مياه الحاصباني والوزاني
أخطر من مزارع شبعا في ملف الاحتلال الإسرائيلي

السفير (الجمعة، 13 أيلول / سبتمبر 2002)

زهير هواري

مجرى نبع الوزاني وبعض الإنشاءات على ضفته

     فجأة اكتشف اللبنانيون، المسؤولون منهم وغير المسؤولين، ان الملف الأكثر خطورة من “مزارع شبعا اللبنانية” المحتلة هو ملف المياه. وان كان ما برز منه على السطح في غضون الايام القليلة الماضية ليس سوى ما يتعلق بنهري الوزاني والحاصباني. صدرت تهديدات اسرائيلية على ألسنة شارون وبيلين و.. وهي تتحدث عن الحرب وليس سواها، كما اعلنت مواقف مضادة على ألسنة الرؤساء: اميل لحود، نبيه بري، رفيق الحريري، عدا عن الوزير المعني محمد عبد الحميد بيضون. وبين هذه وتلك ترددت انباء عن رسائل وتحذيرات حملها السفير الاميركي فنسنت باتل للمسؤولين اللبنانيين الذين التقاهم بعد مواعيد عاجلة. رسائل التحذير هي اسرائيلية بطبيعة الحال. ووسط كل هذه المواقف صدر عن ممثلي الأمم المتحدة، والمراقبين الدوليين، والذين يتابعون ما يجري ميدانيا وبالعين المجردة، ما يضع المبادرة اللبنانية في اطارها المحدد والمحدود وحجمها المتواضع. 

التصريحات الاسرائيلية، سواء تلك التي ادلى بها شارون او سنيه او بيلين او آخرين، تتحدث عن تحويل مياه نهر الحاصباني... وان ثمن ذلك سيكون حربا او مواجهة شاملة او تحركا او استعمالا للذراع القوية بحسب التعابير المستخدمة. 

هذه الاجواء المشحونة التي بلغت كما هو واضح حد التهديد بالحرب، بدليل بعض الحشود العسكرية الاسرائيلية، لا تمنع من القول ان الموضوع برمته ليس جديدا. الجديد فيه ان يأتي في سياق متكامل. المقصود هنا، الاجواء الاميركية اقليميا، وتلك العملية التي نفذتها المقاومة الاسلامية في مزارع شبعا وأدت الى مصرع جندي صهيوني. ولعل من يراجع صحف الشهر الثالث من العام الماضي يكتشف بسهولة ان اسرائيل في ذلك الحين، ومنذ الثالث عشر من آذار تحديدا، اقامت الدنيا وأقعدتها، علما بان ما كان اقدم عليه لبنان في حينه لم يكن اكثر من “اقامة مضخة مياه لتزويد بلدتي الوزاني والميسات بالمياه. وكان مجلس الجنوب عندها قد شق طريقا بطول 1500م للوصول الى نبع الوزاني لبناء تجهيزات لمحطة الضخ وتمديد قساطل لجر نحو 250 مترا مكعبا من المياه يوميا الى خزان في بلدة الوزاني. وقد باشر المجلس في 14 آذار 2001 تركيب اعمدة كهربائية من البلدة حتى النبع لتشغيل المضخات فور تركيبها، كما أشاد غرفة للمضخة قرب النبع وعلى مسافة 20 مترا فقط من المنشآت الاسرائيلية عن الضفة الاخرى لنبع الوزاني”. هذه هي شهادة المتحدث باسم القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان تيمور غوكسيل.. 

لكن السؤال السابق الراهن يظل هو التالي: لماذا هذا القدر من الضجيج الاسرائيلي المتواصل حول ما يجري، علما بأن ما قام وما يمكن ان يقوم به لبنان لا يتعديان جزءا من حقوقه القانونية والوطنية المعترف بها في مياه تنبع من اراضيه وتجري عليها قبل ان تتحول الى ما يوصف بأنه روافد نهر الأردن؟ 
 

المياه... المياه 

بالطبع، هناك عناصر سياسية وازنة في اجواء الحرب التي تفتعلها اسرائيل هذه الايام. وهي من دون شك ترتبط بتلك الاجواء التي تصطنعها الولايات المتحدة الاميركية على الصعيد الاقليمي. هذا جانب من المسألة، لكن الجانب الأخطر، هو ذلك المتمثل في موضوع المياه، ويبدو جليا من حدة ردود الفعل الاسرائيلية. المياه باتت مسألة لا تقبل الجدل في الحسابات الصهيونية. اذ من المعروف ان اسرائيل، منذ سنوات، تعاني نقصا حادا في المصادر المائية. ولا شك في ان استمرار هذا النقص من شأنه ان يطيح بخطط الاستيطان والتوسع، اذ لا امكانية لاستيعاب اعداد اضافية من المهاجرين من دون المياه للاستعمالات المتعددة، علما بان حجم الموارد المائية المتجددة والمتوفرة سنويا يصل الى 1850 م. م3، تتوزع هذه بنسبة 46% من نهر الاردن وروافده و35% من آبار الضفة الغربية و15% من آبار في المناطق الساحلية و4% من مصادر مختلفة. وقد اضطرت اسرائيل تباعا الى خفض موازناتها المائية بنسبة 29% في الوقت الذي وفرت ما معدله 39% من الكميات المخصصة للزراعة من دون ان يتأثر انتاجها او نموها في هذا المجال. وعليه فقد تراجعت بموجب هذا التخفيض الكمية المخصصة لهذا القطاع من 1434 مليون م3 في العام 1987 الى 872 مليون م3 في العام 1991. على حد ما ورد في كتاب “الوسط والاطراف مقاربة شاملة لمياه الشرق الاوسط” الصادرة عن “دار النهار” ترجمة فادي حمود. وبرغم استعمال تقنيات حديثة للتوفير في استعمال هذا “الاكسير”، فان اسرائيل قدرت حاجتها الى المياه نهاية الثمانينيات بأكثر من ملياري م. م3، وبلغ عجزها في العام 1990 ما يوازي 350 مليون م3، والمتوقع ان يصل الى مليار م. م3 في نهاية القرن العشرين، حسب ما يتوصل الى ذلك د. طارق المجذوب في كتابه “لا أحد يشرب مشاريع المياه في استراتيجية اسرائيل” والصادر عن “دار رياض الريس” عام 1998. 

قبل ان نتابع لنتبين مدى حساسية مياه الوزاني والحاصباني، لا بد من العودة ولو قليلا الى بعض ما ورد العام الماضي على ألسنة مسؤولين اسرائيليين، لنتأكد من ان هذا الموضوع بات في العرف الاسرائيلي يعادل مسألة حياة او موت. مثلا، المدير العام لشركة ميكوروت للمياه اللواء الاحتياط اوري ساغي يقول: “لا مياه في الشرق الاوسط وفي حال عدم التفاهم فان الوضع قد يتدهور الى حرب”. عضو الكنيست الاسرائيلي من حزب الوحدة القومية ميخائيل كلايز وهو الحزب الذي تزعمه رحبعام زئيفي اعتبر ان “تحويل مصادر المياه طالما شكلت سببا للحرب.. الموضوع يشكل خطرا حياتيا.. خطوة من طرف واحد قد تشكل سببا للحرب”. يسرائيل روزنفلت رأى “ان لبنان قد فتح بنفسه جبهة جديدة ضد اسرائيل لا تقل خطورة عن تهديد الكاتيوشا او اي سلاح صاروخي آخر يملكه حزب الله”. عوديد عزانوت اكد “ان ما اقدمت عليه الحكومة اللبنانية يتطلب ردا اسرائيليا”. شيمون شيفر شدد على “ان هذه المشكلة قد تشكل حربا في المنطقة”. “هآرتس” قالت “ان ما يثير القلق هو خرق مبدأ الستاتيكو الامر الواقع القائم في موضوع المياه من دون اتفاق”. رئيس الأركان شاؤول موفاز حذر من انه “في حال لم تنفع المساعي الدبلوماسية، فلا بد من اعادة تقويم للوضع”. وزير الأمن الداخلي الاسرائيلي وصف “كل تحويل لمياه الحاصباني بأنه خرق للستاتيكو على صعيد المنطقة”. وزير الخارجية الاسرائيلي السابق ديفيد ليفي رأى “انه اغلاق للشرايين الاساسية لاسرائيل لذا فكل تأجيل للرد قد يؤدي الى كارثة”. وزير البنى التحتية الاسرائيلي افيغدور ليبرمان دعا “شارون الى ان يذكّر الاميركيين بأن كل الحروب في الشرق الاوسط ارتبطت بمسائل المياه. ولا يمكننا ان نقبل ان يستولي اللبنانيون على الحاصباني. فغدا قد يقوم السوريون بتحويل نهر اليرموك ويقوم الفلسطينيون بحفر الآبار.. ما يجري سابقة خطيرة جدا تنبغي معالجتها بحزم”. 
 

الخط الأحمر 

وهذا قليل من كثير المواقف، علما بان الصيغ المستعملة حاليا لا تختلف عن تلك التي راجت. لكن السؤال لماذا؟ علما بأننا سنحصر بحثنا في المجال المائي. 

يتبين ان المياه التي تستخدمها اسرائيل تعتمد على مصادر متعددة. ذكرنا سابقا انها اضطرت الى خفض موازنتها المائية بنسبة 29 بالمئة (1987 مليون م3 في العام 1987 مقابل 1420 مليون م3 في العام 1991). وهذا يعني في المحصلة اعتبار ما تحصل عليه من مياه، بمثابة خط أحمر لا يمكن التساهل فيه. من هنا يمكن ادراك سر هذه المواقف التي تذهب حتى حدود الحرب. والمعروف مثلا ان اسرائيل تستهلك سنويا خمسمئة مليون متر مكعب من بحيرة طبريا وانهار الحاصباني والوزاني والدان وروافد اخرى. كما انها تحصل من خزانات الضفة الغربية الجوفية على ما مجموعه 450 مليون م3. اما الخزان الجوفي الشرقي داخل الخط الاخضر اي المناطق المحتلة قبل العام 1967 فيزودها بكمية خمسمئة م.م3، يضاف الى هذه وتلك 220 م.م3 من مياه اعيد تدويرها ليصبح المجموع هو 1640 م.م3. وعليه فان اسرائيل، اي المناطق الواقعة ضمن “الخط الأخضر” او حدود الخامس من حزيران 1967، لا تبدو افضل حالا على الصعيد المائي، حتى مع حصولها على كميات اضافية من بحيرة طبريا والضفة الغربية. ويعادل تقريبا حجم ما تتلقاه من مياه قابلة للتجدد ما يقل عن استهلاكها بما يصل الى 190 م.م3. ولهذا السبب بالذات عندما تتعرض لنقص في مياه الامطار وتتخطى هذا المعدل تلجأ الى خفض موازنتها المائية، علما بانها ما زالت تسيطر على مياه الضفة الغربية وتُخضع الزراعة فيها لقوانينها الصارمة. اكثر من ذلك فإن التحول الذي طرأ على صعيد الاقتصاد الاسرائيلي من الزراعة الى الصناعة، لم يؤد الى تقليص الطلب على المياه. بل ان العكس هو الذي حصل تماما. فاذا كانت الزراعة خلال مرحلة الخمسينيات عماد اقتصاد الكيان، فانها مع عقد التسعينيات باتت هامشية ولا تزيد عن ثلاثة بالمئة من الناتج القومي. وقد حدث هذا الانقلاب بفعل التحول نحو التصنيع والخدمات لا سيما التكنولوجيا العالية. الا ان هذا الانقلاب لا يعني قدرة على ضبط الاستهلاك المائي، ما دامت المياه مسألة وجودية وأمنية وسياسية وايديولوجية في الفكر الصهيوني بصيغه القديمة والمستحدثة معا. هنا ندخل في موضوع مياه الجنوب اللبناني، ونحصر بحثنا في ما يتعلق بمياه الحاصباني والوزاني، من دون التطرق الى موضوع الليطاني، باعتباره الآن خارج التداول على الأقل. 
 

عود على بدء 

في مثل هذه الايام من العام 1965، أغارت الطائرات الاسرائيلية على منابع الحاصباني والوزاني وعطلت المشروع الذي كان مجلس جامعة الدول العربية قد أقره في العام 1964. ويقضي المشروع المذكور بتحويل مجاري الأنهر التي تصب في بحيرة طبريا، وهي الحاصباني والوزاني اللبنانيان وبانياس السوري. 

كان هناك يومها جامعة دول عربية ومجلس دفاع عربي مشترك و... وحدث ان مؤتمر القمة العربي الذي انعقد في العام 1964 قد درس على جدول اعماله تقدم اسرائيل في استثمار مياه نهر الاردن، فكان ان قرر ردا على ذلك استغلال روافد النهر بتمويل من الجامعة. وتطبيقا للقرارات في حينها انعقد مجلس الوزراء اللبناني في جلسته في 21 10 1964 وكلف المصلحة الوطنية لنهر الليطاني بتنفيذ مشروع التحويل. وقضت خطة المصلحة بتحويل الحاصباني عند نقطة كوكبا وانشاء سد تحويلي وجمع وجر مياه الحاصباني والليطاني الاوسط الى سد خزان ميفدون، جنوب شرق النبطية لتخزين ما مقداره 90 مليون م3 من المياه الشتوية لري احد عشر الف هكتار من الاراضي الصالحة الزراعة. 

في الفترة الفاصلة بين اغارة الطائرات وبين قرار التكليف انجزت المصلحة الكثير من الاعمال التحضيرية كالمسوحات والدراسات الجيولوجية ومحطات القياس والاعمال الاستقصائية والدراسات.. في غمرة اعمال من هذا النوع وعمليات تحويلية جاءت التهديدات لتدفع مجلس الوزراء الى اتخاذ قرار في 17 7 1965 بايقاف الاشغال، ثم لم تلبث اسرائيل ان الحقت وعيدها بالغارة فتوقفت الامور عند ما هي عليه. 

المنطقة، وليس لبنان، في اعقابها دخلت في مسارات متلاحقة، كان أولها حرب العام 1967، والاجتياحات الاسرائيلية المتكررة للبنان بدءا من العام 1978 و1982 وقبلهما حرب تشرين 1973. 

قبل ان يحدث الانفجار العسكري الذي ادى الى إسقاط المشروع العربي بالقصف الجوي، كان العديد من المشاريع المحلية والاقليمية لنهر الاردن وروافده قد انهار. فقد تم وضع مشروع لودر ميلك هايز في العام 1938 وقضى بتحويل مياه الاردن الاعلى (الحاصباني الوزاني الدان وبانياس) واليرموك والزرقاء وجمعها في أقنية مكشوفة ودفعها حول وادي نهر الاردن. ثم بعدها قامت بعثة النقطة الرابعة الاميركية بدراسة استثمار مياه حوض الحاصباني داخل الاراضي اللبنانية وأعدت مخططا توجيهيا لخط إنشاء سد ومحطة توليد طاقة كهرمائية وشبكات ري بالاقنية والضخ. ثم تلاهما مشروع جونستون الشهير الذي أعد بين 1953 و1955 بناء على طلب الادارة الاميركية، وخرج بدعوة الى إنشاء هيئة وادي الاردن على ان تتولى الهيئة توزيع المياه على الاردن بواقع 730 مليون م3، اسرائيل 540 مليون م3، سوريا 132 مليون م3 ولبنان 35 مليون م3. اعترضت اسرائيل على المشروع لان حصتها ضئيلة فيه، وطالبت بتوسيعه ليشمل مصادر حوض نهر الليطاني ايضا. جامعة الدول العربية اقترحت مشروعا مضادا يخفض حصة اسرائيل الى 182مليون م3، لكن اسرائيل نسفت المشروعين الاميركي والعربي وانتزعت 60% من موارد نهر الاردن، كما يقول المهندس في المصلحة الوطنية لنهر الليطاني أديب الجدع. 
 

الحاصباني والوزاني 

يُعتبر نهر الحاصباني الرافد والمنبع الاساسي لنهر الاردن، اما حوضه فيوصف بأنه الخزان المائي العالي لمناطق حرمون، وادي التيم والعرقوب والجولان والحولة وطبريا، والوصف لجدع. ويبلغ طول النهر داخل الاراضي اللبنانية 55 كلم ويوفر 115مليون م3 في السنة، كما انه يغذي مجموعة الينابيع خارج الحدود اللبنانية بما فيها الدان وبانياس، وذلك لانه يشمل القمم بارتفاع 2870م وكذلك السفوح الغربية لجبل الشيخ حيث يشكل تساقط الثلوج والامطار معدلات سنوية تصل الى 890 ملم في السنة المتوسطة في الاعالي و600ملم سنويا على السفوح. ولان جبل الشيخ او حرمون يتميز بانحدارات قوية وانعدام للتغطية النباتية الشجرية تتحول صخوره الى مجار مائية سطحية، اضافة الى تسرب جوفي يقدر ما بين 37,2% و39% من اجمالي ما يتساقط عليه من ثلوج وأمطار. وهذه التسربات هي التي تغذي ليس نبعي الحاصباني والوزاني فقط بل ينابيع الجوز والمغارة في أعالي وادي شبعا وغيرها. وعليه يصبح نهر الحاصباني بمثابة نبع من مجموعة القاطع الغربي لجبل وسفوح حرمون. كما ان حوض هذا النهر تدعمه روافد تأتي من وادي الدلب قرب بيت لهيا ونهر الفريديس قرب سوق الخان ونهر سريد قرب الماري ومجرى نبع ابل السقي. 

إذاً، يقع حوض الحاصباني في جزئه الشمالي الشرقي في قضاء راشيا الوادي وفي جزئه الاوسط والجنوبي في قضاءي حاصبيا ومرجعيون. اما القرى والبلدات التي تقع في حوضه فتصل الى 36، الأشهر منها راشيا الوادي وحاصبيا وشبعا. ولأن هذا الحوض يمتد على ثلاثة اقضية في كل من البقاع الغربي وحاصبيا ومرجعيون، فإن النهر يحاذي حاصبيا على مسافة 3 كلم بينما يمر على بعد لا يزيد عن أربعة كيلومترات من نهر الليطاني في قسمه الاوسط وبطول 25 كلم داخل الاراضي اللبنانية منها مسافة 21 كلم حتى خراج قرية الماري، ثم يتابع طريقه على مسافة 4 كلم جنوبا ويلتقي بنهري بانياس والدان، ويتجه بعدها معهما الى بحيرة الحولة، ومعه يصبح طوله الى مصبه هذا حوالى 70 كلم. 

لكن الحاصباني لا يظل مفردا في رحلته هذه. انه يلتقي مع نهر الوزاني على بعد ثلاثة كيلومترات عن الحدود، ويشكل معه خطا حدوديا بين لبنان وسوريا على امتداد عدة كيلومترات. 

ذكر أكثر من مسؤول لبناني ان اسرائيل تحصل على 150 مليون م3 من المياه اللبنانية في اطار مواقفهم المضادة لصرخات الحرب الاسرائيلية. الا ان الواقع يدل على ان ما تحصل عليه اسرائيل يتجاوز ذلك. اذا انطلقنا من ان التصريف السنوي في الحاصباني الى خارج الحدود يتراوح بين 147 و174 مليون م3 في السنة، اما الوزاني فلا يقل عن 61 مليون م3 في السنة. بالطبع لا يمكن المقارنة بين الأشهر في الشتاء والصيف، لكن، كما يقول الدكتور في الهندسة البيئية سهيل سرور، يمتاز كل من الحاصباني والوزاني اللذين يلتقيا من داخل الاراضي اللبنانية بانهما من الأنهار الدائمة الجريان صيفا وشتاء. يقدم سرور ارقاما مدققة حول جريانهما في شباط مثلا وفي أيلول وهما شهرا الذروة والتناقص. وعليه يصبح مجموع دفقهما ما مقداره 235 مليون م3 في السنة. هذا من دون اضافة اساسية تحصل عليها اسرائيل وهي تلك التي تتمثل بالمياه الجوفية التي تقدر في بعض الدراسات ب40 مليون م3 وينابيع متفرقة بما يصل الى حوالى 30 م.م3. ومعظم هذه الينابيع تتواجد على السفوح الغربية لجبل الشيخ، هنا يجب ان نضيف ما تحصل عليه اسرائيل من الوزاني والحاصباني ليصبح المجموع الاجمالي 305 ملايين م3 من مياه مصدرها لبناني واضح، علما بان د. طارق المجذوب يتجاوز هذا التقدير في الدراسة التي اعدها لوزارة الاعلام، تحت عنوان “أطماع اسرائيل في المياه اللبنانية ملاحظات حول روافد الاردن والقانون الدولي 2001”، اذ يؤكد ان الدراسات الهيدرولوجية للاحواض المائية الرئيسية والفرعية في جنوب لبنان والمتصلة بشكل مباشر او غير مباشر بالخزانات الجوفية داخل اسرائيل تتمثل ب: 
-قطاع الناقورة عيترون شقرا دير سريان. معدل الانسياب الوسطي 69,3م.م3 سنويا. 
-قطاع دير ميماس فالق اليمونة الجنوبي مرجعيون، معدل انسياب وسطي 12,1م.م3 سنويا. 
-قطاع حوض الحاصباني الوزاني، انسياب وسطي 55,5م.م3 سنويا. 
-قطاع سطح حرمون الشرقي نبع سريد شبعا، معدل انسياب وسطي 58م.م3 سنويا. 

وهكذا يكون مجموع انسياب المياه الجوفية نحو اسرائيل حوالى 194,9 مليون م3 سنويا. انطلاقا مما يقوله المجذوب يصبح الرقم الاجمالي بين مياه سطحية ومياه جوفية منسابة ليس 305م.م3 سنويا، بل 429 مليون م3 سنويا. 

اذاً، بين نبع الحاصباني وحوضه في العمق اللبناني ونبع الوزاني الذي يقع على الشريط الفاصل بين لبنان وقرية الغجر نصف المحتلة ومع الاحواض والانسيابات الجوفية... يصبح ما تحصل عليه اسرائيل من مجموع روافد الاردن بواقع أربعة أخماسه من لبنان دون سواه من أنهر تشكل أجزاء منه. 
 

قطرات للبنان 

اذا كان هذا هو ما تحصل عليه اسرائيل فماذا يحصّل لبنان من هذه المياه التي تنبع او تنساب من أراضيه؟ بالطبع هنا لا يمكن الاتكال على همة مجلس الجنوب، ولا على نشاط الدولة اللبنانية. اذ المعروف مثلا ان لا وجود لمخطط توجيهي لا لحوض الحاصباني ولا لحوض الوزاني. ويؤكد د. سرور ان لا وجود في لبنان لإدارة تتولى المصادر المائية، ويصف هذه الادارة بما هو قائم الآن بأنها عشوائية ومرتجلة. ويلح سرور على ضرورة وجود دراسة واضحة لكمية المياه اذ اننا نفتقد الرصد الدقيق للموارد السطحية والجوفية معا، وما زلنا نتكل على معلومات تنتسب الى أواخر الستينيات واوائل السبعينيات، علما كما يقول سرور ايضا بان لبنان كان يملك محطات رصد للمياه، ويشير الى وجود أربعين محطة للرصد الجوي، وكانت هذه قبل الحرب 132 محطة. 

بالعودة الى المعطيات يتبين ان ما يحصل عليه لبنان من حوض الحاصباني والوزاني بائس. اذ يقتصر على أقل من 7 ملايين م3 سنويا تذهب في ري حوالى 675 هكتارا مع تأمين مياه الشفة بتقطع طبعا لاربعين ألف مقيم. إذاً، بين ري ومياه شفة يحصل لبنان على هذه الكمية الضيئلة، علما بان هناك ثمانية آبار جوفية ضمن هذا الاجمال. أي ان لبنان لا يعتمد على المياه السطحية المتوافرة من نبعي الحاصباني والوزاني وسواهما فقط، اذ تدخل الآبار الارتوازية في هذا المجال. 

وهذه المساحة المروية التي تتراوح بين 600 و675 هكتارا تحتل ربع ما يمكن استثماره من أراض صالحة للزراعة، والمقدرة بحوالى 4250 هكتارا منتشرة في كل من: سهل بركة عيحا، القطاع الشمالي وبيت لهيا، بساتين شبعا، الهبارية، حاصبيا، ابل السقي، الماري، المجيدية، حلتا، وادي جنعم، ومزارع شبعا و... باختصار المساحة المروية لا تتعدى ال16% فقط من الأراضي القابلة للري. وهذا بموجب الدراسات القديمة. اما الدراسة الحديثة التي يعمل عليها د. سرور فتظهر ان الاراضي اللبنانية القابلة للزراعة هي بحدود عشرة آلاف هكتار وليس أقل من نصف هذه المساحة. 

يقول الاستاذ في كلية الزراعة في الجامعة الاميركية د. موسى نعمة ان ما يحصل عليه لبنان هو أقل من حقه بكثير. “نحن نعلم ان الحاصباني والوزاني ليسا مشابهين لليطاني اللبناني مئة بالمئة، لكن للأنهر الدولية أيضا قوانين تعطي حقوقا للدول. ثم ان ما نأخذه هو لتأمين مياه الشفة للمواطنين، باعتبار ان الاولوية هي للإنسان ثم تأتي بعده الصناعة والزراعة”.. يصف نعمة الحملة الاسرائيلية بانها نوع يشابه الارهاب الذي يمارسه الاسرائيليون على نحو جلي ضد الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة. 

إذاً، ما يحصل عليه لبنان لا يزيد عن قطرات بمقياس الدفق المائي السطحي والجوفي الذي يذهب الى اسرائيل، علما بان المهندس الجدع يقرر حصة لبنان من التصريف السطحي لنهر الحاصباني بما لا يقل عن 40 بالمئة، أي 59 مليون م3، وعليه يلح كل من سرور والجدع ونعمة على ضرورة اعداد مشروع انماء مائي زراعي كهربائي متكامل للحوض البالغ مساحته 615 كلم2، تفيد منه المناطق المجاورة، لا سيما وادي التيم شمالا وحتى مرجعيون وقضائها. 
 

العشوائية الأهلية 

لم يكن ما حدث لبنانيا عندما قرر مجلس الجنوب تنفيذ مشروع مياه الشفة من نبع الوزاني نتيجة تخطيط يملك مقومات تجعل منه مشروعا تنمويا. هو في أفضل الأحوال مشروع اضطراري لتأمين مياه الشفة لاربعين قرية عبر مضخة وقساطل تمتد من الوزاني الى تل النحاس، مرورا بكفركلا وصولا الى الطيبة حيث الخزان. ما حدث يعتبر مثالا للعشوائية التي لا علاقة لها بالتخطيط. اذ ان المجلس المذكور قد اكتشف ان نبع المغارة وآبار مرج الخوخ في ابل السقي لم تعد تفي بالغرض. وامام تصاعد الحاجات ومحدودية القدرة على تطويرها، وبدلا من اعتماد الضخ من الآبار، رأى ان من الأنسب تأمين الري بالجاذبية بعد رفع المياه الى مركز التجميع في الطيبة. والمشروع الذي اطلقه مجلس الجنوب لا علاقة له بالحاجات المستقبلية، لا للري ولا مياه الشفة. يقدر مثلا الجدع احتياجات لبنان من مياه الحوض في العام 2018 بما يصل مجموعه الى 48,47 م. م3 في السنة، منها 38,25 للري والباقي لمياه الشفة والخدمات الصناعية الخفيفة، علما بانه في فصل الشحائح لا بد من ان يظهر عجز يقدر ب4,93 م. م3، باعتبار ان التصريف خلاله هو 39,28 م. م3. تختلف تقديرات المجذوب قليلا عن تقديرات الجدع، لكنها تؤخر ظهور العجز في موسم الشحائح حتى العام 2030 وليس 2018، علما بان المجذوب يقدر الاحتياجات السنوية للعام 2001 ب43,37 مليون م3 في السنة على أقل تقدير، بينما لا يتعدى الاستعمال الحالي لمياه الحاصباني 6,8 ملايين م3 في السنة. 

سرور بدوره واعتمادا على العدد الفعلي للسكان وحاجاتهم لمياه الشفة وتقديره للأرض الملائمة للري، يقدر حاجة لبنان الفعلية بما يصل الى مئة مليون م3. 

لا تدخل في حساب مجلس الجنوب الزراعة ولا الصناعة أيضا، بل مياه الشرب فقط، هذا ولم نتحدث عن الجوانب السياسية التي تجعل قرارا من هذا النوع مرتجلا، ما دامت التغطية العربية الدولة لم تتأمن له، من خلال اتصالات دبلوماسية كثيفة ونشطة في الوقت ذاته، تؤدي الى تقييد القدرة العسكرية على العدوان، خصوصا ان اسرائيل تنطلق ليس فقط من حاجاتها الضاغطة، بل من ارتباط القضية المائية بالقضية الكيانية والسياسية على نحو لا فكاك منه، باعتبار الاولى مسألة مصيرية، باتت لها مرتكزات ثابتة تمثل استراتيجيا مؤكدة في مجال التفاوض. 
 

مسلّمات استراتيجية 

ان عناصر هذه الاستراتيجيا على ما يذكر د. عصام خليفة في الجزء الثاني من كتابه “لبنان المياه والحدود” الصادر العام الماضي، تنطلق من مسلمات ابرزها التمسك ببقاء السيادة الاسرائيلية على مصادر الموارد المائية، لا سيما ان الكمية المتوفرة داخل الكيان ما قبل 1967 لا تزيد عن 745م. م3، وان تأمين الحاجات المائية يتوازى مع المتطلبات الامنية كما اكد ذلك التقرير السري الذي أعده مركز الدراسات الاستراتيجية في جامعة تل أبيب. ورفض مفهوم السيادة الوطنية لأية دولة في المنطقة على ثروتها المائية. وعلى حد قول رئيس الوفد الاسرائيلي الى المفاوضات المتعددة ابراهام كاتز “لا توجد حقوق في المياه ولكن توجد حقوق في استعمال المياه، وهذا الامر ليس قابلا للتفاوض”، واستحداث قوانين دولية جديدة والاستغناء عما هو موجود ورهن السلام بالتفاهم على المياه،. وعلى حد تعبير شيمون بيريز “اذا لم نتفاهم على المياه فلن يحصل السلام... وفي الحرب احتجنا الى أسلحة وفي السلم نحن بحاجة الى مياه”. وانطلاقا من ذلك تتصرف اسرائيل انطلاقا من مبدأ توزيع مياه أنهار المنطقة (النيل، الفرات، دجلة والليطاني) على الدول بغض النظر عن مسألة الحدود السياسية او السيادة... وبموجب ذلك لا بد من تزويد اسرائيل بموارد مائية اضافية يوازيها تقييد استخدام العرب للمياه. 

على الصعيد اللبناني جنوبا خطت اسرائيل خطوات اساسية نحو تطبيق هذه الاستراتيجيا، ومنذ العام 1976 عندما أخذت تضخ مياه الوزاني، وأكملت ذلك في العام 1986 مستندة الى احتلالها في اعقاب الاجتياح الصهيوني للبنان عندما سيجت عدة هكتارات من الارض حول النبع وطردت المزارعين أصحابها منها. ثم أخذت بمد أقنية من النبع باتجاه الشمال الشرقي بحجة ري قرى العرقوب المحتلة آنذاك. اما في العام 1989 فقد أقدمت على مد أنابيب بقياس 16 انشا من نبع العين المتفرع من نبع الجوز وهو أحد روافد الحاصباني بدعوى تزويد منطقة حاصبيا المحتلة بالمياه... هذا ولم نتحدث ونكرر ما قيل عن الأقنية التي تسحب المياه اللبنانية الى الكيان الاسرائيلي. 

تتلخص فكرة اسرائيل حول مياه لبنان عموما وجنوبه خصوصا بزعمين كما يقول مجذوب، احدهما يقول بوجود اتصال جوفي بين نهر الليطاني وروافد الاردن. ومعنى ذلك الاصرار على جذب الليطاني الى دائرة التفاوض وليس الاكتفاء بالسيطرة على الحاصباني والوزاني والمياه الجوفية. اما الثاني فهو وجود فائض في لبنان يخوله بموجب اتفاقية الحدود للعام 1920 الافادة منه. 

يبقى السؤال هل مثل هذه السياسة او الاستراتيجيا التي لها تفصيلاتها وتفاصيلها الكثيرة تواجه على هذه النحو الذي تدار به معركة من هذا النوع.. فقط للتذكير نشير الى ان أحد المسؤولين انتبه مؤخرا الى ضرورة اعداد “دراسة” لوضعها في تصرف الدبلوماسيين الاجانب.. ومعنى ذلك ان ما يمكن الخروج به ليس أكثر من تقرير من عدة صفحات.. باعتبار ان الدراسة المطلوبة التي تقدم المعطيات السكانية والاجتماعية والتنموية والتخطيطية تحتاج الى عمل، لم يتنبه المسؤولون في ذروة صراعاتهم ومحاصصاتهم الى ضرورته، علما بان اكتشافهم المتأخر لا يعني سوى ان الصرخات التي دعت الى ذلك، منذ سنوات، لم تجد من يستمع لها. بينما كانت تتابع اسرائيل سيطرتها على المياه من دون حد أدنى من الازعاج.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic