إلغاء “التربية الجنسية” من المنهاج لا يوقف سيل أسئلة الأولاد
رجال الدين مع حق الطفل في الحصول على المعلومات

السفير (الثلاثاء، 13 آب / أغسطس 2002)
ريما إبراهيم

السيد فضل الله: المعلومات الملائمة

المطران خضر: الإبقاء على مبدأ العفة

     سارة طفلة في الثالثة من العمر تريد ان تعرف اين كانت قبل ان تدخل في “بطن الماما”. ليال في الحادية عشرة انجبت امها منذ سنتين فكانت مناسبة لحديث اكثر صراحة دار بين الام وابنتها، أول أسئلتها كان عن المولود من اين خرج فأخبرتها امها واخبرتني انها تلقت الموضوع بكل بساطة ولم تستغرب مما اراح الام وجعلها لاحقا تشرح لها وعلى مراحل موضوع العادة الشهرية وموضوع العلاقة الجنسية من دون خوض في التفاصيل واستطاعت ان تمرر لها ببساطة ايضا ما يمرره غيرها من الاهل بكثير من الترهيب. 

كيف دخلت الى بطن الماما؟ من اين خرجت؟ لماذا اعضاء البنت تختلف عن اعضاء الصبي؟ 

وغيرها الكثير من الاسئلة التي تتنوع حسب عمر الطفل ومخيلته ونموه الفكري والعاطفي واستكشافه للعالم من حوله واختباره لأحاسيسه والتي في الغالب تترك بلا اجابة او بإجابة خاطئة ساقها الاهل او وجدها الطفل بمجهوده الشخصي او مجهود أترابه. 

في العام ألفين ألغيت “التربية الجنسية” من المناهج الجديدة لما اثارته وتثيره من تحفظات... حتى ان دروس “الانجاب” التي كانت مقررة ضمن منهج علم الاحياء اصبحت اختيارية. 

يبدو ان الموضوع لن يحسم بين ليلة وضحاها ويبدو ان الاطفال لن ينتظروا رجال الدين حتى يحزموا امورهم ويبدو ان الاهل يواجهون يوميا اسئلة اطفالهم ويحتارون في الاجابة. 

إزاء هذا الوضع ماذا نفعل هل ننتظر اقرار التربية الجنسية في المدارس ونربي اطفالنا على الجهل والكبت ام نقوم بمسؤولياتنا في هذا المجال ونتحلى بالشجاعة لنواجه قبل اسئلة اطفالنا المخاوف التي خلفتها تربيتنا التقليدية؟ 

حول التربية الجنسية كانت هذه اللقاءات الثلاثة حيث اتفقت آراء رجال الدين مع علم النفس على ضرورة التربية الجنسية “البيتية” واختلفت في بعض التفاصيل لكن من الواضح انه لم يتم الاتفاق بعد على تعريف لمفهوم “التربية الجنسية”. 

التربية وعلم النفس 

علماء النفس يتوسعون في هذا المفهوم فتقول الدكتورة ماري تيريز خير بدوي، الاختصاصية في علم النفس العيادي والمحللة النفسية واستاذة علم النفس في الجامعة اليسوعية، ان التربية الجنسية تشمل الى جانب الجزء المتعلق بالمعلومات جزءا مهما ان لم يكن اهم وهو الجزء العاطفي: اللذة والحب والعلاقة بين الرجل والمرأة وهي امور لا يتطرق اليها احد لا مع الصغار ولا الكبار. 

والمشكلة انه في ظل المناهج المطبقة حاليا ونمط التربية التقليدية السائدة، ننتظر حتى يبلغ الولد سن الثالثة عشرة او الرابعة عشرة لننقل اليه المعلومات المتعلقة “بوظائف الاعضاء” وهو في هذه السن يكون قد سبق له و”جمع” هذه المعلومات. وما يحتاجه هو الكلام عن الشق العاطفي لأنه بدأ يعي جسده ولديه قلق بالنسبة للاحاسيس والتغيرات الجسدية والهورمونية الكثيرة التي يختبرها والتي لن يتمكن من الكلام عنها إن لم يكن ثمة جو من التواصل والراحة والصراحة بينه وبين اهله وهو شرط ضروري ليستطيع الاهل القيام بمسؤولياتهم في ما يتعلق بالتربية الجنسية التي تبدأ في سن مبكرة جدا عندما يدرك الطفل ان هنالك جنسين، في عمر السنتين والنصف، ويبدأ في طرح الاسئلة. وهنا تشدد الدكتورة بدوي على ضرورة التزام الاهل في اجاباتهم بحدود السؤال آخذين بعين الاعتبار سن الطفل وقدرته على الاستيعاب وامكانياته العاطفية والفكرية، وتشرح: “نتبع الطفل، اذا سأل نجيب واذا طلب المزيد نعطيه واذا توقف نتوقف لأن ذلك معناه انه اكتفى بالجواب، نجيبه فورا عن اسئلته ولا نؤجلها اذ يجب ان يحس بأننا نملك اجابة عن تساؤلاته وذلك لأن اسئلته نابعة من قلق ومعرفته ان اهله يملكون الاجابة تطمئنه، مما يعزز ثقته بهم ليستطيع ان يطرح اي سؤال يقلقه بدل ان يسأل احد رفاقه الذي قد يشوه معلوماته حول الموضوع مما قد يخلق عنده قلقا اكبر ويشعره بعدم الامان، كما يجب الحرص على ان تكون الاجابات صحيحة وان تكمل بعضها فتكون اجاباتنا الاولى اساسا نبني عليه لاحقا حتى يصل الطفل الى عمر تكبر فيه اسئلته ويصبح مهتما بالتفاصيل عندها نستطيع ان نحضر له كتبا او صورا حتى يصبح في العمر الذي يبتعد فيه عن اهله فيبدأ بتوجيه الاسئلة الى اساتذته في المدرسة”. 

وتوضح الدكتورة بدوي ان هذه العلاقة مع الطفل تعطيه المناعة وهي الاساس لنتمكن من ان نكون نحن المرجع بالنسبة له لنستطيع ان نرافقه ونفسر له ونوجهه ونعلمه ان يحترم جسده وجسد الآخر ونعلمه ان اللذة مهمة ولنضع له موضوع الجنس في الاطار الخلقي الذي نريده “متحررين” كنا ام “محافظين”. 

وتضيف: الاهل حين يتجنبون الاجابة عن اسئلة اطفالهم انما يفعلون ذلك لأنها تحرجهم، في حين ان الطفل الذي لا يملك اية فكرة مسبقة عن الموضوع يتلقى المعلومات ببساطة شديدة ولا ادري ما المحرج في اخبار الطفل من اين خرج، انا مثلا افسر للاولاد ان هنالك مكان بين رجلي الماما مخصص لخروج الطفل هو في الاصل صغير جدا لكنه يتسع “كالمغيطة” ليسمح للطفل بالمرور ثم يعود بعدها لحجمه العادي. 

مع الاشارة الى ان الطفل في عمر الثالثة واحيانا اكبر يهمه من اين خرج وهو لا يسأل كيف دخل ولن يسأل قبل ان يصبح في السادسة او السابعة وسؤاله يدل على استعداده لاستيعاب اجاباتنا شرط ان نلتزم بالحدود التي ذكرناها سابقا. يبقى ان نوضح امرا مهما جدا وهو انه منذ الطفولة يجب ان نشرح للطفل ان هنالك اشياء “خاصة” به وحده واشياء اخرى يستطيع ان يشارك بها غيره مثل مسألة التعري ولمس الاعضاء الجنسية امام الآخرين هذا الموضوع مهم جدا وهو يساعدنا على حمايته من التحرش به من قبل اشخاص شاذين جنسيا فعندما نعلمه ان جسده خاص وان لا احد يستطيع ان يلمسه في “اماكنه الخاصة” نكون قد شجعناه على الدفاع عن نفسه وعلى اخبارنا عما تعرض له. وما قيل عن الغير يطبق على الاهل فجسد الطفل ليس ملكا لهم وبالتالي عليهم ان يمتنعوا عن مداعبة اعضاء اطفالهم من باب “التغنيج” والا وقع التناقض بين ما شرحوه لهم وما يفعلونه بهم. في هذا المجال يجب ان نركز على عدم السماح لشخص اكبر منا بلمس “اشيائنا” الخاصة، “اكبر منا” حتى لا ينسحب الكلام على رفاق الطفل عندما يبدأون باستكشاف اجساد بعضهم وهو جزء طبيعي من نموهم والجميع اختبروا هذه الاستكشافات، وتقول الدكتورة بدوي: نحن نتلقى في عياداتنا الكثيرين ممن يعانون من عقدة ذنب لاعتقادهم بأنهم شاذون جنسيا لأنهم في طفولتهم كانوا “يلعبون” مع بعضهم “أناثا” و”ذكورا”. ولكن في حالة استكشاف الاخوة لأعضاء بعضهم يجب ان نشرح بطريقة بسيطة ان ذلك غير جائز لأنهم اخوة وفي كل الاحوال يجب ألا تكون ردة الفعل عنيفة. 

وهنا نصل الى موضوع يختلف فيه علم النفس مع الدين وهو موضوع العادة السرية التي تبدأ من عمر السنتين والنصف عندما يبدأ الطفل بتحسس اعضائه الجنسية، ففي حين تحرم الاديان هذه العادة تشدد الدكتورة بدوي على ان المطلوب هو تقييدها وليس منعها من منطلق الخاص والعام فنشرح للطفل انه لا يستطيع ان يفعل ذلك امام الناس او امامنا وتضيف: اعرف ان الاهل يجدون صعوبة في تقبل ما اقول ولكنهم يجب ان يواجهوا الحقيقة وهي ان الطفل والمراهق لن ينتظر اذن لممارسة العادة السرية واحاطتنا اياها بالمنع والعيب والحرام لن تمنعه وكل ما ستفعله هي خلق عقدة ذنب لديه. 

السيد فضل الله: المعلومات الملائمة 

يقول المرجع الشيعي السيد محمد حسين فضل الله: الإسلام اعتبر الجنس حاجة طبيعية جدا وجعل الزواج هو الحالة الشرعية الوحيدة التي يشرع فيها ممارسة الجنس. 

ونلاحظ ان القرآن الكريم تحدث عن الجنس في أكثر من حديث حديثا مفصلا وكذلك السنة مما يدل على ان الثقافة الجنسية هي مسألة ضرورية بالنسبة الى الإنسان المسلم لأن وعيه لتكاليفه الشرعية مرتكزة على هذه الثقافة. 

لكن هناك نقطة لا بد من مناقشتها ولا يجوز ان نعطي فيها حكما انفعاليا سريعا وهو مسألة أسلوب التربية الجنسية أو منهج التربية الجنسية ثم الأجواء التي يتحرك فيها هذا المنهج التربوي، وقد يقول بعض الناس ان التربية الجنسية عندما تتم في مرحلة المراهقة فإن ذلك قد يستثير غرائز المراهق دون أن يعيش جدية العلم، وإنني أرى أننا يجب ان نتعاطى في المسألة الجنسية كما نتعاطى مع أية مسألة أخرى فممارسة الطفل لحياته الخاصة أو أعضائه أو ألعابه تحتاج الى نوع من التناسب بين مستواه الذهني والمادة التي نقدمها. لذلك أتصور ان المسألة في هذا المجال صحيحة من حيث المبدأ ولكن لا بد لنا ان ندرس المسألة دراسة واقعية لا تتحدث عن المطلق بل تتحدث عن الطفل والمراهق كإنسان يتأثر بالمعلومات التي عنده وربما تؤدي به مرحلته العمرية الى نتائج سلبية علينا ان ندرس كمية السلبيات والإيجابيات. 

أنا كتبت في كتاب “دنيا الطفل” و”دنيا الشباب” وغيره انه لا بد لنا من ان نعطي أبناءنا وبناتنا الثقافة الجنسية كغيرها من الثقافات حتى لا يأخذوها من الكتب الصفراء أو من أحاديث الذين يستغلونهم أو الذين في مثل عمرهم ممن لا يعرفون القضايا حقيقة فيقدمون لهم معلومات الجهل، إنني أعتقد ان على الأهل ان يتحلوا بالشجاعة التي يتحدثون من خلالها الى الطفل بحقائق الأشياء ولكن بأسلوب تربوي يتناسب مع ذهنيته في هذا المجال وليوحوا إليه ان هذا شيء طبيعي. 

ويبقى موضوع العادة السرية، لا نريد ان نتحدث عما كان يتداول عن خطورتها على الصحة لأن الأطباء ينفون ذلك ولكننا نتحدث عن بعض تأثيراتها النفسية لا من جهة عقدة الذنب ولكن لجهة هذه الحاجة الى الإخفاء التي تجعل الإنسان يعيش في جو مغلق يشعر فيه انه يتجاوز الوضع الاجتماعي العام خلافا للعملية الجنسية التي تملك شرعية اجتماعية الى جانب الشرعية الدينية عندما تكون في إطار الزواج ثم الجانب الثاني هو انها بحسب الإحصائيات تترك تأثيراتها على مستقبل الحياة الزوجية لأنها قد تنطلق من جوع الى الجنس ولكنها تتحول الى إدمان. لذلك نحن لا نريد ان نثير عقدة الذنب بالطريقة التهويلية إنما نريد ان ندخل في وجدان الشخص نظرة سلبية لما يضره جسديا أو روحيا بطريقة لا تعقده ولا تكسره. 

المطران جورج خضر: لا مانع 

الجنس هو تعبير عن الشخصية لأن كل طاقات الإنسان الروحية والفكرية والعاطفية تنقل الى الممارسة الجنسية لأن الإنسان يحب بما عنده من طاقة روحية ومن إعجاب ويحب بكل شخصه. 

وبما ان الجنس غير منعزل عن الإنجاب أو يحتوي قدرة الإنجاب فهو مقيد بضوابط لضمان استمرار التكامل بين الشخصين لذا وضع الجنس ضمن العائلة الناتجة منطقيا عنه، ولذا فمن أحب إنما يحب الى الأبد، هذه مبدئيا الصورة التي يجب ان نعرفها غير ان هنالك بعض الأخطاء التي قد ترتكب ضدها وهذا ما يعالج بالعناية الروحية والتوبة وما الى هنالك. إذن الجنس محصور بالزواج أو بالأحرى بالعهد. 

الكنيسة سابقا كانت تتجنب الحديث عن الجنس خوفا من هتك العفة لكنها اليوم تدرك أهمية الجنس في تمتين العلاقة والوحدة الزوجية فالجنس أيضا يولد الحب والعلم ساعد في هذا المجال عندما بدأ يتطرق الى هذه المواضيع. 

في هذا السياق أقول إن عبارة “التربية الجنسية” سيئة ويجب إبدالها بما معناه “العلاقة بين الذكر والأنثى “حيث لا يجوز ان نعزل الجنس عن العاطفة، فبعد ان نربي الذكور والاناث على التواصل والتلاقي الحر المرتاح عندئذ ندرس مسألة المعلومات الجنسية، وأنا أعتقد انه لا يمكن إعطاء طفل في الثالثة من عمره ما لا يستطيع ان يدركه من معلومات كاملة حول موضوع الجنس لذا يجب ان يعطى بعض الإجابات غير الكاذبة والتي لا تحتوي كمال العلم التشريحي الذي لا بد من ان يتوفر لدى البنين والبنات قبيل البلوغ ولا أنكر الصعوبات في هذا المجال، رغم ذلك على الأهل مثلا ان يوضحوا للولد ان الله أو الطبيعة لمن يشاء أهلنا بطريقة تجعلك تحس بانجذاب نحو ابنة الجيران وهو شيء جميل لطيف ومبارك وتجعلك تحس بتغييرات في جسمك.. هذه الأشياء يجب ان تقال ولا مانع من الاستعانة بالكتب أو الرسوم أو غير ذلك. 

مع الانتباه الى ان التطرق الى هذه المواضيع يجب ان يتم بطريقة مدروسة بحيث لا تحدث عند الولد انفعالات وإثارة خوفا من خطر العادة السرية وما تسببه من استنزاف للطاقة وقلق وخوفا من استمرارها الى ما بعد الزواج، والمشكلة مع العادة السرية ناتجة عن تعلقها بالهوامات، ليس فيها علاقة مع إنسان حي وليس فيها حب. هذا هو المبدأ ويجب ان يبقى موجودا أما عن السقطات فكلنا “ساقطون” واحدنا أكثر من الآخر في هذا النوع من المعاصي أو ذاك لذا فإن باب الغفران يبقى مفتوحا وهو نوع من العلاج. 

أما عن التربية الجنسية في المدارس فهي أخطر مما هو خاص ويعطى في حميمية الحياة العائلية وهاجس الأهل بعفة أولادهم، رغم ذلك لا يوجد مشكلة بالنسبة للمعلومات التشريحية والفيزيولوجية التي تدرس قبل سن البلوغ بشكل علمي مع شيء من الروحانية مع التأكيد على أهمية وجمال الجنس في أوانه والذي يأتي بعد الاستعداد أو النضج العاطفي العقلي والثقافي وضمن إطار الزواج. 

ويبقى أنه بين البلوغ والزواج ماذا يفعل المراهق؟ أعود وأقول إننا يجب ان نؤسس ونبقي على مبدأ العفة وهو نفسه موجود في القرآن، وإذ سهى الإنسان أو أخطأ نعالجه ونغفر له.

   

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic