه. 

ولم يتوقف تفاقم الضرر البيئي للمقالع عند حد المحافر والكسارات، بل لعبت الشاحنات المتنقلة ليل نهار على الطرقات الجنوبية محملة بأطنان تفوق طاقتها دورا مواز في الضرر والسوء على الطرقات بين اقضية النبطية وجزين ومرجعيون وحولتها الى خنادق وحفر غير صالحة للعبور. ناهيك عما تخلفه من غبار وضجيج منقطع النظير في حركة تنقلها ذهابا وايابا. 

  
الصرف الصحي 
أما في موضوع الصرف الصحي، فشكوى ابناء القرى تتعاظم يوما تلو يوم بعدما ارهقت الآلية العشوائية للمصارف الصحية وجورها وتمديداتها كاهلهم على مختلف المستويات، خصوصا في ظل انعدام البدائل الحكومية التي كان يجب على وزارة الموارد المائية والكهربائية طرحها “تشجيعيا” في المنطقة العائدة الى حضن الدولة بعد ربع قرن من الاحتلال. وبدلا من تكريس الوسائل العصرية في الصرف الصحي تخفيفا للمعاناة من خلال محطات التكرير تسد النقص وتخلص مجاري الينابيع والانهار والسهول من كارثة مصب المياه الآسنة المتفجرة من تحت التربة، والعابرة اليها من بين احياء القرى وبيوتها في خنادق مكشوفة، راحت هذه الوزارة تتصارع هي وبلديات بعض القرى حول عدد من محطات التكرير التي نفذتها على نفقة مؤسسات “مانحة” وغير حكومية، تحت عنوان “عدم التزامها بالشروط البيئية”. 

وما زاد في اتساع المشكلة، حركة العمران الكثيفة والعشوائية “غير المرخصة” او المستندة الى دراسات، والتي غزت القرى في اعقاب التحرير، تحقيقا لرغبة العائدين الى هذه القرى بين اقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وجزين. ما تسبب “بفيضان” الجور الصحية وتمديداتها “القديمة” في وقت لم تتمكن البلديات المنتخبة منذ نحو ثلاثة فصول من تقديم البدائل بسبب خلو صناديقها من الاموال وتهرب الدولة من مسؤوليتها تجاهها، وانغماس اعضائها في مشاكلهم الداخلية المترتبة في معظمها عن “القلة” و”قصر اليد”. 
النفايات 

وتجتاح اكوام النفايات القادمة من قرى الجوار، القسم الجنوبي من سهل مرجعيون والخيام. وتستعر هذه النفايات احيانا وتهمد في اخرى في ظل عدم البحث عن البديل المجدي، غير المسيء للثروة المائية التي تسبح تحت امتار قليلة من حقول السهل. وترمي مرجعيون وجوارها نفاياتها تحت ظلال اشجار الحرج الصنوبري، ثم تمتد في اعقاب بعض المعالجات نزولا لتقترب من مجرى الليطاني العابر بين البقاع ومرجعيون. ومن كان يعبر الطريق بين حولا وميس الجبل ظل يرى بإمعان اتساع المكب المشتعل باستمرار، المعانق للوادي القريب. والامر عينه على تخوم عشرات القرى الجنوبية بين اقضية بنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا، بسبب عدم تمكن البلديات الجديدة من تنفيذ مشاريع مستقلة لطمر النفايات او اعادة “تصنيعها” او تخميرها بسبب الصناديق البلدية ذاتها، المفرغة قبل الانتخابات الاخيرة على مشاريع غير اساسية او “وهمية”. 

  
غزو الحطابين 
ولم تسلم الاحراج الجنوبية من غزو الحطابين، فقد اجمع العديد من المهتمين في شؤون البيئة والطبيعة على قيام عدد من الحطابين بقطع الاشجار المعمرة وتحويلها وقودا لمشاحر الفحم. وقد تعرضت احراج اقليم التفاح، وخصوصا المحاذية لبلدة جباع من شمالها الشرقي لعملية قطع منهجية قضت على المئات من الاشجار وحولتها الى فحم. 

ويستغرب النائب نزيه منصور “الاعتداءات على الغابات وتحويلها الى جرداء من قبل بعض المنتفعين، في وقت نعرف ان الدولة توظف العشرات والمئات من مأموري الاحراج، منذ عشرات السنين، ولا يقومون بأي عمل، فيما تهتك حرمة هذه الاحراج ولا نجد من يسأل”. 

وقامت بعض مؤسسات الدولة بشق طرقات زراعية وشوارع توصل بعض القرى ببعضها البعض، غير آبهة بما تقطعه من اشجار وبما يشكل ذلك من اثر على بعض المحميات الطبيعية، منها تلك الطريق بين الطيبة وارنون في جبال حرجية وعرة، تطل على دير ميماس وتصل الى حدود قلعة الشقيف، والتي تنذر بعواقب وخيمة من حيث تعرجها وانحدارها، والتي قضت على آمال ابناء المنطقة في انشاء محمية طبيعية بين العديد من القرى، تزخر بنباتها النادر واشجارها المتنوعة، وببعض الحيوانات الاليفة وغير الاليفة وبثروة سمكية لا يستهان بها. 

محافظ النبطية محمود المولى “المطمئن” الى الوضع البيئي في المناطق المحررة يقول: “الوضع البيئي الى مزيد من التحسن خصوصا بعد استلام البلديات الجديدة المنتخبة مسؤولياتها. وبدأنا نرى مشاريع لفرز النفايات واخرى لتخميرها. اما الكسارات فهي منتشرة في مناطق غير مأهولة، ونحن نقوم بمراقبتها جيدا وممنوع عليها العمل من غير مهل ادارية او رخص موقعة من قبلنا، ومن يخالف من اصحابها نلاحقه ونتخذ بحقه الاجراءات القانونية والادارية. المشكلة ليست بالكسارات، بل من الشاحنات المتنقلة على الطرقات، وقد اصدرنا تعميما الى البلديات والدوريات لإلزامها بالحمولة وبمواقيت السير، وهي تتسبب بمشاكل جمة يشكو منها ابناء القرى حيث تعبر. سنتوصل الى حلول ترضي الجميع ولا نريد تعطيل نشاط حركة البناء في المنطقة المحررة، وتشجيع عودة الوافدين بعد التحرير. بالمقارنة مع الاوضاع البيئية السابقة والتي كانت سائدة ابان الاحتلال، التحسن واضح وبدأنا نلمس قرى حضارية”. 

بعد عامين من التحرير، وربع قرن من الاحتلال الاسرائيلي، تعيش المنطقة الحدودية كارثة بيئية على مختلف المستويات، والدولة ما زالت، مثل كل مرة، غائبة عن مسؤولياتها وواجباتها. فمتى تتدخل لتوقف هذه المجزرة المنفتحة على الكثير من الاحتمالات، السيئة طبعا، قبل فوات الاوان؟

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic