السياحة في المناطق الجنوبية الحدودية من يذكر بها؟
حركة خجولة في متنزّهات الأنهر المعدودة ومقاهيها

السفير (الإثنين، 24 حزيران / يونيو 2002)

كامل جابر

ما تبقى من قلعة الشقيف نتيجة التدمير الإسرائيلي لها

     يخيم ركود متوراث على الحركة السياحية في المناطق الجنوبية الحدودية، منذ عشرات السنين، ومثله زمن الاحتلال على مدى ربع قرن، ثم تكراره بعد التحرير في أيار العام 2000، مع اختلاف بسيط في اتساع دائرة الرواد. 

ويتمثل الروتين السياحي بغياب المعالم الاثرية الجنوبية التاريخية عن الخريطة السياحية الشاملة في لبنان. منها ما هو ضحية الاهمال المتعاقب سنوات وسنوات وحتى بعد عامين من التحرير، ومنها ما هو قتيل النسيان برغم أهميته الأثرية البالغة القدم. وبين الأمرين يمكن تكريس حركة اصطياف متواضعة، غير سياحية، لمتنزهات ومقاه تنتشر على جوانب عدد من الأنهار، وهي محصورة (الأنهر) لا تتعدى أصابع اليد، قرب الليطاني والحاصباني والوزاني. بيد ان معظم هذه المطارح العاملة في موسم الصيف وليس في غيره، هي ليست شرعية او قانونية، بعضها امتداد للسائد زمن الاحتلال، وبعضها الآخر جاء بفعل “الأمر الواقع” والظروف الأمنية والاجتماعية الطارئة بعد التحرير. لكن، يمكن هنا تسجيل أسماء يتيمة لمشاريع سياحية قامت بجهود فردية واستمرت قائمة بفضل المجهود الخاص بعيدا عن عناية الدولة او اهتمامها. 
 

الأماكن الأثرية 

برج الهبارية

ففي الاماكن الاثرية، تعتبر قلعة الشقيف في منطقة النبطية والتي عانت الأمرين جراء الاحتلال الاسرائيلي وما خلفه فيها من تدمير منهجي أتى على معظم معالمها الخارجية القديمة، وتركها بعد التحرير في مهب الخراب، أكثر المعالم الجنوبية من حيث الأهمية والموقع، وما تميزت به من “سمعة” تاريخية وحديثة. غير ان القلعة، وبعد عامين من التحرير، لا تزال تعاني من “التهميش” عينه، وتبدو للزائر كصخرة مهشمة، في العراء، تحتاج الى معدات التسلق في كثير من الأحيان. وبرغم وعد وزير الثقافة غسان سلامة منذ عام ونيف (في الذكرى الاولى للتحرير) بتعيين حرس للقلعة وفي بدء بعض أعمال التحسين والترميم، فإن القلعة بقيت في رعاية “الاهمال” دون غيره، بل ان الطريق اليها شهدت حركة بناء عشوائية من دون حسيب او رقيب، كادت ان تضيع “بوصلتها” لولا تدخل بعض الجهات الرسمية في “آخر الأمر”. أما زوارها وروادها، فمعظمهم من البعثات والوفود العربية والاجنبية وبعض عناصر قوات الطوارئ الدولية، العابرة في زيارات سريعة. وتسجل محطات يتيمة فيها، لوفود محلية او عائلات متفرقة تدور في فلكها المدمّر، غير المنظم حتى الآن. 

أما المعالم الأثرية الاخرى، مثل قلعة تبنين (التي بناها هوغ دي سنت أومير، أمير طبريا) او قلعة “دوبيه” (الصليبية على أنقاض رومانية) بين حولا وشقرا، او قلعة الهبارية الرومانية (في وسط ساحة البلدة) فتعتبر الحركة السياحية نحوها جميعها شبه معدومة، ويطوق الإهمال الأخيرتين المتروكتين من دون حماية او ترميم او أدنى اهتمام. 

لذا، فإن الحركة السياحية المرتبطة بالآثار والاماكن التاريخية هي على هذا المنوال وهذه الحال، شبه المعدومة، فأين، اذاً، تكمن مطارح هذا العنوان؟ 
 

المؤسسات السياحية 

متنزه البحصاصة

لا تتعدى المؤسسات السياحية المسجلة في وزارة السياحة الاثنتين او الثلاث في المنطقة الحدودية. وهي نشأت في زمن الاحتلال، او بالاحرى، في أيام زخم وجود بعض قوات الطوارئ الدولية العاملة في هذه المنطقة، ومنها الوحدة النروجية التي كانت تتمركز بشكل أساسي في بلدة إبل السقي (مرجعيون) ومحيطها. 

ففي إبل السقي شيد عدد من الأشقاء من آل حمرا منذ نحو ست سنوات، “مجمع الدانا السياحي”، على مساحة تبلغ نحو 24 دونما، ويتألف اليوم من: مبنى من أربع طبقات، وفيه قاعة للمؤتمرات وأخرى للاجتماعات “المغلقة” وثلاثة مطاعم وتراس ومسبح (نصف أولمبي) وآخر للأطفال وحديقة عامة وملعب لكرة السلة والكرة الطائرة. يعمل فيه 14 موظفا (بشكل ثابت) ويصل هذا العدد الى ما يزيد عن عشرين، صيفا. 

عن المواسم السياحية فيه وفي المنطقة يعتبر مدير المجمع سيمون حمرا “أنها اليوم هي أفضل مما كانت عليه في زمن الاحتلال، صحيح كانت “المداخيل” كبيرة وبالدولار الاميركي، وكنا نتكل على الأمم المتحدة، وبشكل خاص على النروجيين وبعض الصحافيين الاجانب من خارج المنطقة، لكن عدد الرواد تضاعف مرات ومرات، وبتنا نرى زوارا من بيروت ومحافظتي الجنوب والنبطية ومن خارج المنطقة الحدودية”. وأشار الى ان “الموسم هذه السنة لم يبدأ بعد، بسبب امتحانات آخر العام الدراسي، وبسبب “المونديال” وموسم شهر حزيران طار بكامله، ونتكل على تموز وآب ونصف أيلول. وخلال الشتاء على بعض المؤتمرات المتعلقة بمؤسسات الأمم المتحدة وغيرها من الجمعيات. لذلك، خفضنا “أسعارنا” مع وجود فندق من أربعين غرفة مجهزة بالكامل (ستاليت وانترنت وغيرها) وأجرة الغرفة المفردة 55 ألف ليرة و”الدوبل” 67 ألف ليرة مع فطور. مع أسعار مخفضة ومدروسة للمؤسسات والشركات والمصالح قد يصل تخفيضها الى 15 بالمئة. بالرغم من أننا ندفع رواتب وضرائب وكهرباء وضمان اجتماعي طوال العام، على عكس ما كان يجري قبلا، لم نكن ندفع مثل هذه التكاليف”. 

وتوقع حمرا ان يكون الموسم جيدا هذا الصيف، و”المشكلة بطول موسم الشتاء الذي تقتصر نشاطاته على حفلات خاصة وفي الأعياد وسهرة رأس السنة. لكن يجب ان يكون الموسم أفضل حالا، ونعتب في ذلك على الدولة لعدم إدراج المنطقة على الخرائط السياحية. ولولا “الخريطة السياحية” الجنوبية التي نفذتها مؤخرا مؤسسة “إس أند إس للتجارة والخدمات العامة” وما رافقها من إعلانات، لكانت تغيب أي خريطة سياحية جنوبية او أي دليل سياحي، غير ان هذا يحتاج الى انتشار وتوزيع وخصوصا على السيّاح الاجانب”. 

وعزا حمرا ضعف موسم السياحة والاصطياف جنوبا لأسباب عدة منها: 

- نظرة الدولة والمعنيين نحو الجنوب، وكأنه “بؤرة تخلف”، او مجتمع حرب. 
- عدم تعميم المعلومات عن وجود أماكن سياحية في الجنوب، ويفاجأ بعض رواّد المنطقة بوجود عدد من المراكز السياحية، وتتحمل الدولة جزءا كبيرا من هذا التهميش. 
- عدم تحسين المرافق السياحية والاثرية وتشجيع السائحين لزيارة المنطقة. 
 

مرجعيون

في مرجعيون وقرب نبع “إبل السقي” وجنوبي الخيام قرب الدردارة، وفي شمالي القليعة، تنتشر متنزهات ومسابح صيفية وبعض المطاعم المتواضعة، روادها من المنطقة وبعض الزائرين الجوالين في عطلة الصيف. وفي برج الملوك فندق متواضع من نحو عشر غرف على “قد الحال”. 

ومن إبل السقي، وصعودا نحو الشمال الشرقي، تنتشر على ضفتي نهر الحاصباني العديد من المطاعم والمتنزهات، الموسمية طبعا، اهمها واكبرها متنزه “البحصاصة”. 

يوضح نجل صاحب المتنزه، ماجد أمين الحمرا ل”السفير”: ان المتنزه صار عمره نحو عشر سنوات، وهو واحد من اصل ثلاثة في المنطقة والجوار. “والدي يمتلك أراضي المتنزه على جانبي النهر. زبائننا كانوا من حاصبيا ومرجعيون، وبعد التحرير جاؤوا من مختلف المناطق اللبنانية، من البقاع وبيروت والنبطية وصيدا. ويقصدوننا لأننا نختص بسمك الحاصباني وبأصناف المأكولات والمازة اللبنانية. زبائننا من رواد المطاعم وخصوصا في شهري تموز وآب وحتى منتصف شهر ايلول ونحن أصلا لا نفتح إلا في الموسم الصيفي”. 

وعن انطلاقة الموسم الصيفي اعتبرها الحمرا “ضعيفة بالمقارنة مع الموسم الماضي او قبلها. ربما يرتبط ذلك بالاوضاع الاقتصادية و”عجقة” الامتحانات. ولأننا معروفون ونمتلك رخصة قانونية، نعمل أكثر من غيرنا”. وحدّد كلفة الشخص الواحد عن 12 ألف ليرة وحتى 20 ألف ليرة “وطبقنا المميز هو من سمك الحاصباني الذي نشتريه من صيادي الشباك، والشكوى من قلة وجوده بسبب ما تعرض له في زمن الاحتلال من صيد بالمتفجرات والديناميت. نأمل من الدولة اللبنانية ان تدعم تربية مثل هذه الاسماك وتأمين “البزرة” بأسعار تشجيعية”. 

وأكد ان الدولة بعد سنتين من التحرير “غائبة مئة بالمئة عن القطاع السياحي في المناطق الجنوبية مثلما تغيبه عن الخريطة السياحية. ونسألها إدراج المنطقة على ذاكرتها”. 

وعلى ضفاف نهر الوزاني بين البلدة التي تحمل اسمه، وضيعة الغجر وسهل الحولة المحتلين من قبل اسرائيل، انتشرت مقاه قليلة، يؤمها زوار من الجوار ومن مناطق لبنانية قريبة، باتوا يعرفون النهر و”جلساته” وهم من الباحثين عن الاستجمام والترفيه في موسم الحر والصيف، بعدما كانت ضفافه محطة لأبناء المنطقة المحتلة فقط، طوال فترة الاحتلال. لكن، لا وجود لمتنزهات ومطاعم بحجم القطاعات السياحية او بما تحمله الكلمة من معنى، لذلك فإن رواد النهر هم من العائلات “المتوسطة الدخل” ومن الصبية والشبان، من هواة السباحة. 
 

بنت جبيل

أما في قضاء بنت جبيل، فيضطر أبناء المدينة والجوار الى التوجه نحو منطقتي النبطية ومرجعيون او منطقة الناقورة الساحلية، بحثا عن الاستجمام والسياحة. فلا مطاعم او متنزهات او مسابح بالمعنى المقصود في لغة السياحة، وإن كانت هناك مشاريع يتيمة على “مستوى” بعض القوى، ليس اكثر. فعلام تعتمد المنطقة في حركتها السياحية؟ 

يعتبر رئيس نقابة أصحاب المؤسسات التجارية في بنت جبيل طارق بزي “ان السياحة معدومة في المدينة والجوار، نظرا لعدم وجود مرابع سياحية او مراكز اصطياف. غير ان مدينة بنت جبيل وجوارها تعوّض بمصطافين من “أهل البيت” اذ يؤم المنطقة نحو اربعة آلاف، قادمين من ديترويت (أميركا) وافريقيا وغيرهما، ينزلون في بيوتها عند أقاربهم او يستأجرونها، ليحركوا العجلة الاقتصادية فيها. وهم برأيي يشكلون “فسحة الامل” في صيف الحركة التجارية، التي تسد النقص عن العام بكامله”. 

ولفت بزي الى ان قدوم “مهاجري” البلدة في موسم الصيف “شجعنا على إحياء شهر التسوق في بنت جبيل الذي سنفتتحه هذا الصيف بتاريخ الثالث عشر من تموز المقبل، برعاية رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري. وبتنا نعتمد على هذه السوق الطارئة التي أنقذت العديد من المصالح، كانت مهددة بالانقراض والاقفال. والرواد من مختلف المناطق اللبنانية الذين يستفيدون من اسعار هي اقل من غيرها في المناطق اللبنانية الاخرى، ويحاول التجار في هذا الشهر الاستفادة من الاسعار المخفضة التي تمنحنا اياها الشركات والمؤسسات”. 
 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic