أكبر اختراق يحققه “حزب الله” للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية
إسرائيل تكشف “شبكة تجسس” بقيادة ضابط رفيع

جريدة السفير (الخميس، 24 تشرين الأول / أكتوبر 2002)

صورة وزعتها عائلة الضابط الاسرائيلي له مع رئيس الاركان الاسرائيلي السابق شاؤول موفاز، وقد جرى طمس وجه المتهم بالتجسس لحزب الله

     أصيبت إسرائيل بالذهول يوم أمس عندما سمحت المحكمة بنشر نبأ اعتقال ضابط كبير في الجيش الإسرائيلي، برتبة مقدم، مع عشرة آخرين بتهمة التجسس لحساب حزب الله والمتاجرة بالمخدرات. ولم يخفف كثيرا من هذا الذهول تسريب أنباء حول حقيقة ان هؤلاء جميعا ليسوا من اليهود، وإنما من “العرب الإسرائيليين”. فوصول حزب الله الى هذا المستوى داخل الجيش الإسرائيلي، وبصرف النظر عن ديانة أو مذهب الضابط، شكل صدمة كبرى، ودفع الكثير من المعلقين الى القفز عن الآثار والنتائج المادية لوجود هذه “الشبكة” إلى الحديث عن آثارها المعنوية. 

اكتشاف هذه “الشبكة” وجّه ضربة قوية للانسجام القائم بين اليهود وبعض العرب الذين يخدمون في الجيش الإسرائيلي. والمعروف أن نظام الخدمة الإلزامية في الجيش الإسرائيلي يسري على العرب بشكل انتقائي. فهذه الخدمة مفروضة على أبناء الطائفة الدرزية وأبناء العديد من العشائر البدوية في النقب والجليل إضافة الى المسلمين الشركس. ويسمح الجيش الإسرائيلي أيضا بشكل انتقائي لعدد من المسلمين والمسيحيين العرب بالانضمام تطوعا الى صفوفه. ويلعب هؤلاء دورا كبيرا ليس فقط كونهم أفرادا في الجيش، وإنما أيضا كونهم عربا. إذ يجري استغلال الكثيرين منهم في الوحدات الخاصة الاستخبارية والقتالية، لمعرفتهم الجيدة باللغة وأنماط السلوك العربية. كما ان الكثيرين من أبناء القبائل البدوية يخدمون في وحدات الاستطلاع ك”قصاصي أثر” على الحدود بسبب خبراتهم المتوارثة. 

ولهذا السبب حاول بعض المسؤولين الإسرائيليين التركيز على الحافز المالي في الصلة التي أقامها بعض أعضاء هذه الشبكة مع حزب الله والتنكر للبعد الوطني أو الإيديولوجي. ومع ذلك أشار أكثر من معلق إسرائيلي الى انه وإضافة الى المال والمخدرات، ثمة دافع وطني لدى قسم من المشبوهين، على أقل تقدير. 

ومن المقرر ان تفتتح في مدينة الناصرة اليوم محاكمة عشرة من الموقوفين في المحكمة المركزية. ولكن محاكمة عسكرية خاصة سوف تجري للضابط المعتقل جراء استمرار عمله في الجيش الإسرائيلي. تجدر الإشارة الى ان العشرة الآخرين يخدمون في القوات الاحتياطية للجيش، ولذلك يسري عليهم القانون الجنائي وليس القانون العسكري. 

وهي المرة الأولى التي يتهم فيها ضابط إسرائيلي بهذا المستوى بالتخابر مع حزب الله. وكان ضابط يهودي برتبة مقدم قد أدين قبل حوالى عشر سنوات بتهمة المتاجرة بالمخدرات مع جهات لبنانية. كما سبق ووجهت إسرائيل اتهامات لبعض المواطنين العرب بالتخابر مع حزب الله ولكن هذه هي السابقة الأخطر، نظرا لشخصية الضابط المتورط فيها. 

فهذا الضابط، وحسب المعلومات الاسرائيلية يرتبط، وعائلته المقيمة في قرية “عرب الزرزير”، بعلاقات جيدة مع كبار المسؤولين الاسرائيليين. ولإثبات اخلاصه للدولة اليهودية عرضت عائلته صورا له مع رئيس أركان الجيش السابق، شاؤول موفاز، ومع رؤساء اسرائيليين. وتجدر الاشارة الى ان الرئيس الاسرائيلي السابق، عيزر وايزمان كرس له فقرات في كتابه الأخير “روت. النهاية”. 

ومن المهم الاشارة الى ان جميع المعلومات حول هذه القضية جاءت من مصادر اسرائيلية. اذ رفض حزب الله التعليق على هذه القضية سواء لجهة التأكيد أم النفي. 

وفي التفاصيل هناك اشارات واضحة بأن هذه القضية بدأت قبل حوالى عام ونصف عام. وقد نشأ نوع من الصفقة: مخدرات وأموال مقابل معلومات أمنية لحزب الله. وحسب ما أذيع في اسرائيل فإن كميات المخدرات من انواع مختلفة، بما فيها الهيرويين والأفيون مرت عبر هذه الشبكة بمئات الكيلوغرامات. 

وقد أكد ضابط شرطة اسرائيلي أن المال والمخدرات هما “الدافع الأول” غير أن أحدا لا يستبعد “العامل الوطني” لدى عدد من المتهمين. 

وأشار المراسلون العسكريون الى أن حزب الله طلب من أعضاء الشبكة الحصول على معلومات أمنية مثل: 

حجم ومواقع انتشار الجيش الاسرائيلي على الحدود الشمالية عموما. 
حجم ومواقع انتشار القوات الاسرائيلية على طول الحدود مع لبنان. 
معلومات حول مواقع نصب الكمائن المدرعة للجيش الاسرائيلي على الحدود. 
معلومات حول المواقع والكمائن الاسرائيلية في مزارع شبعا. 
معلومات حول القائد السابق للجبهة الشمالية، غابي أشكنازي الذي يعمل حاليا نائبا لرئيس الأركان، وحول قائد فرقة الجليل المسؤول عن الحدود مع لبنان. 
خرائط عسكرية. 
معلومات عن أنواع الكاميرات المستخدمة في مواقع الرصد العسكرية الاسرائيلية على الحدود. 
معلومات حول البالونات التجسسية التي تطلقها اسرائيل على الحدود للإطلالة على ما يجري داخل الاراضي اللبنانية. 
معلومات حول الجنود الذين يخدمون في منشآت استخبارية حساسة في مزارع شبعا وهضبة الجولان. 

وتؤمن إسرائيل انها من خلال التركيز على معرفة تفاصيل اهتمامات حزب الله تريد التعرف على ما ينوون فعله او يرغبون في عمله. ولذلك تعتقد مصادر إسرائيلية ان حزب الله خطط لتصفية غابي اشكنازي وقائد فرقة الجليل. 
 

كيفية اكتشاف الشبكة 

تدّعي إسرائيل ان الخيط الأول لاكتشاف الشبكة يعود الى عملية “متسوفا” قبل شهور على الحدود اللبنانية، حين أفلح فدائيان في التسلل وقتل ستة إسرائيليين في كمين نصباه هناك. وحينها أعلنت إسرائيل انها عثرت مع أحد الشهيدين على جهاز هاتف خلوي إسرائيلي. وتبين لها ان من قام بشرائه من داخل إسرائيل كان أحد المتهمين المعتقلين حاليا. 

غير ان “الاختراق” الحقيقي في التحقيق حدث قبل شهر ونصف شهر تقريبا عندما اعتقلت وحدة خاصة من الجيش والشرطة الإسرائيلية اثنين من المواطنين العرب قرب مستوطنة “سعسع” على الحدود مع لبنان. وعثرت بحوزتهما على تسعة كيلوغرامات من المخدرات الخفيفة وسبعة كيلوغرامات من الهيرويين و110 كيلوغرامات من الحشيش. وضبطت معهما كذلك مبلغ أربعة وعشرين ألف دولار. وتشعبت التحقيقات مما أدى الى اعتقال الضابط الكبير والعديد من أقاربه وأصدقائه. 
 

مسارات عمل الشبكة 

تشير المعلومات الإسرائيلية الى ان المعتقلين الأحد عشر يندرجون في ثلاثة محاور ويضم المحور الأول المقدم في الجيش وشخصا آخر من أقاربه. 

أما المحور الثاني فيضم أربعة من أقارب الضابط. 

والمحور الثالث هو المجموعة التي ضبطت متلبسة قرب “سعسع”. 

والجامع المباشر بين هذه المحاور هو انها جميعا على صلة بالضابط الكبير من جهة وبشخص لبناني تقول إسرائيل انه هو الذي يتاجر بالمخدرات لمصلحة حزب الله، وهو كميل نهرا الملقب أبو السعيد. 
 

الأسرى الإسرائيليون 

جرى التركيز في التحقيق حول ما إذا كانت للمعتقلين أي صلة بعملية أسر حزب الله للجنود الإسرائيليين الثلاثة في مزارع شبعا قبل حوالى عامين. وقال التلفزيون الاسرائيلي ان التحقيقات لم تثبت للمعتقلين اي صلة بالحادث. 
 

عائلة الضابط ومحاميه 

يفيد محامي الضابط بأنه لم يتحمل في التحقيقات التي اجريت معه اي مسؤولية عن اي من الاتهامات الموجهة إليه. وبالعكس فإنه ينفي جميع التهم المنسوبة اليه، وتقول عائلته انه بريء، واتهم الكثير من ابناء قرية “عرب الزرزير” السلطات الاسرائيلية بمحاولة إلصاق التهمة بابن قريتهم. وهدد هؤلاء بإعادة “دفتر الخدمة العسكرية” للجيش احتجاجاً على ذلك. وكانت زوجة الضابط قد اشارت الى ان جهاز الشاباك الاسرائيلي اعتقل زوجها بطريقة الاختطاف قبل شهر ونصف شهر عندما كان في الصيدلية يشتري الدواء، اذ انقضت عليه مجموعة من رجال الامن وجرته بالقوة. وقالت “كنت واثقة ان المخربين هم من قاموا باختطافه”. 

ويقول شقيقه بغضب: “لقد تعاملوا معه على انه قنبلة موقوتة”. 

ويرى القائد الاسبق للجبهة الشمالية الاسرائيلية يوسي بيليد ان هذه “قضية قاسية ومذهلة جداً وتجب معالجة الامور بحزم وحذر”.

   

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic