مهرجانات بيت الدين
فيروز: دراما البراءة المغدورة والوعي الشقي

السفير (السبت، 10 آب / أغسطس 2002)

عباس بيضون

فيروز في بيت الدين امس (عباس سلمان)

     نستسلم لفيروز وهي تحيي أولى لياليها في مهرجانات بيت الدين، تزول الأسئلة والشكوك والمسافات النقدية ما ان تحضر ولا تبقى سوى حاجتنا الى لحظة غير منقسمة لا نمضيها بالخبث والسخرية من أنفسنا. سوى حاجتنا الى استنفاذ شيء ذي ثمن في حياتنا نشهد بأنها لم تكن أكذوبة متواصلة، هذه السيدة لا تزال وحدها قادرة على أن تجعل الغناء قوة وضميرا وشراكة بين الناس على أن تجعله قوة جمع وحلم وأن تحمل وحدها المفتاح التاريخي للبنان. 

تأخرت الأمسية كالعادة. لم تبدأ حتى كانت المساحات البيضاء على أرض الاحتفال تناقصت الى حد الزوال. 5000 مستمع جاؤوا عائلات وأفواجا. فهنا يأتي البيت برمته ويتجاوز ستينيون وأربعينيون وعشرينيون. قد تتناقص نسبة الفتيان التي كانت أعلى لكن هذا لا يحتاج الى تفسير، حضرت فيروز بثوب فريد اللون بين الدخاني والقرفي شفاف منحها هذه المرة سمت طائر وجعلها تتحرك بخفة في الضوء.

كان أغلب الحاضرين أمضى ساعة وأكثر في انتظارها حتى تعب من الانتظار وطالما استعجلها بتصفيق مفتعل. غير أن فيروز حضرت وتبخرت الشكوى ما ان بدت على المسرح. تساءل الجميع عن لون ثوبها ولم يجدوا اسماً له لكن فيروز بدأت واثقة ومتملكة لنفسها وصوتها.

غنت “بيقولو صغير بلدي” بصوت لم يعد عليه الزمن. أدت بسهولة وطواعية كل تلاوين اللحن وبدا صوتها التاريخي كما هو. لم يشعر الحاضرون بأن هذه نسخة ثانية منه. بالقوة نفسها انتقلت الى “بيذكر بالخريف” لزياد الرحباني، كان بين الاغنية العريقة والمحدثة خيط اتصال واضح. لم يبدُ ان بينهما فجوة كبيرة وتفاوتاً. إشراق صوتها في اغنية زياد التي تحولت الى اداء متقشف وبسيط عوض عن رتابة الغناء والميلودي المقبوضة الصارمة. كان في ادائها لاغنية زياد قوة اضافية جعلتها حية ومؤثرة. اغنية “شادي”، بعد “بيذكر بالخريف”. أكملت هذا التواصل الدينامي. في التراث الرحباتي كما يقول زياد عناصر نقدية وجديدة أحيتها اغنية زياد وبنت عليها، الاغنيات الثلاث المكرسة لفلسطين كانت تحية قصد ان تكون مفعمة وطويلة. 

كان نصيب زياد من البروغرام قليلا. 5 اغنيات من 27 اغنية ومقطوعة. كل بروغرام في مهرجانات بيت الدين يجدد المساومة بين غناء فيروز التاريخي والراه.ن النتيجة هذه المرة لصالح التاريخي. الارجح ان فيرور فرضت ذلك في لحظة ترسخ فيها غناؤها الجديد وبات ينافس التاريخي منافسة جولة. أدخلها زياد بحق في انعطافة حملت اسمه واسمها. جعلها ثانية المتمردة والطليعية والمجددة. قد يكون انحياز فيروز هذه المرة الى بروغرام تاريخي من زوال قلقها حيال العمر والمعاصرة، قد يكون زياد غاب عن الأمسية احتجاجا على نسبته الضئيلة. 

غناء فيروز التاريخي يردنا الى عصر براءة متخيل أو حقيقي، ولهذه البراءة دائما سعادتها الدائمة وعافية مخيلتها ولو اعتراها بعض السذاجة، أما أغنية زياد فتعود الى الوعي الشقي. إنها أغنية سوداوية رغم تهكمها، نقدية وساخرة وعامرة بالمفارقات، لا يبدو الخيط مقطوعا في أمسية فيروز بين البراءة المغدورة والوعي الشقي. انهما معا وجها الدراما ذاتها، وفي أمسية فيروز شعرنا بأننا أكثر قدرة على ان نتذكر أحلامنا من دون أن نكره أنفسنا.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic