عام على انتخابات بلديات المنطقة الجنوبية المحررة
خيبة عامة مردها حجب أموال “الصندوق” ومنع التوظيف

السفير (الإثنين، 9 أيلول / سبتمبر 2002)

كامل جابر وحسين سعد

تنفيذ أعمال بلدية في مرجعيون

     ظنّ أبناء القرى المنتشرة بين أقضية صور وبنت جبيل ومرجعيون وحاصبيا وجزين، بعد اندفاعهم إلى انتخاب مجالسهم المحلية المعطلة منذ نحو أربعة عقود، في التاسع من أيلول، العام المنصرم، وما رافق ذلك من “كباش” عائلي وحزبي، وتنافر هنا وهناك، واحتدام “مستميت” وصراعٍ في سبيل الوصول إلى سدة المجالس البلدية ورئاستها، أن هذه المجالس سوف “تشيل الزير من البير”، غير أنهم صدموا بمجالس تشبه “الكذبة الكبيرة” على حدّ تعبير أحدهم. وإذا بالشكوى تنتقل من البيوت والحارات المنتظرة ل”الغيض من فيض” الدولة، إلى داخل المجالس التي بقي معظمها شبه معطل بفعل عدم التوظيف الذي فرضته الحكومة وعطلت به قانوناً لا يُلغى إلا بقانون، وخلوّ صناديقها من أموالها التي هدرت في عهد المحافظين والقائمقامين قبل الانتخابات الأخيرة على مشاريع غير أساسية أو ضرورية. هذا فضلاً عن بعض التنافر الذي أصاب عدداً من المجالس الجديدة، بسبب التجاذبات الحزبية وبروز ظاهرة اقامة معظم رؤساء البلديات أو أعضاء مجالسها خارج المنطقة فلا تجمعهم في قراهم غير العطل الأسبوعية، التي تأتي سريعة وتمر سريعاً. 

وإذا كانت بلديات المنطقة الحدودية قد حصلت اخيرا على بعض المبالغ من مستحقاتها المالية في الصندوق البلدي المستقل، مثلها مثل المجالس البلدية في لبنان، عن العام ألفين، بعدما حسم منها نحو ثلاثين في المئة، بدل تسجيل الطلاب في المدارس، فإن معظم هذه المبالغ قد ذهب تسديداً لديون هذه البلديات لقاء بعض الأشغال التي نفذتها طوال عام من عمرها الأول. 
 

تلويح بلا استقالة 

ويجمع عدد من رؤساء البلديات وأعضائها، على أن أداء العمل البلدي “هو أداء شبه مشلول، غير مبرمج وغير منظم ولا يستند إلى أسس من التوازن، أو إلى أسس تتعلق بنظرة مستقبلية حقيقية”. ومرد ذلك كله، بإجماع معظمهم، إلى منع التوظيف فيها، مع أن ذلك أكثر ما تحتاج اليه هذه البلديات التي كانت معطلة منذ أربعة عقود، وكان يدير معظمها القائمقام أو المحافظ، فيما يدير حساباتها المالية عدد ضئيل من الموظفين الموزع “واحدهم” بالتكليف من وزارة الداخلية على أكثر من بلدية. ففي قضاء مرجعيون كان القائمقام سمعان عطوي يدير 15بلدية، بمعاونة خمسة موظفين يديرون شؤونها المالية (انتهت صلاحياتهم الاستثنائية هذه في شهر كانون الأول من العام المنصرم). وهكذا وجدت البلديات نفسها من دون موظفين يتابعون شؤونها المالية والإدارية، وبالتالي لا صلاحيات ممنوحة لأعضاء المجالس البلدية “المتطوعين” أصلاً والذين لا يتمتعون بمهام قانونية تخولهم تنفيذ أعمال الجباية أو تحرير المخالفات أو ضبط التعديات وتنظيم السير وغيرها وصولاً إلى جمع النفايات. 

من أجل ذلك لوّح رؤساء البلديات باستقالات جماعية أربع مرت، كان آخرها في اجتماعهم في منزل رئيس مجلس النواب نبيه برّي في المصيلح منذ نحو شهر، احتجاجاً على الوضع القائم، والخيبات الجمة التي أصيبوا بها بسبب عدم قدرتهم على اتخاذ قرارات آيلة إلى التنفيذ، لعدم وجود جهاز تنفيذي وأموال تمكنهم من القيام بنشاطات. 

واعتبر بعضهم أن الاستقالات الجماعية، أو التلويح بها، ربما يشكل مدخلاً، وصرخة من أجل تراجع الحكومة ليس عن هذا القرار فحسب، بل من أجل تحريك مؤسسات الدولة، كل مؤسسات الدولة، والقيام بما يشبه خطة طوارئ “كي لا تبقى المجالس البلدية رهينة لنواب المنطقة ولاستجداء أي مشروع ولو على مستوى بعض شبكات المياه المتواضعة، والتي هي حق شرعي من حقوقنا”. 
 

بلدية الخيام 

“مما لا شك فيه، أن السنة الماضية كانت صعبة جدا ومرة جدا على البلديات في المنطقة المحررة، هذا ما استهل به الزميل كامل فاعور، رئيس بلدية الخيام، أكبر بلدات قضاء مرجعيون، الحديث عن السنة الأولى من عمر البلديات المنتخبة حديثاً. 

وأضاف: “فوجئنا بوجود قرار حكومي يمنع التوظيف في الإدارات العامة والبلديات. ثم بدأنا نلمس باب الانفراج على هذا الصعيد، فكانت المفاجأة أكبر عندما تلقينا تعميماً يمنع التعاقد حتى بالفاتورة وبذلك، سدّت جميع الأبواب والنوافذ أمام البلديات. ومن نافل القول ان وجود بلديات من دون أجهزة تنفيذية، هو وجود معطل بنسبة كبيرة”. 

وقال: “لقد جرت آخر انتخابات في عام 1963، لذلك كانت بشكل إجمالي فارغة من الموظفين ومن المال، بعض هذه البلديات كانت لديها بعض الأموال، لكن ليس لديها أي موظف. والبعض الآخر كان عندها أمين صندوق في أحسن الأحوال وليس لديها قرش واحد. وهناك بلديات كانت خالية من الموظفين والأموال معاً. ومن المؤسف أن هذه الصورة المزرية لم تكن حاضرة في ذهن المسؤولين، الذين دعوا المواطنين لانتخاب البلديات في مثل هذا الشهر قبل سنة، كأن العقود الأربعة التي مرّت على انتخابات العام 1963، مرت في دنيا أخرى ومكان آخر. والحقيقة أنه في خلال هذه الفترة الطويلة تلاشت البلديات وتلاشت البنى التحتية ونشأت مشكلات لم تكن موجودة، مثل الهجرة الكثيفة من القرى إلى الداخل، وانعدام فرص العمل، وانهيار الاقتصاد الزراعي، الذي كان يشكل مصدراً أساسياً للدخل. وبالإجمال، فالمشهد كان مأساوياً على جميع الصعد”. 

وانتقد فاعور “سياسة الدولة، ففي حين كان ينبغي على الحكومة والمسؤولين إعلان حال طوارئ وطنية شاملة في المنطقة المحررة وإعطاء البلديات صلاحيات استثنائية ومنحها الدعم المادي والمساندة لسدّ جزء من الفراغ الهائل القائم في المنطقة، إلا أن الحكومة تعاطت مع هذه المنطقة كأنها لم تكن تحت الاحتلال، أو بالأحرى لم تكن من لبنان. هذا كله رتّب أعباء ومسؤوليات جسيمة على البلديات، ومضت سنة من عمرها ونحن من اجتماع إلى اجتماع، ومن مؤتمر إلى مؤتمر، نطالب ونلح في الطلب للإفراج عن أموال البلديات وقانون البلديات الذي عطلته الحكومة بقرارها منع التوظيف والتعاقد، لكن، من دون جدوى”. 
 

كفركلا 

ويذهب رئيس بلدية كفركلا أحمد فقيه إلى حد القول “بصراحة، تبددت أحلامنا بعدما جئنا مندفعين إلى المجالس البلدية، فوجدنا الأمور على عكس ما كنا نتوقع، خصوصاً في بلديات المنطقة المحررة التي عانت من عقبتين أساسيتين هما: عدم وجود موظفين للقيام بالعمل التنفيذي، وعدم وجود مال يساعد على تنفيذ الأعمال. علماً أن عدد سكان كفركلا 12 ألف نسمة، كيف سيدفعون للبلدية وليس لدينا جاب للقيام بهذه المهمة؟. 

وكان فقيه قد تقدم باستقالته بعد مرور نحو أربعة أشهر من عمر البلدية ثم تراجع عنها. وعزا ذلك إلى “معاناتي الصحية وضغط العمل وضيق النفس، فقدمت استقالتي، ثم تراجعت تحت ضغط الأهالي. وأنا الآن أغامر بصحتي من أجل الصالح العام الذي جئنا من أجله، لكن بدأت أعاني نفسياً وجسديا”. 

وتفتقد بلدية كفركلا للشرطي والجابي وترسل إنذارات حول أي مخالفة، لكن “لا تجاوب، لعدم وجود قوة تنفيذية أو وسيلة تردع المخالفات أو تحد منها”. 
 

لا جباة... لا مال 

تلتقي المجالس البلدية في منطقتي بنت جبيل وصور المحررتين على همّ واحد، ومعاناة واحدة، أوجدتها الدولة بقوانينها التي كبلت البلديات من جهة، وعدم قيامها بتأمين الخدمات الضرورية للقرى المحررة من جهة ثانية. ويصارع اثنا عشر مجلساً بلدياً، بدءاً من الناقورة، مروراً بعلما الشعب، يارين، دبل. وصولاً إلى عيناثا، عيترون، يارون، عين إبل، رميش، عيتا الشعب، بيت ليف ومدينة بنت جبيل، من أجل البقاء واستكمال ما تبقى من عمرها بعدما بلغت أوضاع البلديات حداً لا يحتمل، وخصوصاً لجهة غياب الأجهزة الإدارية في البلديات التي تعتبر العصب الأساس في تشغيلها. 

وقد تنفست هذه البلديات بعض الشيء في أعقاب الإفراج عن مستحقاتها المالية للعام ألفين من الصندوق البلدي المستقل، بعدما لوّح معظم رؤساء هذه البلديات بالاستقالات الجماعية، غير أن هذا “الأوكسجين” لم يكف لتفعيل دور البلديات، التي اقتطع من أموالها أكثر من النصف وحولت نحو تسجيل التلامذة في المدارس الرسمية. 
 

بنت جبيل 

ويؤكد رئيس بلدية بنت جبيل فياض شرارة “أن العقبة الأساسية تتمثل في عدم وجود جهاز إداري في البلديات”. ويضيف: “كان يعمل في جهاز البلدية السابقة تسعة موظفين ما بين شرطة وأمناء الصندوق والمراقبة الصحية، فضلاً عن كاتب وسائق وجاب وهو الوحيد المتبقي”. وتابع: إن منع التوظيف يعوق عملنا، تصوروا، إن مدينة كبنت جبيل، لا يوجد فيها شرطي لتنظيم السير أو كاتب يقوم بمهامه المطلوبة. ويتساءل عن فائض الوزارات الذي سيوزع على البلديات، بالقانون الذي أقرّه مجلس الوزراء منذ فترة طويلة؟ معتبراً ان اقتطاع نسبة من أموال البلديات لحساب تسجيل الطلاب، يزيد من الأعباء على البلديات التي تنتظر أموالها من الصندوق البلدي المستقل، بفارغ الصبر لتحسين ألأوضاع الخدماتية. 

وذكّر شرارة بأزمة مياه الشفة التي تعاني منها مدينة بنت جبيل، منذ الانسحاب الإسرائيلي. وعدّد المشاريع التي أنجزتها البلدية بمساعدة مجلس الجنوب وجمعية الشبان المسيحية. ومنها المسلخ وإقامة معمل لفرز النفايات والعمل على تنفيذ مشروع الصرف الصحّي بمساهمات من وزارة الطاقة والمياه والبنك الدولي ومغتربي المدينة. وتبلغ كلفتها نحو ستة مليارات ليرة لبنانية، بطول سبعين كيلو متراً. وستتبع بمعمل لتكرير المياه المبتذلة والإفادة منها في ري المزروعات. 
 

عيتا الشعب 

أما نائب رئيس بلدية عيتا الشعب فرحات رضا، فتوقف عند مشكلة الجهاز الإداري في البلدية وقال: “إن ذلك، يمنعنا من الجباية، التي تتطلب إعداد ملفات حول هذه المسألة وغيرها من المتطلبات الحيوية”. وانتقد استمرار غياب الدولة ووزاراتها عن المناطق المحررة، خصوصاً لجهة تعبيد الطرقات الرئيسية التي يفترض بوزارة الأشغال تنفيذها، لافتاً إلى المشاكل “التي تعانيها البلديات مع المتعهدين (متعهدي المياه والهاتف) مشيراً إلى قيام البلدية بشق عدد من الطرقات الداخلية وإقامة جدران دعم والاهتمام بالوضع التربوي لجهة “تدوير” الكتاب المدرسي على تلامذة البلدة. 
 

رميش 

رئيس بلدية رميش العميد المتقاعد إبراهيم الحاج قال: “وزارات الخدمات لم تقدم شيئاً للقرى المحررة، فالمياه لم تصل، وكذلك الهاتف. أما الطرقات فحدّث ولا حرج، طريق عام رميش لم ير “الزفت” منذ التحرير، بالرغم من وجود عشرات الحفر”. وأكد أن البلدية قامت بترقيع الطريق على حسابها الخاص. وطالب ب”السماح بتوظيف الحد الأدنى من الكادر الإداري والإفراج عن أموال البلدية المستحقة عن العامين 2001 و2002. وتعويض الحرمان الذي سببه الاحتلال الإسرائيلي لأهالي المنطقة، من خلال زيادة مخصصات بلديات القرى المحررة”. 

وأشار إلى قيام مجلس الجنوب بتلزيم شبكة مياه الشفة بقيمة 270ألف دولار أميركي. وتقديم شركة “الجنوب للأعمار” الإسفلت لتعبيد ساحات كنيسة التجلي في رميش. 
 

الناقورة 

نائب رئيس بلدية الناقورة (صور) حسين درويش، سجل جملة من الإيجابيات “التي تحققت في غضون سنة من عمر المجلس البلدي. وقال: “إن البلدية أنجزت، متعاونة مع مجلس الجنوب، مد شبكة مياه الشفة، وتوسيع وتأهيل الشوارع الداخلية بتمويل من البنك الدولي، بلغت كلفتها 145مليون ليرة”. 

وتحدث عن قيام البلدية “بمسح سكاني، ومسح مصادر المياه في البلدة بالتعاون مع وزارة البيئة. والتوجه إلى تنفيذ سلسلة من المشاريع البيئية وأهمها إنشاء معملين لتكرير النفايات وفرزها. وأسف لعدم قيام وزارة الأشغال العامة بتنفيذ طريق عام صور الناقورة، برغم وجود الأموال المخصصة لها من ضمن الموازنة السابقة. 
 

خلاصة 

ويتبين في خلاصة سنة من عمر بلديات المنطقة الحدودية، أن هذه البلديات عاشت في دوامة ضباب سياسي وحزبي، لفّ مسيرتها، وجعلها أسيرة التجاذبات والانتظار. وأسيرة خلو صناديقها، ما يتركها تستدر عطف هذا المسؤول أو ذاك. وتحت رحمة القرارات “السياسية” بامتياز. وإن كانت قد نفذت بعض الأعمال على نفقة بعض مجالس الدولة ووزاراتها أو المؤسسات الدولية والاجتماعية. أما “طامتها” الكبرى، فتكمن في عدم التوظيف، ما يجعلها على عتبة السنة الثانية من عمرها، في فوهة الانزلاق في تكرار الفشل وتراكمه، متحملة في ذلك عبء غياب الدولة عن القيام بواجبها تجاه المنطقة المحررة، بعد غياب ربع قرن.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic