لقاء موسع لحل "أم المشكلات"!
دخان مكب صيدا يحجب الخلافات السياسية

النهار (الإثنين، 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2002)

احمد منتش

فاعليات صيدا ميشال موسى - أسامة سعد - بهية الحريري
نواب ورؤساء بلديات وفاعليات سياسية ودينية وإدارية الوزير موسى متكلما، يحوطه النائبان الحريري وسعد والمهندس قبرصلي

     دوام المشكلات الصيداوية المتمثلة بسلسلة مكبات النفايات المتراكمة منذ اكثر من ربع قرن عند الشاطئ الجنوبي للمدينة، وضعت على نار قوية، في ظل الكارثة البيئية والصحية الناجمة عن احتراق غاز الميثان داخل المكبات واندلاع حريق أحدث سحابة من الدخان غطت صيدا، ولم ينجح اخماده الا بعد تدخل الطوافات العسكرية. 

هذه المشكلة المزمنة التي يتفق الجميع على مخاطرها الصحية والبيئية والسياحية، ويواجه المعنيون صعوبات جمّة في ايجاد حلّ لها، كانت امس موضع بحث ونقاش في اللقاء الموسع الذي عقد في مقر بلدية صيدا، بدعوة من النائبة بهية الحريري ورئيس اتحاد بلديات صيدا الزهراني هلال قبرصلي. وهو نقاش لم يخل من الحدة بين النائبين الحريري واسامة سعد، خصوصا لجهة من يتحمل مسؤولية المعالجة، اذ اصر سعد على تحميل الحكومة وخصوصا الوزارات المعنية، تبعة ذلك، في حين اصرت الحريري على تحميل الجميع المسؤولية ولا سيما الفاعليات السياسية والبلديات والمجتمع المدني. 

حضر اللقاء اضافة الى الحريري وسعد، وزير البيئة ميشـال موسى والنواب علي عسيران وعبداللطيف الزين وجورج نجم وعلي بزي وسمير عازار وعبدالله قصير وانطوان خوري وياسين جابر وقاسم هاشم وممثل محافظ الجنوب امين سر المحافظة وسام الحايك والدكتور عبد الرحمن البزري ورؤساء بلديات اتحاد صيدا - الزهراني وفاعليات صيدا الدينية والاقتصادية والتجارية والنقابية والصحية والتربوية، وممثلون لهيئات وجمعيات بيئية واجتماعية. 
 

بهية الحريري 

افتتحت الحريري اللقاء بكلمة اعتبرت فيها ان الحريق الذي اندلع قبل ايام في المكب "كان كارثة حقيقية على المدينة والجوار"، ورأت ان "المشكلة المزمنة هي من مسؤوليتنا جميعا، وصيدا وحدها لا تستطيع معالجتها. وان اولى خطوات المعالجة رهن باقفال المكب وايجاد مكان موقت وبديل لتجميع النفايات، في انتظار صدور قرار من مجلس الوزراء بانشاء معمل حديث لمعالجة النفايات، وهو مقرر قرب سينيق، ومعمل تكرير المياه الآسنة". 

وأملت في "ان نتوصل جميعا في اللقاء الى ايجاد الحل المناسب، والاتفاق على الخطوات المفترض ان نقوم بها". 
 

قبرصلي 

وقال قبرصلي: "أرجو ان تتسع صدوركم لدقائق لعرض موضوع مكب النفايات في صيدا ومعمل معالجة النفايات المنزلية الصلبة الذي اقرت انشاءه بلدية صيدا واتحاد بلديات صيدا - الزهراني. 

1 - لماذا يوجد في صيدا مكب عشوائي للنفايات؟ 

بكل بساطة لأنه توجد نفايات يجب التخلص منها في انتظار حل نهائي. اعتبر هذا المكب حلا موقتا منذ اكثر من 25 عاما. 

2 - لماذا اصبح الحل الموقت مزمنا؟ 

لان صيدا بمساحتها سبعة كيلومترات مربعة هي إما شوارع وأبنية وإما بساتين، ولا تتسع لمكب آخر. ولم توافق أي منطقة قريبة على إقامة مكب صحي ضمن نطاقها، ووزارة البيئة تشترط هذه الموافقة. 

3 - امام هذا الواقع الذي لا يبدو قابلاً للحل، رأت بلدية صيدا اقامة معمل لمعالجة لنفايات يستغني بنسبة كبيرة جدا (90 الى 95%) عن المكب، وأخذت تخطط لذلك منذ اربعة اعوام. 

- ما هو هذا المعمل؟ 

يعتمد المعمل على المبادئ الآتية: 

1- فرز النفايات المنزلية الصلبة الى مواد عضوية ومواد غير عضوية. 

2- تدوير المواد غير العضوية واعادة استعمالها: حديد، الومينيوم، بلاستيك، زجاج، ورق وكرتون، الخ... 

3- معالجة المواد العضوية بطريقة التخمير اللاهوائي (وليس حرقها) لاستخراج غاز الميتان ذي القدرة الحرارية العالية واستعماله، ثم استخراج السماد الطبيعي بعد توقف خروج الغاز واستعماله ايضاً، مع الملاحظة ان السماد المتكون بهذه الطريقة هو ذو جودة عالية. 

4- جميع مكونات النفايات ستعاد بذلك الى اصلها من دون اي نتائج سلبية على البيئة وسيتم استعمالها مجدداً. 

خططنا لانشاء هذا المصنع على ارض مردومة في منطقة سينيق على شاطئ الارض التي ينفذ عليها حالياً معمل معالجة مياه الصرف الصحي، وذلك لاضافة وحول تكرير مياه الصرف الصحي الى المواد العضوية في النفايات ومعالجتها معاً، مما يمكّن من التخلص من هذه الوحول وتحسين مستوى السماد المستخرج، وكذلك لأن وزارة البيئة لم توافق الا على هذا المكان لانشاء معمل النفايات في مدينة صيدا كلها. 

بالاختصار هذا المشروع قدمه المهندس الصيداوي حمزة المغربي باسم شركة I.B.C. التي يترأس مجلس ادارتها، قدمه مجاناً من دون اي كلفة على البلدية. فبربكم على يمكن لنا في صيدا وفي لبنان ان نجد افضل من هذا العرض في اي زمان ومكان؟ 

ورغم هذه الوقائع التي ذكرتها، لا نزال ننتظر الموافقة منذ اربعة اعوام. لقد ملّ المهندس المغربي الانتظار، واراد اكثر من مرة الانسحاب وفي كل مرة كنا نستحلفه الاستمرار مدة محددة، بناء على الوعود، وفي كل مرة كان يوافق لانه ابن هذه المدينة ويريد خدمتها. 

اليوم المكب اضافة الى كل مضاره وآخرها الحريق الذي حدث في الايام الثلاثة المنصرمة وما سببه من اضرار على صحة الناس، عندما غطّت المدينة سحابة من الدخان الكثيف نتيجة احتراق غاز الميتان الناتج من التخمير الطبيعي للنفايات العضوية، هذا الحريق الذي يمكن ان يتجدد في كل يوم. اقول اضافة الى كل ذلك، لم يعد يستوعب كميات اضافية من النفايات. 

فما هو الحل؟ 

اضع هذه المعلومات بين ايديكم جميعاً مسؤولين ومواطنين، لا لابريء نفسي، بل لتحكموا بأنفسكم وتساعدوني على تذليل ما تبقى من صعوبات تعترض انشاء معمل المعالجة وآخرها اليوم نسعى الى صدور قرار عن مجلس الوزراء بالسماح بردم مساحة 38095 متراً مربعاً لانشاء المصنع، والتعاقد مع ملتزم لانشاء معمل النفايات لتنفيذ هذا الردم، لقاء تمليك الارض المردومة واستعمالها حصراً في انشاء معمل معالجة النفايات المنزلية الصلبة وتجهيزه، لمدينة صيدا واتحاد بلديات صيدا - الزهراني. 

وقبل ان اختم مداخلتي اريد ان اشير الى ان الرئيس رفيق الحريري كان قد بارك المشروع، ودعاني قبل نحو عامين الى اجتماع حضره في مكتبه وزراء الداخلية والبلديات، والاشغال العامة والنقل، والبيئة، والنائبة بهية الحريري، وابدى الحاضرون جميعاً اهتمامهم بالمشروع ورغبتهم في تسهيل اقراره بسرعة. ولكن الروتين الاداري انتصر حتى الآن ولا نزال بعد عامين ننتظر. فالى متى هذا الانتظار!". 
 

سعد 

ثم تحدث سعد: "قلنا في السابق كلاماً كثيراً حول المخاطر والاضرار الكبيرة والخطيرة الناجمة عن المكب واعتقد اليوم اننا في حاجة الى ان نقول كلمة واحدة وحاسمة ونهائية، وهي ان هذا المكب يجب ان يقفل فوراً. واذا لم يقفل هذا بارادة السلطات المعنية، فإن الارادة الشعبية سوف تقفله وذلك في مهلة لا تتجاوز عشرة ايام، حتى نعطي فرصة للمعنيين بالامر، وهي كافية لايجاد حل لهذه الكارثة التي تحوطنا وتقع على صدر هذه المدينة ومنطقتها". 

اضاف: "من واجب الهيئات وتحديداً الحكومة اللبنانية وعلى الاخص وزارتي البلديات والبيئة، ووزير البيئة موجود بيننا، واريد ان اذكره والزميلة العزيزة السيدة بهية الحريري بأنه قبل نحو عام، كانت هناك نية لتحرك شعبي من اجل ايقاف هذا المكب، وجاء يومها الوزير موسى وقال لنا جميعاً امام الصحافة ان هذا الموضوع سوف يحل خلال شهرين، وهذا الكلام قيل العام الفائت ولا اعرف على ماذا استند، لانه لم يحصل شيء حتى الآن. ورئيس البلدية لم يذكر في كلمته ان هناك اكثر من 150 طناً من النفايات تلقى يومياً في هذا المكب من صيدا ومحيطها". 

وشدد على تحميل الجهات المعنية المسؤولية عن الموضوع، معتبراً ان ملف النفايات في لبنان "هو في الدرجة الاولى من مسؤولية الحكومة، ويجب الا يرمى الموضوع على البلديات لانها اعجز واضعف من معالجة مثل هذا الملف الكبير الذي يحتاج الى امكانات كبيرة". 

وسأل عن الاموال التي رصدها البنك الدولي لمعالجة النفايات في لبنان: "اين هي واين حصة صيدا والزهراني منها؟" كما سأل رئيس بلدية صيدا "ما اسباب عدم تنفيذ قرار اتخذه المجلس البلدي قبل عام باقفال المكب، لانه لم يعد قادراً على استيعاب اي كمية من النفايات؟". 

وخلص: "المكب يجب ان يقفل، ولتتحمل نتائج اقفاله الحكومة اللبنانية والسلطات المعنية بالأمر". 
 

موسى 

وقال الوزير موسى: "شكراً لصيدا التي تحملت المنطقة لمدة طويلة تناهز عمر الحرب اللبنانية التي قطعت اوصال الوطن، وسمحت لهذا الجبل من النفايات ان يكون في مكانه. صيدا التي عودتنا دائماً احتضانها لمنطقتنا والتي كانت كريمة في كل شيء، اليوم يجب ان نتوقف عند هذه المشكلة البيئية الكبيرة، وان نجد لها حلولاً علمية ناجعة. ان الحكومة التي لم تعصَ عليها حل مشكلات مزمنة كبيرة ومتراكمة مثل مشكلة الموت المتجول في المازوت ومشكلة مافيات الكسارات والمقالع، لن تقف عند مشكلة النفايات في لبنان. انما الموضوع هو حل دائم وشامل لمشكلة النفايات في لبنان، حل يستطيع ان يلحظ العلاقة المالية بين بلديات عدة تتعاطى منشأة النفايات نفسها، وتستطيع ان تستمر في ادارة هذه المنشآت. والحل لا يكون بحل المشكلة في مكان على حساب مكان آخر وهذا واجب الدولة وهو ما تعمل عليه، وسوف تظهر الخطوات قريباً عبر حل علمي شامل لكل لبنان، نستطيع عبره ان نتخلص من هذه المشكلة التي تطالعنا على مدخل كل قرية، عبر وجود مكبات عشوائية للنفايات. اما في ما خص مكب صيدا، فهذا المكب يشكل فعلاً معضلة، ويوجد مشكلة في طرابلس وزحلة وبعلبك. ومكب طرابلس اوجد ازمة قبل شهرين، حتى طائفية، عندما احترق. هذه المشكلة موجودة فعلاً ولكن هناك جهد جدي لمعالجتها. والخطوات العملية لمكب صيدا ثلاثة اقسام: 

- اولاً: العمل لانشاء معمل النفايات. وسيكون الاول في لبنان من حيث تجهيزه تقنياً. 

- ثانياً: هناك روتين اداري يتعلق باصدار المراسيم واخيراً توصلنا الى المرسوم الاخير. 

- ثالثاً: هذا المكب يجب ان يتوقف وفي رأيي ان اتحاد بلديات صيدا - الزهراني عليه ان يساعدنا في اقتراح اماكن يكشف عليها تقنياً، للتأكد من مدى صلاحيتها، وان تشكل لجنة مصغرة للاتصالات السياسية بغية استعجال العمل في المكان البديل الموقت. 
 

تعقيب 

ثم عقّبت الحريري على كلام سعد وقالت: "نحن لا نجتمع اليوم من اجل ان نرمي الكرة على الآخر اطلاقاً، ولا نجتمع حتى يزايد واحدنا على الآخر، او نرمي المسؤولية على الحكومة او البلدية. هناك اموال في البنك الدولي ولكن شرط البنك االدولي ان يكون المجتمع موافقاً على اي مكان لمعالجة النفايات. والمجتمع تمثله البلديات وليس قرارات او مراسيم تنظيمية. نحن نقول هناك خطر حقيقي، ومنذ اعوام ونحن نبحث عن ارض مناسبة. وعلينا ايجاد حل موقت. ولو وجدنا مكاناً في القضاء لما كنا اليوم مجتمعين. المكان موجود على الارض، والارض يجب ان يقبل من عليها بالمعالجة. كلنا مدعوون الى ايجاد حل لمشكلة صيدا، وان نحمل هذا الحل للتنفيذ بعد اقناع الناس. وحتى موعد بناء المعمل، هناك فترة علينا ان نجد قبلها المكان الموقت، وهذا الامر سياسي وليس تقنياً. وجميعنا معنيون بتحمل المسؤولية والمعالجة، والكل شركاء في هذه الكارثة البيئية". واوضحت "ان هناك موعداً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، وسيصار الى اخذ موعد مع رئيس الوزراء رفيق الحريري، للتشاور معهما وتسهيل الخطوات التي سنتفق عليها، والبلديات معنية بالامر". 
 

نجم 

ودعا نجم الى اقفال مكب صيدا "وفي الوقت نفسه التنبه الى مخاطر نقل المشكلة من مكان الى آخر لأن الناس سيرفضون ذلك".

 

 
حريق مكبّ "جبل النفايات" حوَّل صيدا مدينة ملوثة


صيدا – السبت، 9 تشرين الثاني 2002

     غطت امس اجزاء كبيرة من مدينة صيدا سحب كثيفة من الدخان الابيض المصحوب بكل انواع الروائح الكريهة، وذلك نتيجة اندلاع حريق في مكب "جبل النفايات" الموجود منذ اكثر من 25 عاما عند المدخل الشمالي لمدينة صيدا. ولم تتمكن عناصر الدفاع المدني وعمال الشركة الملتزمة معالجة النفايات من صيدا واطفائية البلدية من اخماد الحريق الذي اندلع مساء الخميس الفائت من دون معرفة الاسباب، واستمر من دون توقف طوال يوم امس. وقد حولت سحب الدخان المنبعثة من المكب والحريق محلة الدكرمان واحياء سكنية وتجارية ومراكز صحية وتربوية في المدينة الى منطقة من "الجحيم"، بعدما غزت الروائح الكريهة الاحياء والبيوت والمحال التجارية، وارغمت العديد من السكان على الهروب تحاشيا للاصابة بأمراض رئوية وسرطانية. 

ومشكلة مكب النفايات في صيدا اصبحت تعرف بـ"ام المشاكل" واخطرها على الاطلاق نظرا لعجز المسؤولين والمعنيين طوال اكثر من 20 عاما عن ايجاد حل مناسب لمعالجتها، ونظرا لحجم الاضرار الجسيمة والخطيرة الناجمة عنها والتي تصيب الانسان والبحر والبيئة في آن معا. 

وكان مفتي صيدا والزهراني الجعفري الشيخ محمد عسيران قد وجه نداء الى المسؤولين، وخصوصا رئيس الحكومة رفيق الحريري ناشده فيه العمل على معالجة مشكلة مكب النفايات، وقال: "يجب ان تكون صيدا مدينة سياحية وليس مكبا للنفايات، وان يستغل شاطئها الجميل لمصلحة الانسان لا ان يكون عبئا على الانسان والمجتمع". 

وسأل: "هل يجوز ان تبقى النار مشتعلة من المكب والروائح الكريهة تتصاعد وتحول صيدا مدينة ضباب يحمل المرض والموت للناس فلماذا الاهمال المتواصل والمزمن؟:

  

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic