بعض حجارتها تروي حكاية بلدة دمّرها الاحتلال
الخريبة قرية مفقودة.. منذ 34 عاماً

السفير (الإثنين، 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2002)

كامل جابر

زهير دعبوس على انقاض كنيسة الخريبة

     حلت النكبة ببلدة الخريبة في قضاء حاصبيا يوم حلت بجارتها فلسطين في العام 1948، بعدما تحولت البلدة الصغيرة الوادعة الى همزة وصل بين قرى المواجهة على حدود فلسطين وسوريا من جهة وبين قرى قضاءي حاصبيا ومرجعيون من جهة ثانية واستمرت كذلك حتى تاريخ تدميرها الكلي في العام 1972، ثم جرفها في اجتياح العام 1978 وجعلها موقعاً اسرائيلياً، ثم لقوات الطوارئ الدولية. غير ان القرية المظلومة وبعد عامين ونيف من التحرير، لم يشملها عطف الدولة أو تلحظها نهائياً مشاريع بناء القرى المدمّرة كلياً. 

كانت بيوت القرية تتوزع على ربوة تنفرج من جهاتها الأربع نحو أودية ومنخفضات تحدها من الشرق راشيا وكفرحمام، ومن الغرب نهر الحاصباني وتخوم الخيام وابل السقي، ومن الشمال راشيا الفخار، ومن الجنوب الماري والدحيرجات. تبلغ مساحتها نحو 12 ألف دونم، وكانت الطريق اليها قبل التدمير والتهجير “قادومية” وتمر بجانبها طريق تركية “سكي سلطاني”، وحولها خانات لاقامة المتنقلين بين لبنان وفلسطين وسوريا، وفيها عين مياه تحمل اسمها. 

سكانها قبل التهجير كانوا نحو مئتين، يتوزعون بين مسيحيين اورثوذكس (دعبوس، ابو سمرا، الصباغ، عسكر، معلوف، جرادي، ومسعد) وشيعة (القلوط) وسنة (الأحمد، الخالد، الزغلول، علاء الدين) ودروز (ارسلان). أما بيوتها فكانت أكثر من ثلاثين مأهولة، ونحو ستين في مجموعها العام. وكانت فيها معصرة لملحم مسعد وفرن “تنور” لآل دعبوس، وبعد التهجير الحقت البلدة ادارياً براشيا الفخار، وأهلها المسيحيون كذلك والشيعة بالخيام، والسنة بكفرحمام، أما الدروز فالتحقوا بعاليه وجيل التهجير من الخريبة بات يحمل عنوان التحاقه الطائفي على هويته، على عكس جيلها القديم الذي ما زال يحتفظ باسم قريته التي انتزع منها قسراً. 

بدأت معاناة الخريبة مع بدء التهجير من فلسطين، ثم كانت لها محطات مع عصابات “الهاغانا”، وفي الوقت عينه مع “الهزائم العربية”. وتعرض اهلها للتضييق في ثورة 1958 كونها كانت نقطة الحدود بين سيطرة الثوار وتمدد الجيش اللبناني. أما التهجير الفعلي لسكانها فبدأ في العام 1968، مع تغلغل العمل الفدائي الفلسطيني المقاوم اليها وانسحاب الجيش من كرومها، ثم قطعه لطريقها الترابية منعا لتسلل الاسرائيليين، ما دفع العديد من سكانها للنزوح عنها. وتزامن ذلك مع قدوم مقاومين فلسطينيين اليها وتمركزهم في منزلي نقولا وطعمة دعبوس، ثم في منزل مخايل دعبوس. بعدها اقدم جيش العدو على هدم هذه المنازل بالقصف المدفعي، ثم نسف منازل آل دعبوس في العام 1970، في العام 1972 قامت طاذرات العدو بتدمير منازلها على مدى ثلاث ساعات من الغارات المتتالية، ونجا من كان في البلدة من أهلها بأعجوبة. بعدها لجأت قوات العدو الى حرق مواسم مزارعيها ثلاث مرات على بيدرها ليفقدوا مصدر عيشهم الوحيد، وفي العام 1978 احتلتها اسرائيل وجرفت منازلها وكنيستها (كنيسة مار الياس وعمرها أكثر من مئتي عام) ونقلت حجارتها في شاحنات نحو فلسطين المحتلة، ثم بدأت بأعمال تنقيب، وشوهدت المروحيات الاسرائيلية تنقل ما كان مدفوناً تحت الكنيسة وغيرها من المغاور التي تنتشر بكثرة في هذه القرية القديمة، وبعدها فقدت اجران الكنيسة وما كان تحت المذبح. 

يقول زهير دعبوس: “عانت الخريبة الأمرين ثمناً لانتمائها العربي، وتحملت تبعات هذا الانتماء على مدى 54 عاما، وكان تدميرها منذ 34 عاما بعد شمولها باتفاق القاهرة. ولأنها لم تنتم الى هذا العصر الطائفي توزع اهلها على قرى الجوار ليكتشفوا لاحقاً نسيانهم واستبعادهم عن أي تعويض، مشيرا الى انه في العام 1972 صعدت اليها للمرة الأولى دورية للجيش اللبناني من أجل الكشف على الأضرار فانفجر بهم أحد الألغام، ما أدى الى استشهاد خمسة بينهم الرائد يونس وابن البلدة المعاون مخايل دعبوس. ومنذ ذلك الحين امتنعت السلطة وأجهزتها عن أخذها بالحسبان”. 

وتقول سيدة من آل مسعد ان الأهالي تقدموا بلوائح مفصلة الى مجلس الجنوب شملت الأصول والفروع ولكن لم يأت الرد حتى الآن، وقد سارع رئيس مجلس الجنوب المحامي قبلان قبلان الى نفي علمه بوجود مثل هذه اللوائح. 

وتبدي المواطنة أم محمد الزغلول (77 عاما) عتبها الشديد على الدولة وتقول: “صرلنا أكثر من ثلاثين سنة قاعدين تحت الاحتلال، لو في دولة تهتم فينا ما كنا وصلنا لهذه الحالة. عشنا حياتنا نركض ونتوه هربا من القصف والتدمير، اما آن لنا ان نرتاح، ونعود في آخر ايامنا الى القرية حيث ولدنا وترعرعنا؟”. 

تقدم ابناء الخريبة بطلب الى وزارة الموارد المائية والكهربائية من أجل مد شبكة للكهرباء، فمدت الشبكة على الطرقات وجعل المحوّل خارج “الضيعة” فاستغرب الأهالي من هو المقصود بهذه الشبكة! 

في القرية بعض الحجارة المتناثرة، هي ما تبقى من مدافن وقبور الخريبة، فمتى تخلد رفات أمواتها الى الراحة الأبدية، ويعود في مقابل ذلك ابناء القرية المنسية الى ربوع ألفتهم وتوحدهم تحت ظلال زيتونة عتيقة سلمت من الحرب، وملولة وسنديانة بقيتا تظللان بيدرها؟

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic