تهديدات اسرائيل حول المياه
تحيي المخاوف من تكرار ضربة 1965

النهار (السبت، 14 أيلول / سبتمبر 2002)

قافلة قاطرات تحمل كمية من القساطل لمشروع جر مياه الوزاني، لدى وصولها الى موقعه امس
 

     اوردت "وكالة انباء الشرق الاوسط" المصرية تحليلاً مقروناً بنبذة تاريخية عن "اطماع اسرائيل في المياه اللبنانية التي تهدد باشعال حرب في المنطقة"، جاء فيه: 

في ظل انشغال العالم بمتابعة الذكرى الاولى لأحداث الحادي عشر من ايلول وتداعيات الحرب التي تشنها الولايات المتحدة ضد الارهاب، اختار رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون المياه عنواناً جديداً لاطلاق التهديدات ضد لبنان والذي يبدو انه لن ينسى ان اسرائيل خرجت منه يوماً مهزومة تحت ضغط ضربات المقاومة.

وبحجة الحفاظ على مصادر اسرائيل من المياه لم يتورع شارون عن التهديد بأن تنفيذ لبنان لمشروع نبع الوزاني سيشكل سبباً للحرب بالنسبة الى اسرائيل، رغم ان الوزاني ينبع من الأراضي اللبنانية ويمتد اربعة كيلومترات داخلها ويشكل رافداً اساسياً لنهر الحاصباني الذي ينبع كذلك من الاراضي اللبنانية ويصب في بحيرة طبريا.

والمطامع الاسرائيلية في المياه اللبنانية ليست جديدة وتعود الى ما قبل قيام اسرائيل عبر محاولات المنظمات الصهيونية الضغط على سلطات الانتداب البريطاني لتغيير جغرافية فلسطين الى ما خلف منابع المياه اللبنانية وكذلك محاولات اسرائيل المستمرة تعطيل مشروع الليطاني.

ومع تفاقم ازمة المياه بصورة حادة في اسرائيل يدعو المسؤولون اللبنانيون الى اخذ تهديدات شارون على محمل الجد، وخصوصاً انها تأتي في سياق التحضير العسكري الاميركي لتوجيه ضربة ضد العراق والذي تحاول اسرائيل الافادة منه كما افادت من احداث 11 ايلول في ضرب الانتفاضة وتصوير حركات المقاومة على انها حركات ارهابية.

وقد اعادت تهديدات شارون للبنان بسبب تنفيذ مشروع جر مياه نبع الوزاني الى القرى والبلدان المحررة في جنوب لبنان، الى الاذهان قيام اسرائيل عام 1965 بتدمير مشروع تحويل مجرى نهر الحاصباني والوزاني والذي كان يتم تنفيذه طبقاً لقرار القمة العربية التي عقدت في القاهرة عام 1964 والقاضي بالتصدي لمحاولة اسرائيل سحب مياه نهر الاردن الى صحراء النقب عبر قيام الدول العربية بالسيطرة على روافد نهر الاردن وهي لبنان وسوريا والاردن بتحويل مجاري هذه الانهار تحت حماية قيادة عسكرية وعربية موحدة.

ولم تأبه وزيرة خارجية اسرائيل في ذلك الوقت غولدا مئير بهذا القرار وأعلنت ان المياه بالنسبة الى اسرائيل هي بمثابة الدم في العروق قبل ان تقوم الطائرات الاسرائيلية بتدمير الانشاءات التي كان لبنان قد بدأ بتنفيذها.

وبين تدمير اسرائيل لهذا المشروع عام 1965 واليوم جرت في نبع الوزاني مياه كثيرة كانت اسرائيل المستفيد الاول والاكبر منها حتى انها كانت تبيع مياه الشرب من اهالي جنوب لبنان خلال الاحتلال رغم ان هذه المياه من نصيب لبنان وتنبع من اراضيه.

ويتضمن مشروع جر مياه نبع الوزاني الذي بدأ مجلس الجنوب تنفيذه قبل اقل من شهر مد انابيب صلب قطرها 40 سنتيمتراً على مسافة 16 كيلومتراً تمتد من نبع الوزاني حتى قرية الطيبة في قضاء مرجعيون في جنوب لبنان حيث سيتم اقامة مضخة لتوفير مياه الري لنحو عشرين قرية وبلدة في محيط حوض الحاصباني تشكو معظمها من شح في مياه الشرب، ويأمل القيمون عليه بحسب مصادر في مجلس الجنوب في تحقيق مشروع ري للمنطقة وايجاد فرص عمل زراعية وصناعية لعدد كبير من المزارعين.

بعد غزو اسرائيل لبنان قامت باستغلال مياهه وخصوصاً نهر الوزاني فاقتطعت المنطقة المحيطة بالنهر مرتين ودمرت القنوات والانابيب في اتجاه الاراضي الفلسطينية المحتلة وقامت بتركيب انبوب لجر المياه الى قرية الغجر السورية المحتلة وعبرها الى المستوطنات الاسرائيلية المجاورة، وفي فترة لاحقة استبدلت هذا الانبوب بانبوبين من البلاستيك فيما انشأت مضخات كبرى على الطرف الآخر من النهر، ويمكن مشاهدة هذه الانابيب تمر بوضوح من على التلة المواجهة لبلدة الغجر السورية المحتلة.

ولا تزال القوات الاسرائيلية حتى بعد انسحابها من جنوب لبنان متمركزة على التلة المشرفة على النبع لمراقبة ما يجري من كثب فضلاً عن اعمال الصيانة للانابيب والمضخات التي تجر المياه صعوداً نحو قرية الغجر والتي تبلغ اضعاف كمية المياه التي تعمل الدولة اللبنانية على ضخها اذ لا تتجاوز سبعة ملايين متر مكعب سنوياً من المياه، فيما تبلغ كمية المياه التي تستفيد منها اسرائيل اكثر من مئة وخمسين مليون متر مكعب سنوياً.

وتعود قصة نبع الوزاني الى اوائل القرن العشرين، فعام 1900 قام الحاج ابرهيم العبدالله من بلدة الخيام الجنوبية ببناء قناة على ضفة النهر سميت قناة الطاحون ما زالت اثارها موجودة حتى اليوم، وكان وقتها يتم ري المساحات الزراعية بواسطة عامل الجاذبية، وعرف من هذه المناطق الزراعية المهمة: ام الزلط، صنفر الويزي، المليات والمسية.

وبعد اكثر من مئة عام قررت وزارة الموارد المائية والكهربائية اللبنانية تنفيذ مشروع تقدم به احد احفاد هذا الرجل هو عصام العبدالله نجل النائب المرحوم علي العبدالله لاعادة ترميم القناة وتأهيلها ويتضمن المشروع صب القناة بالخرسانة والباطون المسلح.

اكمل النائب علي العبدالله ما بدأه والده وتقدم بمشروع نبع الوزاني عام 1955 والذي يقضي بتركيب مضخة ومحرك لرفع المياه من نبع الوزاني الواقع عند املاكه في خراج بلدة الخيام. ولاقى ترحيباً كبيراً من رئيس الجمهورية في ذلك الوقت كميل شمعون. فتحولت المبادرة الفردية مشروعاً دولياً ومن ثم الى الجامعة العربية وتولى وقتها العميد ريمون اده من موقعه واهتماماته الوطنية فتح ملف روافد نهر الاردن منذ ذلك الوقت وتزامن ذلك مع بدء بحث الموضوع في العمق لدى هيئة الجامعة العربية.

وبحسب ما يروي عصام العبدالله نجل النائب علي العبدالله فإن والده بدأ بتحقيق طموحه الوطني مع المهندس سليم لحود والد النائب في البرلمان نسيب لحود الذي اشرف مباشرة على المشروع واعتبره مشروعاً دولياً فعمل ستة اشهر في الاعداد لخرائطه ومخططاته حتى نفذ المرحلة الاولى منه والتي تساعد في ري اكثر من الفي دونم من الاراضي البور والعطشى والتي على تماس مباشر مع فلسطين فضلاً عن تزويد عدد من القرى المياه والكهرباء.

وكان العميد ريمون اده وزير الداخلية في ذلك الوقت قد زار منطقة المشروع مرات عدة مؤيداً ومشجعاً وهو الملم بخبايا الاطماع الاسرائيلية بمياه الجنوب وكان يرى ان المياه هي نفط لبنان وان سعرها سيكون في المستقبل اغلى من النفط.

ويؤكد الباحث في شؤون المياه في الشرق الاوسط الدكتور عصام خليفة ان قضية نبع الوزاني تشكل دوماً ازمة مفتوحة على كل الاحتمالات وعلى لبنان الدفاع عن حقوقه المشروعة وفقاً للقوانين الدولية والمواثيق والاتفاقات الدولية وذلك بالوسائل والقنوات الديبلوماسية.

ولفت الى ان لبنان في حاجة ايضاً الى المياه للري فضلاً عن مياه الشرب اذ يعيش حالياً في حوض الحاصباني نحو 40 الف نسمة ومن المتوقع ان يرتفع العدد الى 70 الفاً خلال السنوات العشر المقبلة وهناك ما يقارب 500 مليون متر مربع من الاراضي الزراعية في حاجة الى ري.

ويرى المراقبون انه رغم تراجع لهجة التهديدات في الموقف الاسرائيلي الا ان ذلك لا يعني اغلاق ملف المياه لان اسرائيل تعتبره دائماً مسألة حياة او موت، وقد خاضت من قبل حرباً مع سوريا بسبب المياه في وقت يؤكد فيه لبنان تمسكه بحقه الطبيعي في الحصول على المياه التي تنبع من اراضيه وهو ما يفتح ابواب التكهنات على كل الاحتمالات، وخصوصاً مع اقتراب موعد انشاء محطة الضخ للمشروع في قرية الطبية القريبة من الحدود اللبنانية الاسرائيلية، والتخوف من احتمال قيام اسرائيل بضرب المحطة كما فعلت عام 1965 وهو ما يهدد باشعال حرب جديدة في المنطقة.

   

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic