إسرائيل تضغط عبر الأميركيين
لفرض اتفاق مائي على لبنان

السفير (الأربعاء، 18 أيلول / سبتمبر 2002)

حلمي موسى

الحفارة اللبنانية عند الزاوية الشمالية الشرقية لكفركلا بمحاذاة السياج الحدودي

     أطلقت اسرائيل العنان لبعض خبراء المياه فيها لإطلاق التهديدات العسكرية في الوقت الذي اندفع فيه القادة العسكريون الى التظاهر باستخدام العقل وضبط النفس. وفي هذه الاثناء شنت الديبلوماسية الاسرائيلية واحدة من اهم حملاتها لإقناع الاميركيين بالتدخل لمصلحة ابرام اتفاق يلغي فيه لبنان التعامل من طرف واحد مع موضوع المياه. وتجري هذه الحملة تحت غطاء مكثف من التهديد المستتر الذي وفّره وزير الدفاع الاسرائيلي؛ بنيامين بن اليعازر. 

وقد خرجت صحيفة “معاريف” يوم امس بعنوان رئيسي على صفحتها الاولى يهدد فيه وزير الدفاع الاسرائيلي بنيامين بن اليعازر بأن اسرائيل “لن تمر مرور الكرام” على تحويل مجرى الحاصباني لأن المياه هي “بلسم حياة الاسرائيليين”. ومن جهته اعلن وزير الخارجية الاسرائيلية شمعون بيريز ان اسرائيل ترى في مساعي لبنان لتحويل مجرى مياه الحاصباني عملا لا يمكن تحمله واستفزازا خطيرا. 

وكان البروفيسور دان زاسلافسكي؛ مفوض المياه السابق في اسرائيل قد اعلن انه “في كل مكان في العالم يعتبر تحويل مجرى المياه سببا للحرب. وهذا ما يفعله اللبنانيون الآن بنا؛ منتهكين اتفاقا قائما منذ خمسين عاما؛ فيما لا تقوم اسرائيل بالرد على ذلك”. 

وقال زاسلافسكي “ان هذا يجري في الوقت الذي تقوم فيه اسرائيل لأسباب انسانية بتزويد قرى لبنانية بعشرات ملايين الامتار المكعبة من المياه. لذلك ينبغي علينا الآن اولا ايقاف تزويد قرى جنوب لبنان بالمياه والاعلان؛ من دون ألاعيب؛ انه في اللحظة التي يخرج فيها أول متر مكعب من مياه الحاصباني؛ فإننا سنقوم بتدمير الآلات. اذ يستحيل علينا تجاهل هذه السرقة”. 

واشار زاسلافسكي في حديث مع التلفزيون الاسرائيلي الى ان قضية الوزاني لا تحتاج مفاوضات واتصالات؛ وإنما دبابة تقوم بتدمير المنشآت اللبنانية على النبع. 

ويقول البروفيسور أفنير أوين من الجامعة العبرية؛ وهو رئيس هيئة المياه الاسرائيلية؛ ان اللبنانيين ينتهكون الاتفاقات الدولية المبرمة عام 1955 والمعروفة باسم اتفاقات جونستون؛ وانه بحسب هذه الاتفاقات يتم توزيع 800 مليون متر مكعب من المياه سنويا وفق الحصص التالية: الاردن يحصل على 52%؛ اسرائيل 36%؛ سوريا 9%؛ ولبنان 3%. 

ويرى الدكتور روبي سابيل؛ وهو محاضر في القانون الدولي من الجامعة العبرية ان “لإسرائيل الحق في استخدام المياه على قاعدة القانون الدولي الذي يقول بأن الدول المتشاطئة لها الحق في الاستفادة من المياه الصادرة عن منبع واحد. وان المشكلة هي كمية المياه الموزعة بين هذه الدول. وتتحدد هذه الكمية عموما عن طريق ابرام اتفاقات. ولكن في حالتنا وفي ضوء العلاقات العدائية بين الدول؛ لم يتم التوقيع على اي اتفاق ولكن جرت عادة ملزمة لتقاسم المياه وهي محترمة منذ الخمسينات. وقد حدد وسيط أميركي هذه الكميات. وبموجب خطة جونستون فإن كامل مياه الحاصباني تخدم إسرائيل. ولكن للبنان الحق في ضخ كمية محدودة من المياه لاستخدام محلي في القرى المجاورة”. 

وعموما تتهم مصادر أمنية إسرائيلية لبنان بالمساهمة في “مؤامرة مخططة” تهدف الى “سرقة مياه إسرائيل”؛ واعترفت هذه المصادر بأن إسرائيل مارست ضغوطا هائلة على الإدارة الأميركية بشأن المياه بعد ان تولد الانطباع في إسرائيل بأن أميركا غير معنية في التدخل في هذه المرحلة في أزمة المياه؛ وانها تميل الى دعم المطلب اللبناني. 

ولذلك ذكر بنيامين بن اليعازر لصحيفة “معاريف” ان المساعي الإسرائيلية الحالية تتركز حول التوصل الى تسوية عبر الأميركيين. وقال: “انني آمل ان تؤتي الوساطة الأميركية ثمارها”. وأكد ان “الأمر بالنسبة لنا يتعلق بقضية حيوية؛ بسبب ان الحاصباني يوفر حوالى عشرة في المئة من مياه إسرائيل. ووضع المياه في إسرائيل صعب أصلا. ولذلك ينبغي ان يكون واضحا للجميع انه في قضية المياه لا تستطيع إسرائيل ان تمر مرور الكرام. فهذا بلسم حياتنا. ومن ناحيتنا؛ وقف المياه التي تصل الينا من لبنان هو تضحية مستحيلة؛ فضلا عن كونها انتهاكا فظا للاتفاقات”. 

وأكد بن اليعازر يوم أمس انه يعتمد على واشنطن في العثور على حل لمشكلة المياه. إذ ان “ما يجري هناك كف منذ وقت طويل عن ان يكون جرا للمياه لقرية مجاورة”. وأوضح “اننا نرى ان ما يجري هو بالغ الخطورة ولا يمكن لإسرائيل الموافقة على ذلك. فالوزاني يوفر عشرة في المئة من مياه إسرائيل”. ومن الواضح هنا ان بن اليعازر يخلط بين الوزاني والحاصباني. 

وبخلاف أحاديث “الخبراء” ووزير الدفاع الإسرائيلي أعلن أحيكام بارليفي؛ وهو رئيس رابطة مياه الحاصباني التي توفر المياه لحوالى خمسة عشر كيبوتسا في المنطقة ان كمية المياه التي يخطط لبنان لجرها من الحاصباني “ليست كمية جوهرية؛ إذ انها توازي حصة حوالى أربعة كيبوتسات. ولكن إسرائيل تفتقد للمياه جدا؛ وليس ثمة مبرر للبنانيين لجر المياه تحديدا من هناك. إذ ان لديهم مياه الليطاني”. وقال ان اللبنانيين يستخدمون مياه نبع آخر في الصيف الأمر الذي يحول دون وصول مياهه الى إسرائيل. 

وقد اجتمع وزير الخارجية الإسرائيلية؛ شمعون بيريز الى وزير الخارجية الأميركية كولن باول وبحث معه موضوع المياه في الجنوب اللبناني. وأبلغ باول الوزير الإسرائيلي ان بلاده تنوي بجدية معالجة موضوع المياه وعلى أعلى المستويات. 

واعتبرت مصادر إسرائيلية ان جولة الخبراء الأميركيين أولا وزيارة المبعوث من وزارة الخارجية الأميركية؛ تشاك لوسون ثانيا تشكل بداية الاهتمام الأميركي بهذا الشأن. 

ومع ذلك تؤكد مصادر أميركية ان هدف هذه الجولات؛ حتى الآن؛ ليس إطلاق الأحكام وإنما دراسة الوضع والاستماع للحكومتين وإطلاق رسائل التهدئة من خلال التأكيد على وجوب حل الخلافات عن طريق المفاوضات. 

وكانت المصادر الإسرائيلية قد أشارت الى ان وفد الخبراء الأميركيين ينتمي الى الوكالة الأميركية للتنمية الدولية؛ ويضم الوفد خبيرا في القانون الدولي. وسوف تستمر مهمة الوفد عدة أسابيع. 

ودفعت التحركات الأميركية وزير الخارجية الإسرائيلية الى الإعلان عن ان الجهود الأميركية لحل أزمة المياه بين إسرائيل ولبنان “جدية للغاية”. 

ومقابل التهديدات التي أطلقها الخبراء وبعض الساسة؛ أشار رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ الجنرال موشيه يعلون في مقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي الى انه يرى “في الآونة الأخيرة الكثير من مقومات ضبط حزب الله؛ سواء عبر المساعي الأميركية ضد محور الشر ونية أميركا مهاجمة أولئك الذين لا ينتهجون سياسة صائبة من وجهة نظرهم. وحزب الله يشعر أيضا بالخطر لأنه يقع ضمن القائمة الأميركية”. وأشار الى ان قضية الوزاني بدأت “حسب تقديري من منطلق لم يكن لحزب الله تحديدا ضلع فيه؛ ولكن حزب الله قفز على العربة. والسؤال الهام؛ هو ما الذي يريده اللبنانيون. ونحن نراقب ذلك. هل حقا يريدون أمرا صغيرا ومحليا؛ أم أنه مشروع إقليمي يرمي الى ضخ كميات هائلة من مياه الحاصباني. وهذه قضية هامة. نحن نتابع الأمر”. 

أما الوزير دان ميريدور؛ وهو مسؤول عن المشاريع القومية الضخمة في إسرائيل ذات الصلة بالأمن القومي فقال في مقابلة مع التلفزيون ان “الحكومة اللبنانية وليس حزب الله هو من يقود المشروع” وهذا أمر بالغ الخطورة في نظره. وقال “يجب على الحكومة الإسرائيلية ان لا تتنازل وليس هناك ما يدعونا للتنازل. فهذه ببساطة عملية سرقة مياه. وهذا تحطيم لقواعد السلوك. وأنا لا أقترح قرع طبول الحرب. لأن الأمر يتعلق بالحكومة اللبنانية. والحكومة اللبنانية والسيد الحريري بحاجة ماسة للغرب والولايات المتحدة. وإذا كانت الولايات المتحدة هي من يطلب تسوية الوضع؛ ليس عن طريق سرقة مياهنا وإنما عن طريق التراجع عن هذا المشروع؛ فإنني أرى أنه بدلا من قرع طبول الحرب من الأفضل السماح للولايات المتحدة بإنهاء القضية بهدوء”. 

وقال إن اللبنانيين لم يضخوا مياها حتى الآن. وطالما ليس هناك ضخ للمياه هناك فرصة لدى الأميركيين للاهتمام بالموضوع وإيجاد تسوية له. ويجب على إسرائيل أن لا تطلق التهديدات.
 
 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic