مرسيل خليفة مفتتحاً المنتدى العالمي للموسيقى والرقابة:
التفريق بين المناضل والموسيقي فينا يقتل الإبداع

السفير (الإثنين، 21 تشرين الأول / أكتوبر 2002)

مرسيل خليفة / مارسيل

     كرّمت اللجنة المنظمة لمؤتمر فريميوز او المنتدى العالمي، للموسيقى والرقابة الذي عقد في كوبنهاغن اوائل الشهر الجاري الفنان مرسيل خليفة بتحية خاصة وبإيلائه شرف افتتاح المؤتمر بحضور شخصيات ثقافية وفنية عالمية، بكلمة هنا نصها. 

إسمحوا لي، بداية، ان ارى لهذا المنتدى العالمي عن الموسيقى والرقابة بذاته موقفا ثقافيا، إبداعيا، إعلاميا، يجدد، بطبيعته، وبشعاره، وبالمشاركين به، التأكيد على حقيقة يقولها كل منا بطريقته، بعمله، بموقفه: بأن الابداع، لذة للمبدع قبل ان تصبح متعة للسامع. وهذه اللذة لا تتحقق بدون كامل الحريات التي يستدعيها العمل. 

وخاصة “عندما يكون الوطن محتلا فليست الموسيقى محايدة”. وموقع الموسيقي ليس الا في قلب المواجهة المحررة للوطن، المحررة للانسان. وعندما يتعرض التطور الديمقراطي، التطور السلمي، للوطن الى اي شكل من اشكال الاحتلال، فالموسيقي لا يجد مكانا آخرا له الا في موقع الدفاع عن التطور الديمقراطي والتطور السلمي لشعبه ولوطنه. 

عندما أكتب الموسيقى أشعر بحصانتي ضد هذا العالم ونظامه الجديد. لا تغريني سوى الحرية. 

وفي هذه اللحظات الحاسمة التي يعيشها أبناء شعبي في كامل الارض المحتلة في جنوبي الجنوب في فلسطين أتوقع حسن تفهمكم الموضوعي للقضية الانسانية، والذي يجعل فنانا مثلي يضعها نصب عينيه. والتي ليست مسألة تاريخية فحسب، بل انها واقع يدمي لا أستطيع تجاوزه وان ما بيننا وبين القوة المحتلة الاسرائيلية هو انعدام المسافة الانسانية التي تتيح للمرء التفكير مع تجاوز التفاصيل. كما أنني لا أرى في مشاريع السلام والحرب المشبوهة، مسألة تقلل من وطأة القتل التي يعيشها شعبي يوميا وتحت بصر العالم. بأمل أنكم تشاهدون مع العالم على شاشات التلفزة ما يحدث عندنا واذا جاز لنا الكلام عن استعداد “الموسيقى لان تكون سببا لتوحيد الناس” فمن المتوقع ان تقدروا انني أحد اكثر الذين يسعون في فنهم الموسيقي لتحقيق هذه الحقيقة، غير انه من باب الاستهانة القول بأن ثمة اشكالا عديدة للتعبير عن الرفض الصارم لكل اشكال القتل التي يتعرض لها شعبي منذ سنوات طويلة من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي. 

ان التفريق بين المناضل والموسيقي في شخصية المبدع هو بالدرجة الاولى مقتل الابداع نفسه، لدى هذا الفنان. ولعلكم توافقون معي على اعتبار هذا المؤتمر الموسيقي وجها من وجوه التعبير عن مسؤوليتنا تجاه الثقافة الموسيقية نفسها، وتجاه شعوبنا وأوطاننا في آن، نرفض فيه تهمة “التسييس” التي تشهر بوجه الأقلام والأفكار والأشعار والألحان والأغاني، والتي لا تشهر الا لعرقلة نهوض المبدعين الى اتخاذ موقف ثقافي ووطني. 

ان المروجين لهذه “التهمة” هم الذين يمارسون، بالحقيقة، أبشع انواع السياسة، سياسة تدمير الثقافة، وإخضاع المثقفين لقوى القهر المتعددة الاشكال، سياسة اخراج المثقفين من معركة شعبهم سياسة “تهميشهم” كما يقال. 

أحيي من خلال هذا المنتدى العالمي تلك الطفلة في بيت الصفيح وفي الخيمة النازحة تلعب بالقمامة. وذلك الاب الذي يسرد التاريخ. وتلك الأم التي تقشّر البصل والثوم وتغسل الثياب في وعاء ماء واحد. 

في الموسيقى عدد غير قليل من المسائل الجدية تختلف حيالها وجهات النظر ومن أهمها قضية الترابط والتأثير المتبادل بين الثقافات الموسيقية في الشرق والغرب. 

وأشير هنا بحق الى عدم صحة مقولة “النامية” بالنسبة للثقافات العربية والعظيمة لدى دول آسيا وافريقيا واميركا اللاتينية، فاذا كانت هذه البلدان متخلفة في ميدان الصناعة فان اعتبارها في مجال الموسيقى بلدانا “نامية” أمر غير صحيح. 

انني على اقتناع راسخ بصحة الفرضية القائلة بالمساواة المبدئية حيال ثقافة البشرية في جميع التقاليد الموسيقية الوطنية المتعددة الوجوه، من جميع ما اختزن من ثروات في الالحان والايقاعات والأنغام، وأدق الأبيات الشعرية التي تنطلق من حناجر المغنين الشعبيين، او تؤديها المجموعات الموسيقية. والقضية ليست قضية “تآلف” “وعدم تآلف” بين مختلف النظم الموسيقية، بل كيف بأية أساليب تحل مسألة الترابط والتأثير المتبادل بين ثقافات شعوب تختلف من ناحيتي المنشأ والموقع الجغرافي. والحل هنا في يد الأسلوب الموسيقي والعبقرية لدى رجال الموسيقى: المؤلف والعازف والمربي وواضع النظريات ومسؤوليتهم أمام الفن والاخلاص في الابداع. 

أكيد يمكن ان تنتصب أمام الشخصية الموسيقية مصاعب كبيرة جدا ولا يجوز السماح بالاسلوب التجاري، أسلوب الحط من قيمة التفكير الانساني العظيم لدى كل شعب. وهذا يمكن ان يؤدي عمليا الى إبادة القيم الفنية العريقة. كما انه لا يجوز ايضا عزل فن هذا الشعب او ذاك عن التبادل الطبيعي بين الشعوب للمكتسبات الابداعية. 

وان أحد الاشكال الطبيعية والقانونية لتطور التفكير الوطني ليس فقط ارتباطه المباشر ببيئته وبالظروف الاجتماعية الجديدة وبازدياد الوعي لدى الشعب، بل وقدرته على الاغتناء من مجمل الفكر الصحيح من الناحية النظرية والتكنولوجية الذي تخلقه تقاليد اخرى تكون احيانا مختلفة جدا. 

أكيد ان هذه العملية يجب ان تحمل طابع التبادل المشترك. وان لا تتحول في اي حال من الاحوال الى عملية فرض من الخارج. 

بالطبع لا نريد ان تسحق ثقافة ثقافة اخرى. واذ نرفض ما يروّج في الغرب من مذاهب حول التمييز الثقافي، لا نستطيع من ناحية اخرى ان ننصاع للنداءات الداعية الى العزل الغبي للنظم الموسيقية الواحد عن الآخر ارضاء لإبقاء هذه الثقافات كما كانت منذ نشأتها الاولى. 

فلتطور شعوب هذه البلدان فنها، وهي التي خلقت ثقافة رفيعة محترفة وفولكلورا عريقا وغنيا، ولتتقن اداءها الموسيقي ولكن يجب عليها، أثناء ذلك، ان لا تصم آذانها حيال المنجزات العظيمة لموسيقى الشعوب الاخرى. 

وفي الاخير يمكن استخلاص نتيجة واحدة وهي ان الموسيقى لا تعَرف الحدود، وهي ليست بحاجة لأعمال صيانة موجهة نحو عزل ثقافة عن الاخرى، بل بالعكس، ينبغي على الامم التي تملك وسائل أكثر تطورا لنشر الثقافة الموسيقية واخصائيين رفيعي الكفاءة، ان تقدم المساعدة لتلك الشعوب التي رزحت طوال سنوات تحت وطأة المستعمرين والمحتلين، والتي ليس لديها امكانية تطوير ثقافتها الوطنية بحرية وبما يليق بها. اكيد ان هذه المساعدة يجب ان لا تتحول الى “عدوان ثقافي”، بل محاولة ايجاد لغة مشتركة وخلق ارضية جمالية من أجل التأكيد والحفاظ على القيم الثقافية العظيمة، تلك التي أبدعتها شعوبنا، وتلك التي ستبدعها لا محالة.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic