مخيم “شباب فلسطين معاً برغم الحدود”
متشابهون ينتمون إلى مكان وزمان مؤقتين

السفير (الثلاثاء، 13 آب / أغسطس 2002)

جهاد بزي

المشاركون في المخيم خلال جلسة استرخاء

     “أنا وسام”، يقول الشاب الممدد فوق خشبة المسرح الباطون. ينظر الجمهور اليه صعودا. يعدل ببطء من تمدده الى أن ينتصب واقفا فوق سقف الممر المعد لحماية الماشين تحته من الشمس والمطر في ملعب المعهد، والسقف يقع في شكل زاوية قائمة ترتفع مترين عن الجمهور وتواجهه وتجانبه يمينا. “أنا وسام” يقول المتشح بالأسود. هو ليس لبنانيا، مع انه وُلد لأبوين يحملان الجنسية اللبنانية، وهو ليس اماراتيا، لا يرتدي ما يرتديه الاماراتيون ولا يحكي بلهجتهم على الرغم من ولادته في الامارات وتمضية سنيّ عمره الثماني عشرة هناك. وهو ليس فلسطينيا لأنه يجهل كيف يكون الفلسطيني فلسطينيا. من هو إذاً؟ “أنا وسام وبس”، ينهي كلامه ويمرر السؤال الى الآخرين يحملونه من واحد الى آخر، يجيبون عليه كل بلغته، ويأتي صوت ميساء الجالسة فوق منصة عالية عند الزاوية القائمة ليفصل بين الأسئلة يردد مقاطع من “حالة حصار”، ديوان محمود درويش الأخير وعنوان المسرحية التي عمل على صناعتها قسم من المشاركين طوال أيامهم العشرة في المخيم. 

“مين أنا؟” سؤال من غير ادعاء، تبرره كيفيات تعريف الفلسطينيين بأنفسهم، فهم إما فلسطينيون لبنانيون وإما فلسطينيون أردنيون او سوريون، وحتى الذين يقطنون في أرضهم يسمون فلسطينيي الداخل. ومن كان من مخيم البرج الشمالي مثلا، فهو أيضا من صفر. حق لوسام، إذاً، ان يعيد على نفسه وعلى من حوله السؤال نفسه لأنه غير قادر على التملص من وجوده. 

على وقع تصفيق جمهورهم وقوفا انسحب “الممثلون” الى الكواليس. ابتهجوا بنجاحهم وتعانقوا. 

وفي الكواليس، لم يكن هناك من فلسطين ومن حالات حصار ومن أسئلة كبيرة.. كانت هناك الرفقة التي نسج خيوطها المخيم، الرفقة بين من يختصرون تعريف أنفسهم بالفلسطينيين ويتقاطرون من معظم شتاتهم للبحث في معنى لهذا التعريف. 

من أميركا وإيرلندا وكندا

وسام في حوار مع شقيقه هشام واسماعيل

     وسام صغير ثلاثة أخوة شاركوا في المخيم. يتابع دراسة إدارة الأعمال في كندا بينما يدرس هشام، الأخ الأوسط، الطب في ايرلندا، ويدرس اسماعيل هندسة العمارة في الولايات المتحدة، وهو أكبر الاشقاء في الثانية والعشرين من عمره. 

تقطن العائلة اللبنانية الجنسية في الامارات وتلتقي لشهر في السنة خلال صيف لبنان. ولم تكن مشاركة الثلاثة في المخيم لتمر من دون معارضة رقيقة للأهل، بيد انهم كانوا، على ما يقول اسماعيل، أكثر من راضين عن انخراط أولادهم في مخيم فلسطيني.. “هنا”، في المخيم، صاروا جزءا من حوارات المكان ومن أشغاله ومن سهراته.. و”هنا” يطمئن اسماعيل الى كونه ليس وحيدا في ما هو فيه. فهناك آخرون يشبهونه في غربته الدائمة يبحثون عن مساعدة أنفسهم عبر اتصال ليست غايته الوصول الى اجابات محددة بقدر محاولة الوصول الى تراكم للتجربة يؤدي الى وعي أكبر. 

اسماعيل الآتي من الولايات المتحدة يحكي عن اثر أميركا في إدراكه موضوعية كان بحاجة اليها للتحرر من وجهة نظره ومن الإنشاء العربي كي لا تظل قضيته كلا مقدسا يرفض المس، وكي تصير، تاليا، موضوعا قابلا للنقاش، للاتهام بالخطأ وفهم الصواب ونقد الذات. 

يقارب وسام تجربته من منحى مغاير. يفاجَأ “بأولاد مخيمات” ليسوا منكسرين دائمي الحزن على ما كان يظن. يشدد على مرحهم ويمايز بينهم اجتماعيا، بين ابن مخيم صور الشعبي الاقرب الى الريفية وبين ابن برج البراجنة المديني. وسام اللبناني جلس طفلا الى ركبة جده الذي جعله يحفظ انه فلسطيني. كان حدس الجد مصيبا حيث شعر بأن الحكاية ستطول فجهد كي ينال الجنسية اللبنانية، وسام وأخواه كانوا محظوظين، لأنهم وُلدوا بجنسية تعني القفز فوق الصعوبات غير المبررة التي تطال الفلسطينيين. يحب لبنان ويشعر بذنب هذا الحب بسبب الاسلوب اللبناني في معاملة الفلسطينيين ومخيماتهم. 

كما اسماعيل، وجد وسام في المكان المؤقت انتماءً وقدرة على البكاء لفيلم “أحلام المنفى” وفرح لأنه فلسطيني. 

حوارات تشبه المكان

     “بدي قدم لجوء الى سوريا”، مازح شاب صديقه وهو يستمع الى مجموعة من أربعة أشخاض جلسوا الى طاولة مواجهة للمشاركين يشرحون أحوال المخيمات الفلسطينية في سوريا. الشاب من مخيمات لبنان، بالطبع، “يحسد” الفلسطينيين السوريين الذين بدأت واحدة منهم كلامها عن هموم مخيمها فقالت انها تستحي من الحديث عن المشاكل حيث تعيش بعدما رأت مخيم شاتيلا. 

الكلام نفسه قالته ميرفت الفلسطينية الآتية من مخيم الوحدات في الأردن، وهي، وان كان المخيم فرصة رائعة للتعارف، لم تخرج منه إلا بالذكرى السيئة للمخيم اللبناني الموقع. 

وقبالة الطاولة التي تتابعت عليها حكاياتهم، تبدو المساحة المظللة بالاشجار التي تنفلش فوقها كراسيهم مغلقة عليهم؛ مغلقة على عيونهم النهمة لرؤية الآخر الشبيه.. للبحث في نقاط الالتقاء والاختلاف وللمفاضلة بين الأمكنة. 

قد يكون الآتون من غزة الأكثر تعرضا للأسئلة. أسئلة تصل الى حد طلب رسم خريطة لغزة وشرح إبعادها والمسافات الفاصلة بين مخيم ومدينة ومستوطنة. وقد يحكون في السياسة، بيد انها سياسة تماثل المعهد المرتفع والهادئ وتماثل ما يريدون من اللقاء. لذا، فالنقاش في سبلين، بين شبان أكبرهم في الخامسة والعشرين وأصغرهم في السابعة عشرة، نقاش بنّاء يستغربه معظمهم، ويستغرب ان المتحاورين ينتهون عند الحوار مهما كان صداميا ولا يأخذونه معهم الى المطعم او غرف النوم المشتركة. 

وعند الليل، وليس بعيدا عن طاولة النقاش وعن نظامية عرض التجارب وتراصف الكراسي، يكون الجلوس في حلقة فراغها مسرحا لارتجالات فنية. فيضحكون حتى الدمع لشابين يعيدان مشهدا تمثيليا واحدا ويصران خلاله على ان خلافا حول سيجارة لا ينتهي إلا بأن يطلق أحدهما النار على الآخر. وينصتون الى عصفور أميمة الخليل بصوت واحدة منهم والى أغنيات لأم كلثوم يؤديها طالب في السنة السابعة في “الكونسرفاتوار” آتيا من مخيم عين الحلوة في صيدا. 

كل إلى شتاته

     مع كل أغنية كانت فرقتا “شحادين يا بلدنا” و”جفرا” تنهيانها. كان الحفل الختامي يقترب من آخره. كانوا يحشرون أنفسهم في عدسات آلات التصوير التي ستحفظ لهم ذكرياتهم. زغردوا وصفقوا وانفصلوا عن البقية الباقية من جمهور كان قبلها يتفرج عليهم يعرضون مسرحيتهم ويؤدون دبكتهم الفلكلورية. مكانهم كان في طريقه الى التفكك وسيغادرون الى شتاتهم مجددا. ملاك خالد اللبنانية “الصرفة” و”الدخيلة” المقبولة بشدة من أصدقائها، ستعود الى عادية يومياتها بعدما لمست قدرتها على ان تكون فلسطينية بالقدر نفسه الذي تكون فيه لبنانية. ملاك نشأت في بيت يقول بأنه لبناني وبأن فلسطين له. شاركت في تظاهرات ونشاطات الدعم. لكن المخيم كان فرصتها الوحيدة للمصالحة بين هويتين. و”ستتصل” بجد أحد أصدقائها الجدد الذي يقطن في حيفا ليخبرها عن جدها المتوفى الذي عاش فترة طويلة هناك وكان لقبه حينها “علي المتوالي”. 

سيغادر اسماعيل وهشام ووسام الى جامعاتهم بعدما اتسعت معرفتهم ببعضهم كما اتسعت شبكة رفاقهم من المشابهين. وسيصر اسماعيل على فهم أعمق للاستنتاج الذي أوصله اليه المخيم، وهو ان الفلسطيني ليس شخصية محددة... الفلسطيني كقوس قزح. 
 
  

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic