دراسة شاملة حول عمالة الأطفال في قطاع زراعة التبغ:
نصف أيام السنة ل “الشتلة”.. بلا أجر ولا شروط للسلامة

السفير (الثلاثاء، 2 تموز 2002)

رشا الأطرش

اطفال التبغ والبيئة الملوثة على مدار السنة

     يشكل التبغ إحدى ابرز المحاصيل في لبنان، وهو القطاع الزراعي الذي يشمل حوالى أربع وعشرين ألف مزارع. وقد تطورت هذه الزراعة على نحو لافت للنظر خلال العقود الثلاثة الأخيرة بحيث اصبحت تستغل 91 ألف دونم من الأراضي اللبنانية، وتنتج سنويا حوالى أحد عشر ألف كيلوغرام من التبغ. 

لكن العاملين في هذا القطاع ليسوا دائما من أصحاب الأيدي الناضجة أو السواعد المشتدة. بل إن هناك في الجنوب وحده، حيث تتركز زراعة التبغ في لبنان، نحو 22,400 شخص يعملون في زراعة التبغ. انه عدد الأطفال والمراهقين الذين يغرسون، ويحصدون، و”يشكون” التبغ. يستيقظون قبل بزوغ الشمس، وقبل الذهاب الى المدرسة هذا اذا لم يكونوا قد انقطعوا عنها أسوة ب94 في المئة من “أطفال التبغ” الذين لم يتعد تحصيلهم العلمي المرحلة الابتدائية ليقصدوا الحقول، وليساعدوا الأهل في المهام “المقدسة” التي تتولى، بمردود هو حوالى مليون ليرة في الشهر، إطعام عائلات لا يقل معدل افرادها عن سبعة أشخاص. انه العدد الذي يساوي 1,4 في المئة من العدد الاجمالي للأطفال والشباب ما دون تسعة عشر عاما في لبنان، علما ان السواد الاعظم من الأطفال العاملين في زراعة التبغ هم من الفئة العمرية المتراوحة ما بين 12 15 عاما، تليها الفئة العمرية ما بين 9 12 عاما. 

هم الأطفال والمراهقون الذين لم يعتادوا، حتى بل وخصوصا خلال العطلة الصيفية، على اللعب أو ممارسة مختلف أشكال “الشيطنة” الطفولية التي يتطلبها نموهم الطبيعي عقليا وجسديا.. هم “أطفال التبغ” الذين يبلغ عددهم مرة ونصف العدد الإجمالي لمزارعي التبغ البالغين في الجنوب. 

من هنا كانت توصية منظمة العمل الدولية بالتعاون مع وزارة العمل في لبنان بإجراء دراسة عن “عمالة الأطفال في قطاع زراعة التبغ في لبنان”. ونفذ هذه الدراسة مركز الاستشارات والبحوث في لبنان بحيث جرى استطلاع شامل لظروف عمل الأطفال في زراعة التبغ في لبنان بالاضافة الى الأحوال الاقتصادية والاجتماعية لعائلاتهم. إذ تنعكس الظروف المذكورة على الحياة التي يعيشها هؤلاء الأطفال والمراهقون بين الحقول و”سطيحات” المنازل الضيقة، حيث يجلسون لساعات طويلة، وبيدهم إبرة حديدية وخيط. ف”يحيكون” الصفوف تلو الصفوف من أوراق التبغ، ولا يسلمون من جروح لا تطبب، ولا من صفعات الأهل وسبابهم في ما لو غضبوا من عدم اتقان أولادهم للمهارات المطلوبة، وستعلن وزارة العمل مع المكتب الاقليمي لمنظمة العمل الدولية في لبنان عن هذه الدراسة قريبا. 

وبحسب الدراسة فإن 11 في المئة من عمالة الأطفال في لبنان تتركز في القطاع الزراعي.. في لبنان “الأخضر”. والكلام هنا عن زراعة التبغ المحصور تنظيمها بإدارة “الريجي” اللبنانية التي تدعم زراعة التبغ في لبنان بمبلغ قدره 73,3 مليون دولار، بل وتدعم الجنوب تحديدا بمبلغ قدره عشرين مليون دولار. لكن أحداً لا يهتم بالمزارع الطفل وظروف عمله الذي أولج به بدل الكتاب المدرسي، وبدل اللعبة والملعب. الكلام هنا عن “مزارعين” لا تخولهم سنهم بعد الانتساب الى نقابة مزارعي التبغ في لبنان، لكن عضويتهم كأفراد من عائلات تشتغل بهذه الزراعة لتعيش يجعلهم أجدر بالعناية وإن كانوا اقصر قامة من ان يلاحظوا. 

يربو العدد الإجمالي لمزارعي التبغ في لبنان، وحتى العام 1999، على 13,293 مزارعا. ويوجد في جنوب لبنان نحو خمسة أفراد من كل عائلة يعملون في هذا الحقل. وبما ان زراعة التبغ في لبنان هي عمل عائلي، بالاضافة الى ان 33,7 في المئة من سكان الجنوب تتراوح أعمارهم ما بين 5 19 عاما، فيقدر بأن الجنوب اللبناني وحده يشتمل على نحو 22,400 فرد عاملين في زراعة التبغ من فئة الشباب والأطفال، منهم 7,400 فرد تتراوح أعمارهم ما بين 5 9 سنوات، و7,400 فرد آخرين تتراوح اعمارهم ما بين 10 14 سنة، بالاضافة الى 7,600 فرد تتراوح أعمارهم ما بين 15 19 سنة. 

التوزيع بحسب الأعمار: تتركز عمالة الأطفال، بالنسبة الى زراعة التبغ، في القرى التي تتميز بكثافة في عدد مزارعي التبغ. وذلك ما يكرس، بالأرقام أيضا، صفة العمل العائلي الملتصقة بزراعة التبغ. وتظهر التقديرات الناجمة عن هذه الدراسة أن غالبية الأطفال العاملين في زراعة التبغ (نحو 42 في المئة) تتراوح أعمارهم ما بين 12 15 سنة، تليهم (21 في المئة) الفئة العمرية المتراوحة ما بين 9 12 سنة. 

الأجور ودخول سوق العمل: تظهر الدراسة ان معظم الأطفال العاملين في زراعة التبغ لا يتقاضون أجرا مقابل عملهم، على اعتبار ان عملهم هو ضمن الاطار العائلي. فيبدأ الأطفال بالعمل في عمر مبكرة قد تنحدر أحيانا الى عمر ثلاث سنوات. ويفيد 42 في المئة من الأطفال الذين اجريت معهم مقابلات في إطار استكمال الدراسة انهم بدأوا بالعمل في عمر يتراوح ما بين 6 9 سنوات، فيما بدأ 34 في المئة منهم في عمر أصغر من ذلك ويتراوح ما بين 3 6 سنوات. أما الأطفال الذين بدأوا بالعمل من بعد سن الثانية عشرة، فأولئك هم الأقلية. 
 

لا فرصة للعب 

المستوى التعليمي: كما هي حال معظم أطفال لبنان ما بين 6 9 سنوات، فإن معظم الاطفال المشمولين بالدراسة مسجلون في المدرسة، في حين ان سبعة في المئة فقط هم خارج المدرسة. واذ يشير نحو 57 في المئة من الأطفال ان لعملهم في زراعة التبغ تأثيرا سلبيا على تحصيلهم العلمي، فيعود ذلك بشكل أساسي الى ان معظم الأطفال يتغيبون عن المدرسة لتأدية أعمالهم المتصلة بزراعة التبغ. فيعيق هذا التغيب تقدمهم وتحصيلهم التعليمي، ويقلص من فرصهم في النجاح الأكاديمي. ويشعر اكثر من ستين في المئة من الأطفال العاملين في زراعة التبغ ان عملهم قد حرمهم من الحصول على وقت للراحة، اذ لا يعود لديهم متسع من الوقت للعب مع الأصدقاء أو القيام بنشاطات ترفيهية. 

طبيعة العمل: إحدى أهم مواصفات العمل بزراعة التبغ هي انه عمل عائلي، بحيث يضطلع كل أفراد العائلة، بطريقة أو بأخرى، بمهمة (أو أكثر) متصلة بزراعة التبغ. ويختلف عمل الأطفال في زراعة التبغ عن عمل الأطفال في قطاعات اقتصادية اخرى حيث يعمل الأطفال مقابل ما يمكن تسميته بالأجور. فالأطفال العاملون في زراعة التبغ، جميعهم تقريبا، لا يتقاضون أي أجر باعتبارهم يقدمون المساعدة للأهل. 

تتزامن معظم مهمات وأعمال الأطفال في التبغ (خمسون في المئة) مع فصل الصيف، وفصل الربيع (33 في المئة). وتتركز هذه المهمات على جمع التبغ بواسطة ابرة حديدية خاصة (ما يسمى ب”شك التبغ”). والحصاد، ونقل غرسات التبغ. وبذلك ينقسم عمل الأطفال بالتبغ الى مراحل أربع بحسب الفئات العمرية: أقل من خمس سنوات، 5 10 سنوات، 11 15 سنة، و16 20 سنة، فيقلد الأطفال دون الخمس سنوات أعمال أشقائهم وشقيقاتهم. وينحصر عمل الأطفال من هذه الفئة العمرية في “شك التبغ” بخيوط طويلة خاصة، من أجل تجفيفها. ولم يسجل أي تمييز جنسي أو جندري في عمل هؤلاء الأطفال، اذ يقوم الذكور منهم والإناث بالأعمال ذاتها. 
 

قلة نوم وقلة تركيز 

وكلما تقدم الأطفال في السن (5 10 سنوات) اوكلت اليهم مهام أكثر خصوصية. فيعمل الأطفال من هذه الفئة العمرية في نقل الغرسات وفي تجفيف أوراق التبغ. ويتم نقل الغرسات في شهري نيسان وأيار من كل عام، فيواظب أفراد العائلة جميعهم على اتمام هذه المهمة لدرجة انه، وفي القرى المعروفة بكثافة مزراعي التبغ، تقفل المدارس أبوابها خلال هذا الموسم. وتجدر الاشارة الى ان ادارات المدارس حاولت اجراء المفاوضات مع وزارة التربية لتتضمن العطل الرسمية موسم تغيب الأطفال عن مقاعد الدراسة في موسم نقل غرسات التبغ والحصاد. 

وفي العمر المتراوح ما بين 5 10 سنوات يبدأ الأهل بتعليم أطفالهم التقنيات المتعلقة بزراعة التبغ. وقد درج الأهل على تحفيز أطفالهم من أجل تشجيعهم على تعلم المهارات المطلوبة. فبالنسبة الى نقل الغرسات توكل الى الأطفال، في هذه السن، مهمة تغطية الجذور بالتراب. الا ان دورهم في تجفيف التبغ يزداد أهمية، اذ يتوقع من كل طفل ان يتمكن بمفرده من “شك” ثلاثين ابرة (طولها أربعون سنتمترا وعرضها ثلاثة ميلليمترات)، أي ما يعادل أربعة كيلوغرامات من التبغ. وتتجلى في هذه المرحلة التفرقة الجندرية. يبدأ التجفيف في شهري حزيران وتموز، أولى شهور العطلة الصيفية، مما يؤدي الى تقليص الوقت المخصص أصلا للراحة والترفيه من بعد انتهاء العام الدراسي. 

بالنسبة الى الأطفال المتراوح عمرهم بين 10 15 سنة، فنادرا ما يمارس هؤلاء الأعمال المتصلة بزراعة التبغ. ويتوقع من الطفل في هذه المرحلة ان يقوم بتجفيف كمية تتراوح ما بين ثلاثين ابرة (أو خمسة خيوط) وبين تسعين ابرة (أو 15 خيطا). وتجدر الاشارة الى ان كل ابرة تتضمن 175 ورقة تبغ من الحجم الوسط، أو ثلاثمئة ورقة من الحجم الصغير. كما يتوقع من الأطفال في هذا العمر ان ينشطوا في أعمال الحصاد، وخصوصا الفتيات. فيجب عليهن الاستيقاظ باكرا (في الخامسة صباحا) من أجل العمل لمدة ساعتين ونصف قبل الذهاب الى المدرسة. ومن الواضح أن لذلك تأثيرا كبيرا في التحصيل المدرسي، اذ يشير المعلمون الى ان التلاميذ يعانون من صعوبة في التركيز نتيجة لقلة النوم. وبالاضافة الى مهام الحصاد، يتوقع من الأطفال في هذه المرحلة العمرية ان يساعدوا في الغرس والزراعة (والري، ونزع النباتات الضارة، الخ). كما يلحظ ان الفتيات مسؤولات تحديداً عن تحضير الغرسات ونزع النباتات الضارة الى جانب المساعدة في التجفيف. 

في خلال سن المراهقة، أي عندما يتراوح عمر الأطفال ما بين 15 20 عاما، تزداد دائرة الأعمال المطلوبة منهم اتساعا لتشمل كل مهام زراعة التبغ: من زراعة، ونقل غرسات، وري، الى انتزاع النباتات الضارة، والحصاد، والتجفيف، والتوضيب. ومن الملاحظ أن المراهقين الذكور يعملون في زراعة التبغ بدرجة أقل من الإناث، إذ يترك كثيرون منهم المدرسة بغية البحث عن فرص لكسب المال. وما يعزز الاطار العائلي للعمل في زراعة التبغ هي شهادة 85 في المئة من الاطفال الذين يقولون بأن الدافع لديهم للعمل هو مساعدة الأهل، فيما يشير 12 في المئة فقط الى انهم يعملون من اجل جني المال. 

ظروف العمل: تتسم ساعات العمل النهارية بالنسبة الى مزارعي التبغ بأنها طويلة، بحيث تعمل غالبية الاطفال (47 في المئة) بمعدل ست ساعات يوميا، فيما يعمل آخرون (30,5 في المئة) بمعدل اربع ساعات يوميا في خلال موسم انتاج التبغ. بالاضافة الى ان ثلث عدد الاطفال المشمولين بالدراسة يفيدون بأنهم يعملون بين 88 152 يوما (او لمدة 3 5 اشهر في السنة) في زراعة التبغ، بينما يعمل ثلاثون في المئة من الاطفال ما بين 152 226 يوما في السنة. 

بيئة العمل: إن الأماكن التي يعمل فيها الاطفال هي دائما صغيرة، وسخة، ويملأها الغبار. ففي خلال اشهر التجفيف (ايار حزيران) يجلس الاطفال على الارض امام بيوتهم في مساحات ضيقة مع سائر افراد العائلة، وأوراق التبغ تتوسطهم. أما حين يعمل الاطفال في الحقول، فيجب عليهم تحمل اشعة الشمس الحارقة والحرارة المرتفعة للجو، وهما العاملان اللذان غالبا ما يتسببان لمعظم الاطفال بالصداع. وبالنسبة الى الأدوات المستخدمة في تنفيذ مختلف المهام المتعلقة بزراعة التبغ فهي غير مناسبة، وغالبا يدوية، وتتضمن معدات خطرة بلا احتياطات للسلامة. 

والجدير بالذكر ان علب الطوارئ نادرا ما تتوفر في أماكن العمل. وإذا اصيب طفل بأذى او بجرح، فليس هناك إلا ال “السبيرتو” والضمادات الخفيفة، في حين تغيب تماما المراجعات الطبية. كما ان علب الاسعافات الأولية مفقودة تماما من بيئة العمل. 

يواجه الأطفال العاملون في زراعة التبغ مخاطر عديدة. فتظهر الدراسة الميدانية ان نحو 25 في المئة من الاطفال قد حصلت لهم اصابات، على الأقل مرة واحدة، اثناء العمل. وأكثر هذه الاصابات شيوعا هي، بكل بساطة، الجروح. لا يرتدي الاطفال قفازات، ولا يملكون ثيابا خاصة بالعمل. وتتفاوت طبيعة المخاطر باختلاف الاعمار على النحو التالي: 

1 يواجه الاطفال دون الخمس سنوات مخاطر الاصابة بالجروح العادية او الطفيفة من جراء “شك” التبغ في خيوط خاصة باستخدام إبر خاصة. 

2 يتعرض الاطفال الذين تتراوح اعمارهم ما بين 5 10 سنوات للاصابة بالحمى أثناء القيام بنقل غرسات التبغ، بالاضافة الى مخاطر اخرى مرتبطة بالمعدات غير الآمنة، وخصوصا الجروح الناتجة عن استخدام الإبر. 

3 وبما ان الاطفال الذين تتراوح اعمارهم ما بين 10 15 سنة معنيون بشكل مباشر بأعمال زراعة التبغ، فهم يواجهون مخاطر مشابهة لتلك التي تتعرض لها الفئة العمرية ما بين 5 10 سنوات. إلا انه وبالاضافة الى هذه المخاطر، فهم معرضون للإصابة بالإعياء من جراء الاستيقاظ باكرا جدا للقيام بالحصاد، الى جانب التعرض للحشرات السامة أثناء العمل في الحقول. 

يتناول معظم الاطفال الطعام خلال ساعات العمل (17 في المئة فقط ذكروا انهم لا يملكون ان يتناولوا الطعام في اثناء العمل). وتحضر احدى الإناث من افراد العائلة الطعام للعائلة كلها قبل البدء بالعمل على تجفيف اوراق التبغ. وفي الحقول يجلب الأهل “غالونات” معبأة بمياه الشرب. 

لم تلحظ اية ممارسات متعلقة بسوء المعاملة مثل العزلة، او التجارة غير المشروعة، او التحرش الجنسي بالأطفال. لكن بعض الأطفال يقولون ان الأهل يمارسون عليهم، في بعض الأحيان، العنف الجسدي والكلامي، فيضربونهم اذا لم يتعلموا المهارات المطلوبة. وهناك قيود كثيرة تزعج الاطفال في عملهم بزراعة التبغ. وأبرز هذه القيود هي ضرورة الاستيقاظ في الصباح الباكر في خلال موسم الحصاد، والعمل لساعات طويلة، والضجر اثناء فترة “شك التبغ”، بالاضافة الى افتقاد الوقت الحر للقيام بنشاطات ترفيهية. كما يشعر الاطفال بالتعب الشديد بعد العمل لساعات طويلة. 

الشعور اتجاه العمل: تظهر المقابلات التي اجريت مع الاطفال العاملين في زراعة التبغ ان 45 في المئة منهم لا يحبون العمل في زراعة التبغ لأن “العمل متعب، ومضجر، وصعب”. فيما لا يحب آخرون (22 في المئة) العمل في زراعة التبغ لمجرد انهم “يكرهون هذا العمل”، ويقول البعض الآخر (16 في المئة) انه “عمل متعب لكنه المصدر الوحيد للدخل”، في حين اشار 11 في المئة الى انهم يحبون هذا العمل. 

الخصائص الاقتصادية الاجتماعية للعائلات: في سياق استكمال الدراسة، وبهدف مطابقة الاجابات التي حصلنا عليها من التقييم السريع لأوضاع العائلات المشتغلة بزراعة التبغ، اجري مسح للخصائص الاقتصادية والاجتماعية ل 131 عائلة من قرى مختلفة، مما يساعد في تحديد الحالة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الاطفال في هذه العائلات. فتبين ان هذه العائلات هي عائلات كبيرة عموما (بمعدل سبعة افراد في العائلة الواحدة)، وهيكليتها العمرية شابة (39 في المئة تتراوح اعمارهم ما بين 11 19 سنة و14 في المئة ما بين 5 10 سنوات)، في حين ان المستوى التعليمي متدن (23 في المئة من الآباء و40 في المئة من الأمهات إما اميون او بالكاد يقرأون ويكتبون، فيما حصل 12 في المئة من الأهل تعليما ثانويا)، ومستوى الدخل منخفض (10 20 مليون ليرة في السنة لعائلات معدل عدد افرادها هو 6 7 اشخاص، علما ان 40 في المئة من العائلات حيث معدل عدد الافراد هو 6 7 اشخاص يعيشون من دخل يساوي اقل من عشرة ملايين في السنة). 
 

التوصيات 

وتخلص الدراسة الى سلسلة توصيات ابرزها: وضع برنامج تدريب مهني معجل لاطفال التبغ، تحسين ظروف عمل الاطفال، تجهيز اماكن العمل بعلب اسعافات اولية واقامة دورات صحية سريعة للأهل، احاطة الاطفال الأصغر سنا بتدابير وقائية خاصة، عقد جلسات توعية للأهل العاملين في زراعة التبغ حول الحاجات والمخاطر المحدقة بعمل اولادهم، اقامة مراكز للأنشطة الترفيهية للاطفال، اقامة برامج توعية حول عمالة الاطفال وحقوق الطفل، مطالبة “الريجي” بتحمل مسؤولياتها ازاء تحسين ظروف عمل الاطفال، مشاركة نقابات مزارعي التبغ في تنظيم البرامج المقترحة لتحسين ظروف عمالة الاطفال في التبغ، تشجيع وتعبئة المنظمات الاهلية والبلديات في تأمين الخدمات الاساسية لتحسين ظروف عمل الاطفال، وأخيرا تغيير عامل الاتكال الاقتصادي للعائلات على زراعة التبغ، اذ تجدر بالحكومة توفير انواع زراعات اخرى تدر موارد مالية.
 

ثياب العمل لا تغادر جسم طفلة التبغ

كامل جابر


     يسمعها الجميع تردد: “كل الحق على بيت جدي، هني اللي اهدوا بابا “الميابر”، حتى شغلنا بالدخان”. هذا العتب عند حنين حسين سرحان (10 سنوات) ليس اعتراضا على “الهدية”، انما ينبع من اعتراض على عمل أهلها في زراعة التبغ ما يحرمها من عطلتها الصيفية، بل من كل فرصها، لأنه يفرض عليها ان تساعد والدتها وأهلها في هذه الزراعة المضنية السارقة للراحة والصحة بمرَ لقمتها. 

تؤثر حنين الذهاب الى مدرستها على العمل في “هذه الشغلة الصعبة”، فهي لا تطعمها واخوتها غير الخبز المرّ، “لكن، عليّ ان أساعد ماما حتى نخلص بكير”. ثياب العمل تكاد لا تغادر جسم حنين طوال الصيف، تقول: “الصيف المنصرم شاركت في دورة مدرسية هربا من العمل في الدخان. لكن بالنهاية كان علينا ان ننتهي حتى تصبح حالتنا أفضل”. 

تتفادى حنين الحديث عن عملها في الدخان أمام رفيقاتها، “فهم بطّلوها” منذ زمن وتتمنى ان ترتاح من وجع الظهر الذي تشكو منه أمها كذلك، “فالعمل في التبغ مرّ وكل ما حولنا مرّ بمرّ. نزرع ونقطف ونشك ونعلق ونضغط ويدخل الموسم في الموسم، نكبر وشغل الدخان لا ينتهي”، تقول الوالدة. 

شكوى حنين هي شكوى والدتها ووالدها، لكن “ليس في اليد حيلة”، فالعائلة أصيبت بنكسة عمار الذي بتر لغم أرضي رجله اليسرى صبيحة اليوم الأول من التحرير، ويحتاج الى العلاج، والى الدراسة مع أخوته. 

الشكوى تتكرر عند زينب حسن داوود (12 سنة) من كفرتبنيت. كأن العمل في زراعة التبغ وشكه سرق احلامهم وحولهم الى مدركين قبل الاوان. فزينب بدأت في شك الدخان قبل سن الرابعة، بعدما تهجّر أهلها من الحي الشرقي في البلدة حيث هدم الاحتلال منزل العائلة. وهي تعمل رغما عن ارادتها “في الموسم الماضي لم أشارك في الشك كثيرا، تذرعت بالدورة التعليمية الصيفية وتحمست لها لأنها انقذتني نوعا ما من شك الدخان”. أهلها يعملون في زراعة التبغ على مدار العام، ويدخل الموسم بالموسم، “وعلى الرغم من ان أبي وأمي يشجعانني على الدرس أنا وأخوتي، لكن نصيب أخوتي الصبيان من العمل في الدخان أقل بكثير من نصيبي ونصيب أخواتي البنات”. 

بدأ موسم الصيف، وغادر الصبيان والبنات في القرى الحدودية مدارسهم الرسمية. وسوف تتسابق فاطمة اسماعيل حجازي من عيترون، ابنة الحادية عشرة مع أخوتها الصغار في شك “الميابر” الى جانب والدتهم، في تحدّ مع الوقت حتى “ينتهوا” من موسم التبغ في الأيام التي تسبق الذهاب الى المدرسة آخر أيلول المقبل. ويكونون بذلك هم والصيف “صلحا”، لن يأخذوا من أيامه قسطا للراحة، ولن يأخذ منهم بداية ارتباطهم المدرسي، فهل الأمر منصف؟ تضحك فاطمة وتنظر الى والدتها “المغلوبة” بتربية العائلة وموسم الدخان و”همّ الدَّين” الذي لا يحتمل، ليبتسم الجميع مسلمين بوضعهم الذي “لا مفر منه”.

 

§ وصـلات:

 

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic