عشرات المتوفين بأمراض سرطانية خلال أقل من عام
كارثة بيئية من المرج حتى بحيرة القرعون:
معمل السكر يبث الملوّثات ... والليطاني يميل للسواد

السفير (الجمعة، 14 حزيران / يونيو 2002)

شوقي الحاج

نهر الليطاني

القناة التي تجري عبرها السموم وبدت البوابة الحديدية لمعمل السكر

     لم تقتصر أخطار التلوث، الذي يشهده مجرى الليطاني، وبحيرة القرعون، على تدمير الثروة السمكية، وقتل الكائنات الحية وضرب المواسم الزراعية التي ترتوي بمياه النهر، بل اخذت منحى اكثر خطورة بات يهدد مجتمعا بأكمله بالموت البطيء، بعد ارتفاع نسبة الوفيات والإصابات الناتجة عن مرض السرطان بين أهالي القرى الواقعة على ضفتي النهر. 

ومن يزُرْ مجرى الليطاني في البقاع الغربي هذه الايام يلاحظْ ان لون مياه مجرى الليطاني لم يتبدل، بل على العكس، فإنه بدا مائلا أكثر فأكثر الى السواد القاتم واجتاح مسافة اطول على مجرى النهر، مما يعني ان المياه الملوثة التي تصب في المجرى ما زالت على حالها، لا بل اندفعت بقوة اسرع مما كانت عليه. وقد تبين ايضا ان كميات الاسماك النافقة، الطافية على صفحة مياه المجرى، زادت رقعتها بنسبة حوالى 30 مترا مربعا. ولم يتوقف الامر عند الاسماك النافقة، بل طال حيوانات مائية اخرى، حتى ان الاعشاب البرية النابتة عند مجرى النهر، اخذت بالذبول واليباس، بعدما تحول لونها الى الاصفرار، في حين ان الروائح الكريهة المنبعثة من المنطقة الموبوءة، تلاقيك الى مسافات بعيدة، تشعر عند استنشاقها بصعوبة التنفس، وبدوار قد يطيح بك ارضا اذا لم تستدرك الامر، عن طريق قطع الانفاس. 

كذلك، انتشرت البعوض والبرغش والذباب، التي تهاجمك من دون هوادة، وتنهال عليك لسعا، فتتسبب لك بالاورام بعد حكها. كما لاحظت “السفير” ان بعض المزارعين ممن يمتلكون اراضي قريبة من هذه المنطقة، قد فضلوا عدم مقاربتها خوفا على صحتهم كما قال ابو حسين رجب. 

ويقول رئيس اتحاد بلديات السهل احمد الاحمد ل”السفير” ان مشكلة التلوث ليست مستجدة، ولكنها تحولت هذه الايام الى “قنبلة ملوثة”، قد تؤدي الى قتل مجتمع بكامله، وهي ناتجة بالأساس، عن المجاري الصحية التي تصب في النهر، الى جانب اكوام النفايات التي تجتاح ضفتي النهر، فضلا عن الرواسب والنفايات والفضلات المتأتية من المصانع والمعامل المنتشرة في البقاع، والتي تجري ايضا عبر الروافد الصغيرة التي تغذي النهر. 

ويضيف الاحمد: “ان المشكلة تفاقمت منذ حوالى خمسة ايام، فانبعثت الروائح الكريهة، بصورة لا يمكن لانسان احتمالها، وترافق ذلك مع نفوق الاطنان من الاسماك، والحيوانات المائية الاخرى كالزحافات وغيرها، كما شعر العديد من العائلات التي تسكن عند ضفتي النهر، بعوارض مرضية كالتقيؤ، والدوخة، وضيق التنفس، مما استدعى نقل بعض الحالات الى المستشفيات للمعالجة”. 

وأكد ان بروز هذه الحالة سببه الفضلات والبقايا التي تخرج من معمل الشمندر السكري في عنجر، والدليل على ذلك كما قال: “ان هذه الكارثة البيئية بدأت تظهر، بعدما عاد المعمل الى العمل منذ حوالى عشرة أيام واخذ يستخدم مادته الاولية من السكر الاحمر المستورد من الخارج، بدلا من الشمندر السكري، بهدف تصنيعها وتكريرها”. 

ولفت الاحمد الى ان المياه السوداء القاتمة، تجري في القناة التي تخرج من المعمل لتصب في النهر، وهذا دليل لا يرقى الشك اليه، خصوصا اذا ما علمنا ان تكرير السكر يستلزم مواد كيميائية لتصنيعه وتبييضه، فضلا عن استخدام المنظفات الكيميائية في عملية غسل الآلات. 

وقال: “ان الكارثة البيئية التي تعانيها المنطقة تطال عشرات القرى في البقاع الغربي ابتداء من المرج وحتى مصب النهر في بحيرة القرعون، وقد ينسحب الامر على المناطق المروية من البحيرة في الجنوب”. 

ونبه الاحمد الى الاخطار المحدقة بالمنطقة وبإنسان هذه القرى والبلدات المهدد بالموت البطيء، نتيجة ارتفاع نسبة الوفيات والاصابات بالامراض السرطانية لا سيما في السنوات القليلة الماضية، لافتا الى ظهور 7 8 اصابات شهريا بمرض السرطان في قرى المرج، حوش الحريمة، وغزة، ومعظمهم من متوسطي الأعمار، وينتشر في صفوف الرجال والنساء على حد سواء. 

وكشف الاحمد اسماء عشرات المتوفين بالامراض السرطانية والمصابين من قرى المرج وحوش الحريمة، وغزة، في خلال فترة اقل من عام وهم: مختار الحوش حمزة ابو عديلة (50 عاما) علي جانبين (50 عاما) فوزيه رجب (45 عاما)، ليلى حمود (40 عاما)، خليل ابراهيم المجذوب (70 عاما)، خالدية خالدية (35 عاما)، ابراهيم الجراح (16 عاما)، خالد رسول (16 عاما)، احمد درويش (60 عاما)، ناظم درويش (60 عاما)، خالد درويش (50 عاما)، صالح محمود (50 عاما)، محيي الدين الجراح (65 عاما)، عثمان الجراح (70 عاما)، غسان درويش (45 عاما)، مصطفى حرب (65 عاما)، محمد محيي الدين الشموري (65 عاما)، سليمان الجراح (80 عاما)، عمر الشموري (60 عاما)، على ابو عثمان (70 عاما)، محمد رجب (60 عاما) هولا صالح (45 عاما)، الدكتور محمود خلدية والدكتور سليم خالدية (40 عاما و70 عاما). اما المصابون فهم: نجم غازي (50 عاما)، محمد ابراهيم (85 عاما)، ذيبه كنعان (50 عاما)، بديعة كنعان (45 عاما)، “اضافة الى عشرات المصابين الآخرين الذين نحتفظ باسمائهم وسجلاتهم الطبية كونهم رفضوا السماح لنا أو للأطباء او للمستشفيات التي تقوم بمعالجتهم بالافصاح عن اسمائهم”. 

واكد الاحمد على ضرورة تركيب محطات تكرير مجاري الصرف الصحي في البقاع الغربي، وانشاء مكبات للنفايات وردع المعامل والمصانع عن رمي نفاياتها الكيميائية، لرفع الضرر عن المواطنين الذين باتت حياتهم عرضة للامراض، والموت البطيء. 

وزارت “السفير” معمل الشمندر السكري في عنجر والتقت احد مسؤوليه علي العجمي، فاكد ان المعمل عاد الى العمل بتكرير وتصنيع السكر الاحمر المستورد منذ حوالى العشرة ايام وذلك بعد توقف دام حوالى العام. واكد انهم لا يستخدمون اية مواد ملوثة، وهذا الامر تثبته التحاليل المخبرية، التي تقوم باجرائها دوريا، من خلال اخذ العينات من المياه التي تخرج من المعمل الى البرك الخمس، بواسطة قناة، والتي تتسع لعشرة آلاف م3 من المياه".

واضاف: “اننا لم نستخدم المنظفات الكيمائية، عند غسل الآلات”. ولكن العجمي لم ينف ان تكون الروائح المنبعثة ناتجة عن العفن الذي تحويه الترسبات في البحيرات الخمس التي لم يتم تنظيفها قبل جريان مياه المعمل اليها. وهذه الترسبات والبقايا المصابة بالعفونة هي نتيجة لتوقف العمل من المعمل. 

وابدى العجمي استعداده للتعاون من اجل رفع الضرر عن المواطنين، واكد انه بصدد حصر المياه من المعمل حتى لا تصل الى البرك المليئة بالترسبات، واقفال القناة التي تصب في نهر الغزيّل، الذي يصب بدوره في نهر الليطاني. 

أما طبابة قضاء البقاع الغربي فأكدت مصادرها ل”السفير” ان الدكتور سعيد طربيه اوفد بعض الموظفين الى المنطقة، وتم الكشف ميدانيا، حيث وضع الموظفون تقريرا مفصلا بالوقائع تمهيدا لرفعه الى وزارة الصحة، ويتضمن وصفا حسيا لحالة المياه السوداء والروائح الكريهة المنبعثة، والمجزرة التي اصابت الاسماك والحيوانات الماشية الاخرى. واوضحت انها اخذت عينات من المياه ومن الاسماك النافقة تمهيدا لفحصها مخبريا والتأكد من أسباب التلوث.
 
 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic