منتجات تعاونيات المناطق المحررة في “الصيفي”
“ماش” و”فطر آذان الشجرة” آخر الابتكارات

السفير (السبت، 8 حزيران / يونيو 2002)

فاتن قبيسي

خبز الصاج كان حاضراً أيضاً !

     اكتسب وسط العاصمة امس بعضاً من ملامح الريف ونضارته، فتخفف من بعض أثقال المدينية، وغدا اكثر اتصالا بالأرض وأبنائها، وهو “المتهم” بأنه يغالي في مدينيته ويذوب في اقتصاد السوق لمصلحة أقلية متمكنة. 

وهكذا وجد الريف “سوقا” له عند أعتاب الأبنية الحديثة والمؤسسات الكبرى في محلة الصيفي، محاولا اغواء المارة بانتاج حقوله وبساتينه في القرى، التي تحررت منذ سنتين من نير الاحتلال الاسرائيلي واستعادت مزارعيها وفلاحيها. 

ولعل اهم ما في هذه المنتوجات هي انها تحمل دمغة “صنع في المناطق المحررة”، الامر الذي من شأنه ربما أن يجتذب أكثر الناس لرغبة مفترضة لديهم في المساهمة في انماء هذه المناطق والتعويض ولو رمزياً عن حرمانها والتقصير تجاهها. 

“صيفي ماركت” هو عنوان المعرض الذي افتتحه أمس “برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جنوب لبنان”، وهو برنامج مشترك بين “برنامج الامم المتحدة الانمائي” ومجلس الانماء والاعمار، بحضور مسؤول مشروع الـ UNDP في وزارة الشؤون الاجتماعية أديب نعمة ممثلا الوزير اسعد دياب، المسؤول الاعلامي في “الاسكو” نجيب فريجي، وممثل “اليونيدو” في الاردن ولبنان وسوريا جيوسيبي بابولي، وممثلي عدد من السفارات العربية والاجنبية. 

وخلا الافتتاح من الكلمات والخطب، فالمشهد المكشوف الا من خيم تقي العارضين والزائرين من أشعة الشمس، والمفتوح من اتجاهاته الاربعة هو افضل تعبيراً: 400 متر مربع هي مساحة المعرض التي يتوزع عليها انتاج 24 تعاونية زراعية، تعرض كل منها انتاجها من خلال “ستاندات” هي اشبه بواجهات البيوت الجنوبية لجهة استعارة الديكور الخشبي فيها لملامح الحجر الابيض. كل شيء في المكان يعبق برائحة التراب وألوان القرى.. منها العدس والزغتر والذرة والبرغل والتبغ والكشك التي توزع على عدد من الصحون الفخارية مزهوة بجودتها، وهناك شتلات الازهار التي جاءت وليدة تجارب زراعية حديثة ناجحة، وهنالك العسل والمربيات وكل ما جاء حصيلة التصنيع الزراعي المتطور. وترفع على بعض جدران “الستاندات” صور فوتوغرافية تعكس المراحل المتبعة في الزراعة والحصاد والوسائل الجديدة المستخدمة لهذا الغرض. 

على ان المشهد الريفي لا يكتمل الا بالمظاهر والتقاليد القروية.. فتأتي المرأة الجنوبية لتتوسط المكان بصحبة “الصاج” الذي يغري لهبه بعض المحيطين لتذوق الخبز الساخن، تجاورها “زميلة” أخرى متخصصة “بمناقيش الضيعة”، فيما يفصل بينهما بائع القهوة العربية وعدته الاساسية: المنقل والفحم. 

ولا تغيب ايضا العادات الجنوبية عن المعرض، فينبري العارضون بنداء المارين وضيافتهم مما لذّ وطاب، وان لم تكن هذه الضيافة مشروطة دائما بكسب الزبائن، فيما تأتي اغنيات فيروز القديمة حول الارض وحياة الريف لتتوج هذه الصورة بكل أبعادها. 
 

هدف المعرض 

والمعرض الذي كان قد تأجل افتتاحه حوالى شهر ونصف بسبب احداث فلسطين، هو أحد نشاطات البرنامج الهادف الى دعم الاهالي للبقاء في ارضهم وحث الآخرين على العودة الى الجنوب المحرر، من خلال تنفيذ نشاطات انتاجية وانمائية تساعد على تحسين الدورة الاقتصادية للمنطقة. 

و”برنامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية في جنوب لبنان، كان تأسس بعد التحرير في ايلول 2000، وهو يهتم اضافة الى قطاع التعاونيات الزراعية، بثلاثة اخرى البلديات، الاندية الشبابية والتنمية الاقتصادية. 

وتحضيرات هذا المعرض تمثلت، بحسب مدير البرنامج محمد مقلد، بدعوة كل التعاونيات الزراعية الموجودة في المناطق المحررة، والقيام بتدريب ممثليها لتحضير مشاريع تنموية انتاجية للمشاركة من خلالها في المعرض، وقد شملت بعض المشاريع معاصر الزيتون، ومزارع الفطر ومزارع الدجاج... والهدف من المعرض هو تسويق التعاونيات بحضور ممثلي السفارات والاعلام والادارات المعنية مثل “ايدال”، لفتح خطوط تعاون مع هذه التعاونيات، على ان نلتفت لاحقا الى قطاع البلديات في المناطق المحررة، التي من المقرر القيام بمسح اقتصادي واجتماعي شامل لها، وتدريب ممثليها على تنفيذ مشاريع لتحسين ظروف القرى كمشاريع الصرف الصحي وغيرها. 
 

بيض النعام 

غير ان المعرض وهو “البكر” بالنسبة الى المناطق المحررة، ينطوي على علامات فارقة عدة: فبيض النعام هنا أكبر من المعتاد، والبيضات الاربع المعروضة على “ستاند” حديدي مخصص لها، تزن الواحدة منها ما يقارب الكيلو والنصف، اي ما يطعم عائلة بكاملها كما يقول قائمقام مرجعيون سمعان عطوي، الذي يفتخر بأن هذا البيض لا ينتج في الجنوب الا من خلال مزرعتين فقط، مشيرا الى اهمية جلد النعام الذي تصنع منه الاحذية والثياب، ولحمه الذي ينطوي على دهون تستخدم في أدوات التجميل، مؤكدا اهمية المعرض الذي يدفع المزارعين الى تحسين انتاجهم وفق الشروط الصحية المفروضة عالميا ويساعدهم على تصريف انتاجهم. 

“تعاونية مرجعيون الزراعية” هي التوقيع الذي يُذيّل به انتاج النعام، متجاورا مع صور حول المشاريع الزراعية والمشاريع البيئية، التي ينبري فؤاد حمراء يقدم شروحات حولها: نحن نقوم بانتاج بيوغاز، اي الغاز المنتج من فضلات البقر، كما اننا ننتج القمح المخصص كعلف للابقار عن طريق آلة معينة بمناخ مناسب ووقت قياسي لا يتعدى ال14 يوما، في حين انه يحتاج في العادة الى ثلاثة أشهر! 
 

“ماش” 

ثمة علامة فارقة اخرى تتمثل في عرض منتج غذائي يسمّى “ماش”، وهو شبيه بالعدس، ولكنه لا ينتج الا في بلدة الخيام وفي تركيا، فيما تخلو منه بقية مناطق العالم بحسب غالب الضاوي الذي يتباهى بأسبقيته في انتاج هذا الغذاء الذي تصنع منه “الشورباء” ويجفف لاستخدامه في “الكبة اللبنانية”. 

غير ان مواد غذائية أخرى وازهارا ملونة تنضوي تحت لواء “تعاونية الخيام الزراعية” ايضاُ، وخصوصا فاكهة الكيوي، الذي يتحدث الضاوي عن المشروع الخاص بها، بالتعاون مع “برنامج الامم المتحدة الانمائي” الذي حوّله بنسبة 66% فيما تكفلنا نحن بالباقي وذلك منذ حوالى 11 شهرا، مع الاشارة الى انه تم الاستحصال على النصب الخاصة بالكيوي من ايطاليا مع شهادة حول عمرها ونوعيتها. 
 

فطر “آذان الشجرة” 

ولا تحتكر الجمعيتان الآنفتان الذكر صفة الميزة، فالفطر الذي يتخذ شكلا جديدا يشبه جذوع الشجرة هو ما تمتاز به ايضا الجمعية التعاونية الزراعية العامة في الصوانة. انها بذرة جديدة استحضرت من ايران، ويتناوب كل من حسين كاظم فتوني على شرح كيفية زراعتها، بعد قيام تجارب عليها، فهي لا تحتاج الى رطوبة او عتمة وتزرع اينما كان، ويحتاج نموها الى 20 يوما فقط. 

“انها بذرة آذان الشجرة” يقول كاظم، التي تحتاج الى تخمير ضمن قالب من القش لفترة معينة، وقد طبقت هذه الفكرة للمرة الاولى في جبيل، ولكننا نحن السباقين في استخدام هذا النوع من البذور. ولا يتردد في التدليل على فائدة هذا “الفطر” الذي يحتوي على حوالى 35% من البروتين مستدركاً بابتسامة “انه افضل بديل عن اللحمة”. 

وتنفرد الجمعية التعاونية لصيادي الاسماك بعرض هذا النوع من الحيوانات البحرية، فيما تصطف على بعد خطوات اقراص الشمع المليئة بالعسل تحت جناح “لجنة تنمية قطاع النحل في الجنوب”. وحول جهاز الكومبيوتر الذي يستخدمه محمد الحاج في اللجنة بدا غريبا وغير مألوف مع كل هذه المظاهر الريفية، ولكنه بدا في الوقت نفسه أداة ضرورية بالنسبة اليه ليشرح عبرها أدوار اللجنة ومشاريعها المتشعبة بدءاً من تأمين بضائع بسعر تشجيعي وتصريف العسل المنتج، وتأمين قروض ميسّرة لصغار النحّالين وصولاً الى تقديم مختبر لفحص العسل وآلة لتعبئته. 

“صيفي ماركت” الذي افتتح أمس من العاشرة صباحاً ولغاية الثانية بعد الظهر، بدا حقا فسحة لا بد منها مع الطبيعة وانتاجها، ولكن الساعات الأربع القليلة هل تكفي لتسويق الانتاج وتأدية الغرض المطلوب من هذه المبادرة؟!

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic