جوزف حرب في ديوانه:
“شيخ الغيم وعكازه الريح”

السفير (الجمعة، 4 تشرين الأول / أكتوبر 2002)

محمد علي شمس الدين

     يظهر لي جوزف حرب في ديوانه الجديد بجزءيه “قميصي الوزال قبعتي الريح” و”كتاب الدمع”، عن “رياض الريس” حديثا، وكأنه راوية يروي سيرته العائلية كولد بري أو “ولد السنديان” كما يقول، بعناصر كثيرة من الدهشة والدمع والمغامرة. 

ولو نفضت ذاكرة الشاعر أو كمه، لسقطت منها بلابل وأتربة كثيرة، وحقول عصافير وأعناق صخور وعيون عنب وأفراس ريح وقصب طويل نام على امتداد الينابيع، وكمثل ما يحشد سليم بركات حشوده الغريبة من أسماء حجارة ومعادن وفلّزات، فإن جوزف حرب يحشد أيضا حشوده مما في البراري من نبات وشجر، حيوان وطير وعناصر، فإلى الشيح والعرعر والصفصاف، تجد الخاتمية والقصعين والنعناع والبابونج الملكي والحنون.. والى العصفور ناقر الكوز الشاعر المسمى عند العريشة “أبا نواس”، والحمار الصامت المتأمل كفيلسوف، والديك الذي تجسدت فيه العناية الإلهية (كمكان) فأكله الكاهن في ما أكل من طعام... نجد ما يشبه تنسيبا فكريا طريفا لعناصر من الريف، فثمة من له، على سبيل المثال، “عمق في الدجاج” (بتعبير الشاعر)، والفلاح يقوم من قبره “كمسيح” بعد بكاء القرويات عليه، وهناك تنسيب حضارات بكاملها قديمة لسنابل وأشجار وعناصر كقوله في قصيدة “رجال”: “... يونان السنابل/ سومر الاشجار/ آشور الرياح/ فينيقيا الامطار/ فرْس الآس والجوري/ صين النار/ هند العشب والزوفى/ فراعنة الضريح وروم “عمدان المنازل..”... وأول خاصية من خصائص هذا الديوان كائنة في سحره الريفي بل في تقديس عناصر الريف لحد العبادة، واعتبار الخروج منه خروجا من الفردوس. أكثر من ذلك، فإنه يظهر احيانا ان ما ينشده جوزف حرب، ليس الزمن الزراعي في الحضارة، بل ما قبله اي الزمن البدائي، ذاك الذي لم تمسسه بعد يد الانسان الصانع بٍُم ئفقْ او الانسان العارف بٍُم سفقىمَِّّ، وهو الخليقة في خاماتها الاولى من بشر ونبات وحيوان وعناصر، وكأن قصائده هي قصائد “القروي المعلب”، او كأنها استجابات منتظمة لطبائع الكائنات الاولى وغرائزها الصافية، في ما يشبه روسوية شعرية (نسبة لجان جاك روسو). 

ولو بحثنا عن أسلاف لبنانيين لمثل هذا الشعر، لوجدنا عرقه الريفي الاول في المفكرة الريفية لأمين نخلة، وعرقه السحري في كتاب شوقي ابي شقرا “يتبع الساحرة ويكسر السنابل راكضا”، مع فوارق جوهرية بين الثلاثة الرعويين اللبنانيين “نخلة، ابي شقرا وحرب”، ففي “المفكرة الريفية” بذور صافية لبلاغة الريف وعناصره، وصنيع نخلة فيه صنيع جوهرجي او معماري لغة، فحبوب الحنطة حبوب بركة، والقثاء في دكان البائع منبطح على بطنه من الغيظ والتفاحة في صندوقة “تبكي على أمها في زمن التفاح”، اما العنز فتصلي بقرنيها المنخفضين من فرط الخشية، لكي تبقى حيث هي (في فردوسها..) ولا تؤخد الى المدينة.. ومن شدة ما هو صانع وبديع، فإن أمين نخلة يعتبر ابا الترصيع اللغوي اللبناني الاول. هو رومانسي كابن لعصره، برناسي أحيانا، لكنه لم يدخل للنص الابداعي لمسات السحر السريالية، التي أدخلها شوقي ابي شقرا وجوزف حرب. فأبي شقرا امتاز بالسحرية الرعوية الحرة، من خلال نصوصه في “يتبع الساحرة..” وتناوله الكلمات من كوارة السر والريف. وجوزف حرب مزج في الجوهري من قصائد ديوانه، بين الرعوية والسحر والايقاع، وهو وإن اقترب من العامية احيانا في كلمات مثل “تخ” و”كبوت” و”بنك بمعنى مقعد”، وفي صيغ غنائية مثل قوله: “يا طير سلم لي على راعي الغنم”.. الا انه اقرب الى البلاغة العربية بصيغتها اللبنانية من شوقي ابي شقرا، واكثر غرابة وسريالية من أمين نخلة. 
 

السحري والغرائبي 

     وتوليد عنصر سحري او غرائبي من عدة عناصر واقعية يظهر على امتداد قصائد الديوان بجزءيه في مواقع منها قوله في قصيدة “القطار”: “وعلى الجدار/ كعقود زهر الياسمين معلقا كان القطار” واستعارة العريشة للكلام، “وبكاء الغيم في الصفحة الستين من الكتاب”، وصداقته لولد “يدعى النبيذ”، وصداقة الظل “هناك تلميد من الفقراء ظل معي ولكن أهله أخذوه عند غياب نور الشمس في سيارة تدعى الغمامة، واسمه ظلي”، والفقير الذي ضيع في الليل فمه، سأل “ألم تريا احدا يدخل وجهي في الليل؟” والمفاجأة في قصيدة “السلم” عندما يقوم طلاب الدير مذعورين في سجنهم الاسود نحو الباب المطروق: “أسرعنا نحو الباب كسرناه/ كان وراء الباب الله” واعتبار “الشربين كالنعاس” وسماع الريح وهي تعبر السواعد، واستقرار فراعة فلاحي الجوع فيهم.. “وكلاب ايديهم مضت من بعد ان يبست من الكسرات..” و”قطف الثمار السود من الاجفان”.. الى هذا، هناك قصائد سحرية اولية او طفلية بكاملها في الديوان، ابرزها قصيدة “البالون” وهي من اجمل ما كتب الشاعر، وهنا نصها كاملا: 

“كان عيد الدير/ أهدونا بوالين وحلوى وصور/ انا لم أهد سوى صورة قديس على عينيه آثار نعاس وله بسمة من يبكي ووجه مائل والرأس كميزان المطر/ نفخ الاولاد في كل البوالين وكانت حلوة زرقاء صفراء وحمراء ولما ربطوا اعناقها وارتسمت في كل كف كقمر/ طيروها فرمتها الريح فوق العين والقرميد والماء واوراق الشجر/ كنت منذ الساعة الاولى هنا أخشى البكاء الضحك الركض مع الاولاد تفجيم حذائي طلب الاذن الى الحمام او تحريك وجهي/ كنت بالونا ويوما بعد يوم ينفخ الوقت به حتى بدا جلدي شفافا زجاجيا ارى من خلفه روحي/ ولما طير الاولاد بالوناتهم طرت انا/ حتى رماني ولد الريح على بوابة الدير ولما فقعت كل البوالين فقعتُ... انتشرت اجزاء روحي في الهواء/ ضحكا ركضا غناد وبكاء”. 

فالنموذج الأبهى لسحر الطفولة والريف لدى جوزف حرب هو هذه القصيدة. ويكاد لشدة ما يكتب من قصائد صافية احيانا، تظن انها مهيأة لتدرج كنماذج نعلمها لأولادنا في الكتب المدرسية. نذكر على سبيل المثال قصيدتي “حلوى” و”تراب”. في الخصوصية الرعوية السحرية، نكهة من سريال بدائي، ففي المدرسة الاولى العجيبة، يلقي الطيون الشعر ويجلس في الصف الامامي التراب، الى جانبه شاعرة الارض العريشة، وخارج الصف الخوخ والحور والزيتون ومياه الساقية، والعليق يستوي في صمت كشيخ الزاوية، اما الناظر الذي يأتي ويمضي هادئا فهو “الضبابة”. والى هذه “الأنسنة” او “التجسيد” للعناصر، ثمة ما يشبه اسقاطا حروفيا او لغويا عليها. فالتدوين او الكتابة، وهما مما بعد الطبيعة، يهربان من صفهما المدرسي الى أمهما في الطبيعة، وبذاك تعود الأسماء للأشياء كما ينطوي الظل بأصله. وهي من سمات رعويةحرب المميزة. يقول في قصيدة “النوم”: “سائق من مطر /.../ والطريق ابتداء من الألف السنبلي بلفظة أمي الى الياء فيها.. هنا السين سهل هنا الحاء حور هنا النون نهر هنا القاف قبرة او قمر /.. ويسير القطار”، كما انه وهو فيحبسه المدرسي في الدير، يخرج من حبسه على أجنحة الكلمات “أهرب من الدير، الثلج ذاب وسال ساقية يموج الحبر فيها صارت الأعشاب فوق ضفافها ألفا وصار النخل فوق العشب همزة/... وسنونوات السهل صارت رف ثاءات وصار الورد هاءات... أنا بانتظارك كل يوم عند ميم الماء باء الباب تاء التوت فاهرب قبل صاد الصيف او غين الغروب... أخوك حمزة”... وهناك مواقع أخرى، سوى ما ذكرنا، يظهر من خلالها ان الكلمات تموت في الكتاب (وفي المدرسة) وتحيا في الطبيعة. 

تبعا لذلك فإن الجزء الأول من ديوان جوزف حرب المعنون “قميصي الوزال قبعتي العصافير” هو سيرة شعرية حكائية سردية في بعضها، ومقطعية غنائية في البعض الآخر، للولد البري او ولد السنديان حين أسلمه أبواه الى مدرسة الدير. ثمة مراسم تسلّم وتسليم للولد من الحرية الى السجن. من الحياة للموت. من الهواء ملء الرئتين الى الدهليز. ففي مجموعة كبيرة من القصائد نستطيع ان نطلق عليها تسمية “قصائد الدير”، يظهر جوزف حرب لنا أكثر من أسير دير، يظهر مريض دير، مريض روح وجسد.. وراغبا في الانعتاق الكلي من كل ما يمثله الدير من طقوس دينية ومدرسية، وحبس للحرية، وشغف بالعودة لأصل الجسد والروح في الطبيعة (القرية). وهذه “اللاديرية” ان صحت العبارة، أملت قصائد مشحونة بالسخرية والمرارة والمغامرة ضد الدين والمدرسة، والرهبان، على خصوصية مسيحية نقدية في المفردات والعبارة، تشكل بمجموعها السمة الثانية من خصوصية جوزف حرب في ديوانه. 

يقول في قصيدة “كرسي الاعتراف”: “فكّرت يا أبت بأن الخوخ أطيب من صلاة الصبح والرعيان أكرم من ملائكة السماء وبدو قريتنا الذين يخيّمون على البيادر كل فصل الصيف أجمل من تماثيل الكنيسة... وجميع قديسيك ضد يديك.. لا يذكرني البخور بغير نعش فوق أكتاف الملاك وان حبي للبراري ليس الا انها تحت السماء رعية من غير كهان. ودير قد بناه الله لي للشمس والعصفور والشجر الملون والسواقي البيض، لا لغة سوى لغة التراب، ولا صلاة سوى صلاة الريح في دير الغروب ولا قصائد غير ما يلقي الغمام من المطر/ من مؤمن منا؟ لقد هب النسيم ونحن في البستان تذكر؟ أنت تقطف برتقالا أخضرا وأنا أشاهد كيف رجل الله تمشي فوق أوراق الشجر”. 

وفي قصيدة “الهروب” يصوّر نفسه هاربا من الدير، “ولدا خبأ في جيبته يوم الأحد”، والمدرسة/ الدير زنزانة “جلادنا في الصف كان مدرسة/ هي راهبة”... وهو أي تخيل في قصيدة “السبت الأحمر” خطة يقودها الأولاد الفقراء “لتفجير الدير”، كما يصف في قصيدة “الجني الأحمر” قصة أخبرته اياها جدته عن قرى يسرقها في آخر الليل اللصوص، ثم تكون المفارقة ان الطفل يكتشف الجن في روحه يخبئ سيفا، والدير لص. يقول: “منذ ذاك الوقت والجني في روحي وكان الدير لصا كلما حاول ان يسرق شيئا يخرج الجني مني يطعن الدير بسيف ويعود”... ويصوّر نفسه في قصيدة “تخرّج” “ميتا” والدير “قبره”.. وأجمل صرخاته صرخته في قصيدة العصفور: “يا دير كيف أضعت ملكي”، والأكثر قسوة وشجاعة قصيدة “الله” حيث يورد ممنوعات الدين (الدير) يقول “لا تقطف من بستان الدير ولا ثمرة/ يغضب منك الله/ لا تقتل الا في أرض الدير الحشرة/ يقتلك الله/ لا تنظر من شباك الصف الى الشجرة/ يضربك الله/ لا تنعس حين تصلي قبل النوم فتجعلك صباحا بقرة/ كفّ الله/... رسم الدير لي الله مخيفا صخري القبضة ناري الأجفان/ حوّله خانق أطفال في الأرض وظل يصوره رجلا يحمل في يده السيف وقضبان الرمان/ حتى أحببت الشيطان”. أما الهجرة، في قصيدة “هجرة” فهي من المدرسة الى الطبيعة، ومن الدير الى الله المتجلي في الكائنات، مع انحياز كلي الى التراب والقرويين الفقراء والحرية. 
 

سيرة الأب 

     نستطيع في الجزء الثاني من ديوانه، المسمى “كتاب الدمع”، ان نستكمل ملامح سيرة الشاعر، في استعادته لأبيه الذي يسميه في قصائد الأب “الدركي”، كما استعاد في الجزء الأول ملامح أمه وربطها بالطبيعة.. وما بينهما سيرة العائلة، والقرية (المعمرية) والقرويين. و”قصائد الأب” لحرب، ترسم تحولات الأب من الطفولة الى الموت، وينتقل فيها الشاعر من الاحساس ببطولة الأم، الى ابتكار بطولة الأب. ويختصره بقوله في قصيده “بطلي”: “فأبي الرحمة الخضراء سر القمح ريش النوم دينار الملاك يمامة الزيتون جسر النحل عملاق المسا بطلي”، وهو انه العناصر كما يناديه في قصيدة “التاج” “يا أيها الدركي،... أتذكر يوم أخذت يديك ورحت أشمهمها وأقبل جوفيهما وأنا مغمض المقلتين.. من أين جئت بكل روائح هذي الفواكه فانتشرت في يديك بهذا الشجر. أصل كل تراب يداك وقبضة كفيك يا والدي أصل كل حجر/ لم أصدق كلام الغيوم وصدقت لما رأيت جبينك من أين يأتي نزول المطر”. فأبوه فقير، وحنون، ودركي، لكنه العملاق حامل أسرار المطر في كفيه، والرعد في صوته، والبراري في عينيه. وسيرته تستعاد برهبة وقداسة وكثير من الخشوع، فما ان يلامس أوديبية ما (نسبة لأوديب) في نقد الأب وقسوته عليه أحيانا في الطفولة، حتى يسارع لطردها وتبرير مواقع القسوة بل تحويرها لتغدو مجسات للرحمة كما في قصيدة “... ويبكي”. يقول “كان قاسيا مثل جلاد قديم/ كان يضربني كحطّاب يشق بفأسه في الحقل جذع السنديان... كم بجمر أخضر قد كواني/ .. الخ” ثم يأتي التبرير لانقاذ صورة الأب يقول: “هو الفقر من كان يضربني لا أبي/ هو الحلم من كان يضربني لا أبي...”. مثل هذا الأب لا يمكن ان يموت في مخيلة الولد. لذا فسرعان ما يتحوّل جوزف حرب بقصائد الأب من السيرة والوصف، الى الأسطورة، ومن التبجيل الى المراثي.. فيرفأ بإبرة الدمع ملامح أبيه، وكأنه خنساء المراثي، او كأنه يمارس طقوس عبادة بدائية للأب الإله، فيدخله في هرم الموت والحياة، ويسكنه تابوت الوصايا، ويكتب له أناشيد الوداع وينتظر عودته كما تعود آلهة الأساطير بعد الموت، في دورة الموت والحياة. هو يرفض موت أبيه يقول “بالرغم من أيامك البعيدة/ ما زلت أمسح كل يوم يا أبي نظارتيك لتقرأ الجريدة” ويحفظ وصاياه ويذكر أماسيه، ويراه متسربا الى العناصر “يداه في جوفيهما غيم وما الخطوط فيهما سوى بروق ليل لامعة/ فإن تجد أصابعه/ تقطّرت/ قل: أمطرت” ثم يدخله في الأسطورة كما في قصيدة “أبي العجائبي”. 

والأناشيد الكثيرة للموت، التي هي “مراثي الأب” وقصائد “المأتم”، تستعيد ما يشبه مراثي الملوك الآلهة لدى الشعوب البدائية، تلك التي كانت تدفن مع السيد الميت، طعامه وشرابه وأدواته وربما نساءه وعبيده. فهذا الشعر الرعوي لجوزف حرب، هو أيضا شعر أبوي. وهي من ميزاته أيض

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic