فيلم "مبروك التحرير" لداليا فتح الله
حكاية عودة الحياة الى البلدة الجنوبية

النهار (الجمعة، 30 آب / أغسطس 2002)

م. الشوا

داليا فتح الله

اللحظة المسروقة

     في الوقت الذي كانت فيه آخر دبابات المحتل الاسرائيلي تندحر عن جنوب لبنان، كانت كاميرا داليا فتح الله، تدخل مواكبة رحلة عودة احدى العائلات المبعدة قبل اثني عشر عاما من التحرير. 

"مبروك التحرير مسيرة عودة الى جنوب لبنان" فيلم وثائقي من نحو ساعة، عرض مساء امس الخميس في مسرح بيروت عين المريسة، انتاج تلفزيون الجديد NEW TV والمؤسسة الوطنية للمرئي والمسموع INA (الفرنسية). تصوير ارليت جيراردو، هندسة صوت: علاء سرحان، مونتاج: ايمانويل تيبو، تصوير مشاهد العودة: صفوان حرقوص. 

"الدليل" شاهد الفيلم واجرى حوارا قبل العرض مع داليا فتح الله، المتخصصة بالاقتصاد وتخطيط المدن (الاقتصاد في الـAUB وماسترز تخطيط المدن في الالبا وDEA عن مدن العالم العربي في فرنسا). وعن التحول الى السينما تقول داليا فتح الله: "كانت اطروحتي في الشريط الحدودي المحتل آنذاك، وقد عملت مستشارة تنمية عن الجنوب في مشروع اقتصادي مع الهيئة العليا للاغاثة فضلا عن مشاركة في دورة فيديو وثائقي نظمتها "شمس" وبيروت DC وقد ساعدني المخرجان برهان علوية وحنان الحاج علي. كل هذا جعلني احمل كاميرتي للتصوير بدءا من اللحظات الاولى للتحرير". 

ولماذا بعد عامين وشهرين على التحرير؟ تقول: "لأن الفيلم تطلب وقتا للتحضير والتصوير حيث بدأنا من اليوم الاول للتحرير مع عائلة مقاومة كانت قد أُبعدت قبل اثني عشر عاما من التحرير وتابعت معها رحلة العودة الى بلدة كفرحمام المتاخمة لشبعا ومزارعها. احببت معرفة ما الذي يجري في البلدة بعد التحرير وعملية تنظيم الحياة من جديد". 

في نحو سنة وسبعة اشهر تصوير وثلاثة اشهر مونتاج عاشت داليا تجربتها. وعن الصعوبات التي واجهتها تقول: "كان ثمة الكثير من الصعوبات اولها دخول الكاميرا الى اماكن خاصة وكنت خائفة كوني "اسرق" اللحظة، وحاولت ان احترم الناس الذين صورتهم في منازلهم وكنت حريصة على احترام كل مشهد صورته. الناس كانت على علم بوجود الكاميرا، كان ثمة اتفاق على التصوير وقمت بعملية رقابة ذاتية. البعض ممن التقيتهم آثر عدم الكلام مباشرة وفي موضوعات عدة". 

لماذا عنوان "مبروك التحرير..."؟ "لأنها اول جملة سمعناها اثناء التحرير ولما تتضمنه من معان كبيرة". وما الذي اثر فيك اثناء التصوير؟ تجيب: "ربما مشهد الخبز المتروك من اثني عشر عاما والذي بقي كما هو الا من الترقق والعفن فضلا عن مشاهد تلاقي اهل البلدة وغير ذلك". 

عن الخلاصة الشخصية والتجربة الاولى في الفيلم تقول داليا فتح الله: "التجربة ليست سهلة وطوال الوقت كنت اطرح على نفسي اسئلة سينمائية، لأني في الاساس لست في المجال السينمائي، لكني تطورت خلال التجربة فضلا عن التساؤل الدائم عن موقعي وموقع الكاميرا في اثناء التصوير في البلدة". 

وهل وجدت الاجوبة؟ تجيب: "وجدت الكثير منها لكن مع الوقت كانت ثمة اسئلة اخرى تُطرح". وعن الرسالة او الخلاصة التي توصلت اليها في تجربتها في الفيلم تقول: "بعد التحرير تولدت الفرحة وكذلك تولد معها نوع من المرارة، لأن الواقع فرض نفسه من حيث اعادة تنظيم البنية الحياتية للبلدة والاهالي، فالناس اختاروا ان يعيدوا البناء وثمة آخرون عادوا الى الوراء واعادوا قراءة الاحتلال ومفاعيله وكانت ثمة وقفة تأمل". 

داليا فتح الله كتبت سيناريو الفيلم واخرجته، لكنها كتبت السيناريو مرات عدة: "كتبت اشياء كثيرة، نفّذت بعضها واختصرت البعض الآخر". وهل كنت راضية عن الفيلم بعد التصوير والمونتاج؟ تجيب: "اعترف ببعض الاخطاء ولا تنس اننا عملنا في ظروف صعبة ومنها السفر والتنقل". 

هل تعيدين التجربة؟ تقول: "نعم، لأني احببتها". وعن التنمية والسينما تجد داليا فتح الله رابطا بينهما: "اراهما متشابهين، وثمة تواصل بينهما لأني اشعر بأني قريبة من الناس والتعبير عنهم وعن ذاتي. التنمية عمل مستمر ويهدف الى التطوير والوقوف الى جانب الناس. ثمة شيء مشترك بين التنمية والسينما". 

داليا فتح الله اخذتنا في فيلمها في 24 ايار 2000 من الضاحية الجنوبية حيث كانت تقيم العائلة المبعدة وراحت بنا في محطات عدة بدءا من العودة الى عيد التحرير والانتخابات البلدية والاختيارية وصولا الى خطبة احد ابناء البلدة، في عودة حياة الى بلدة طواها النسيان زمن الاحتلال. من بيروت الى كفرحمام زغاريد نسوة ودبكات رجال وقبلات تهنئة واهازيج وفرح عارم وشهادات حية فضلا عن تصوير تسليم العملاء الى السلطات في اليوم الاول للتحرير. 

والى الخيام ومعتقلها، حكاية معتقل ومعتقلين تحرروا من الاسر. يتنقل الفيلم ببطء الى مراحل العودة واعادة الاستقرار في البلدة، وربما ايقاع الفيلم البطيء نسبيا جاء مشابها لايقاع البلدة الهادئ والوادع. 

باحة المنازل المترابطة حيث تدور نقاشات اهل البلدة، باتت مسرحا يوميا للقاء والتشاور والنقاش ليس اقلها اعادة التلاقي بين اهل البلدة الذين باعد بينهم المحتل في العمالة معه من جهة ومقاومته من جهة اخرى. وهو السبب الرئسي الذي فرّق الاهل في مرحلة الاحتلال وبُعَيد التحرير وقد عبّرت داليا فتح الله في فيلمها عن حتمية العيش المشترك بين اهل البلدة الواحدة كواقع يفرض نفسه. 

كاميرا فتح الله لم تكن في موقع الحكم او القاضي اذ التقطت لقاءات اهل البلدة وتركتها على سجيتها. ربما افتقار الفيلم لعامل المؤثرات الصوتية والموسيقية تحديدا ادخله في رتابة ولاسيما حيال مدته (ساعة) لكن داليا تبرّر ذلك قائلة: "اردت تصوير البلدة واهلها من دون اي مؤثرات موسيقية". 

في مشهد الاحتفال بالعيد الاول للتحرير في 25 ايار 2001 التقطت كاميرا داليا فتح الله متناقضات عدة لعل ابرزها خطبة شيخ البلدة وهو يستظل علم الحزب الشيوعي اللبناني. 

في "مبروك التحرير" مناشدة الدولة للاهتمام باحوال البلدة وسائر المناطق الجنوبية ولاسيما في المجالات الصحية والاجتماعية والبيئية حيث تبدو المعاناة بعد التحرير في حاجة الى اهتمام اكبر فضلا عن الهواجس والمخاوف من موقع الجنوب على الخريطة اللبنانية والاقليمية. 

ثمة شهادة واحدة لأحد العملاء السابقين تحدث فيها عن الاسباب التي دفعت به الى التعامل مع اسرائيل فضلا عن اطلالة اخرى لشيخ البلدة الذي ركّز فيها على اهمية المصالحة بين الاهالي. والى الانتخابات البلدية والاختيارية ما بعد التحرير ونتائجها واهميتها في التنافس الديموقراطي في خدمة البلدة وتنميتها. فضلا عن مشهد الخطبة الذي يعيد الحياة الى البلدة والاهم مشاركة الجميع فيه وإن على نحو غير مباشر. 

لعل داليا فتح الله ارادت من خلال فيلمها "مبروك التحرير" ايصال رسالة تتجلى بالتقارب بين اهل بلدة كفرحمام (محور الفيلم) والتعلق بالارض رغم ما خلّفه الاحتلال من تباعد وفرقة، وحتمية عدم الهروب من واقع تفرضه طبيعة الحياة في البلدة. وقد بدا انحياز المخرجة واضحا باتجاه ضرورة التأقلم مع الواقع بصرف النظر عن افرازات العمالة مع المحتل في مقابل من قاومه. 

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic