شعراء لبنانيون
مأزق التوقف الدائم عن كتابة الشعر

السفير (الجمعة، 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2002)

حسين بن حمزة

     بدأت فكرة هذا التحقيق من ملاحظات متكررة، أبداها شعراء عديدون وفي أوقات مختلفة ومتقاربة، تناولت خفوت صوت الشعر في مدينة مثلت لحظة حداثة مفصلية في حركة الشعر العربي الحديث كله، الشعراء ما زالوا يكتبون بالطبع رغم ان بعضهم يعلن بعض اليأس من امكانية تجاوز هذه الحال التي قلّ فيها سجال الشعر وتضاءلت مساحته. لعل الكثير من مكونات هذه النظرة مشكوك فيها ولا تعدو كونها نزق شعراء وقلة جلدهم على احتمال الكتابة وتطيّرهم من احتمال انقطاعها وغيابها معاً، هل تكتب شعرا؟ هذا سؤال راح يتبادله الشعراء انفسهم. كأن الواحد منهم يريد ان يطمئن الى ان الآخرين هم مثله لا يكتبون الآن، او انهم قد يحرضونه على الكتابة اذا كانوا يكتبون بسيولة معقولة تعودوا على وجودها وتأخرها! 

الاستمرار في الكتابة شاغل من شواغل الكتابة نفسها. وكل قصيدة جديدة تحاول، في جانب منها، ان تجعل هذا الاستمرار بعيدا عن القلق والمساءلة والشكوى. او تؤجل التفكير في امكانية الاستمرار كهاجس ملحّ وتطرده. 

التوقف عن الكتابة او انقطاعها المؤقت (الذي قد يستمر سنوات أحيانا) هو اساس هذه الشهادات التي أخذناها من مجموعة من الشعراء اللبنانيين يمثل كل واحد منهم تجربة خاصة في النظر الى الكتابة كممارسة وقراءة. وقد حصرنا هذا التحقيق بالشعر لأنه الفن الأكثر هشاشة والأكثر مزاجية. فالشعر مقارنة بالرواية مثلا، يصعب استدراجه بخطة مسبقة ويصعب، كذلك، توقعه في توقيت محدد. الروائيون يمكن وصفهم بأصحاب مهن وأعمال مقارنة بالشعراء الذين ينظر اليهم على انهم صيادو كلمات عصية ومتعقبو استعارات وصور فانية او مصنوعة بكاملها من مخيلة شخصية لا يعينها سوى الحظ وحسن الطالع في أغلب الأوقات. هناك تشابهات كثيرة بين فنون الكتابة يمكنها ان تجعل الكتابة شيئا واحدا ولكن هذا، على الأرجح، إحساس ظاهري لا يستطيع سوى الشعراء دحضه أو إنكاره. لا نريد هنا ان نعقد مقارنة متكاملة بين الكتابة الروائية والشعرية. ربما هي مجرد حجة قد تبرر اختيارنا لشعراء دون غيرهم. والأرجح ان ثمة فرقاً في الاستجابة للكتابة بين روائي يضع مخططاً زمنياً وإنتاجياً قد يمتد سنوات لإنجاز رواية وبين شاعر قد يمضي تلك السنوات نفسها في سحب شباكه فارغة من مياه المخيلة العميقة! 

الشعر، بهذا المعنى، أكثر خطراً. والورقة البيضاء قد تكون أكثر رعباً . تبقى ملاحظة اخيرة وهي انني حاولت ان يجيب كل شاعر من المشاركين عن فكرة التوقف عن الكتابة ولكنني لم أوجّه السؤال نفسه الى الجميع. لقد أردت ألا تبدو هذا الشهادات مثل استفتاء. وأتوقع ان تكون النتيجة افضل حين تكشف عن كيفيات مختلفة في الاقتراب من فكرة واسعة وحالة غير مقيدة بدل الاجابة بدقة عن سؤال واحد. الاجابات هي بحسب الترتيب العمري. 
 

محمد علي شمس الدين:
السكوت عن الكلام المُباح

     يُخيّل إليّ ان الكتابة/ الشعر، بالنسبة اليّ، تخدمها أسطورة شهرزاد وشهريار في التراث العربي. فشهريار ملكٌ كلي القدرة، لكنه ضجر ملول محب للنساء وللشهوة وللقتل، ومحب للحكاية. أي ان كل ما يجري في هذه الأسطورة، من وقائع وغرائب، إنما يجري من أجل “الحكاية”. وما الحكاية؟ انها قتل ضجر الملك بانتظار ما ستأتي به حكاية اليوم التالي. هكذا تستمر حياة شهرزاد (ولا تُقتل) على امتداد ألف ليلة وليلة، ما دام في جعبتها، او مخيلتها، حكاية جديدة لتُروى لشهريار... وما يمنع شهريار من قتل شهرزاد، واستبدالها بسواها، هو الانتظار، والمغيّب المجهول... ووعد الحكاية الجديدة له. 

حسناً... سأعتبر الشاعر، شهريار، والشعر شهرزاد، والكتابة حكاية كل يوم. فشهرزاد (الشعر) لا تموت، ما دام لديها حكاية لترويها، يكتنفها الغموض (المجهول)، ويشد شهريار اليها شغفه للمجهول، وتتحقق مع مقتبل كل ليلة بالسرد... 

أصلُ الكتابة بالنسبة لديّ، هو هذا الشغف الغامض بالذات. 

شغف بماذا؟ أسأل وأجيب: شغف بالكشف عن استار الغيب. فالشعر بالنسبة إليّ، من أصل ميتافيزيكي... ولكن: ما الغيب؟ لا أستطيع الإحاطة به.. فأقدامه على هذه الأرض وفي تراب الحياة، وعيناه في اللانهاية. وما دام لديّ قلق الغيب، فإن الشعر حاضر لديّ ومرافق لأوقاتي. 

ومجموعاتي الشعرية بكاملها، هي أسئلة حول هذا الغيب، واستسلام له او شِجار معه. من أجل ذلك لم أقتل شهرزاد الكلام حتى هذه الليلة. 

ولكنني اعترف بأنني، خلال الليالي الطويلة التي عشتها، مصغياً لسرد الحكاية ومشغوفاً بها، ساورتني شكوك كثيرة، في جدواها ومتعتها، وربما أصابني ضجر كبير من كل هذا المسرح ممثليه وأدواته ومن نفسي وشعري. انني بالفعل أصابني مثل هذا الضجر، في فترات كثيرة من حياتي الكتابية... وأول أسباب هذا الضجر سبب وجودي نابع من ترمّد كل شيء في داخل ذاتي وفي نظري. ان احساسي بالهباء والعدم هو احساس أصلي في تكويني. فاللاجدوى غالبا ما كانت أجنحتها السوداء تمتد على تاريخي الذاتي والشعري بكامله. ولم تسلم الكتابة نفسها من هذا العدم. أعتبر أشعاري وليدة اقتران الغيب بالعدم، في ظل عالم غائم ومتكرر وعابر من الشهادة. 

ومن أسباب الضجر من الكتابة، الفجوة الواسعة بين ما يتأسس عليها لديّ، من مسارب ومآرب، وما تحققه في الواقع من ذلك. وكأنني في مثل هذا المقام، أشبه ما أكون بما قاله صلاح عبد الصبور “فما أبغيه لا ألقاه/ وما ألقاه لا أبغيه”. 

أعني ان الحياة بكاملها تغدو ساعتئذ التباسا كبيرا. او محض قدر.. فحتى لو كان الأصحّ القول، بعض ما أبغيه لا ألقاه/ وبعض ما ألقاه لا أبغيه”، فإن الجوهري في المعنى هو كلّ..”... والسؤال وجودي وفلسفي: هل أنا (الكائن) مَنْ يصنع قدره بإرادته ووعيه، أم انني أنا (الكائن) مصنوع ومقدّر ومخطط لي كل شيء، من قبل ولادتي (التي لا أختارها)، وبعد موتي (الذي لا أختاره) وخلال أيامي التي لا أعرف على وجه التحديد، كيف تتحرك عجلاتها على خطوط القطار؟ 

ان هذا الأحساس هو أكبر ما يحفّز لدي الشعور بلا جدوى الوجود لكونه قرين العدم، وبلا جدوى الكلمات، لكونها هباء منثورا في فضاء الوجود. وهو أيضا ما يحرّضني على الصمت، وأحيانا على اتلاف ما كتبت، او حتى إحراق ما كتبت، على سنّة أبي حيان التوحيدي.. وعلى الرغم من ان هذا الأحساس متأصل فيَّ، إلا انني من جهة ثانية، لم أنفّذ فكرتي إلا لماماً، ولفترات قصيرة كان اليأس فيها مستحكما في نفسي، وكوى الضوء ضعيفة او معطلة.. لكن، لا أعترف الآن، ان الكتابة قدري، وهي قدر سعيد ومُرٌ، في آن: الكتابة بالنسبة إليّ، وجود كبير ومثير، وان كانت هي، في النتيجة، كالوجود نفسه لا شيء، عدم. 
 

جودت فخر الدين:
ماذا نسخر لو توقفنا جميعاً؟

     تمر بي احيانا فترات انقطع فيها عن الكتابة الشعرية، او انها تنقطع عني، وكلما طالت الواحدة منها اشعر بأنني مقصر تجاه نفسي، اشعر بأنني لم احسن تهيئة الظروف الملائمة للكتابة. التي اذ تتهيأ تمنحني الشعور بالثقة والامتلاء. ان اجمل اللحظات التي اعيشها هي تلك التي تمر اثناء الكتابة نفسها، اما بعد الانتهاء من إنشاء نص معين، فإنني غالبا ما اشعر بأن المرحلة الفاتنة من علاقتي بهذا النص قد انتهت، وبأن انجازي له انما قد أدى بي الى انفصال ما عنه. لهذا اسعى دائما الى ان يكون الشعر خافقاً في جميع اوقاتي. 

هل يكون الشعر اذن ثمرة السعي وراءه او التفتيش عنه؟ ألا نقول عادة ان الشعر ينبغي ان يكون تلقائياً، وينبغي ان يتهيأ للشاعر دون كد او مكابدة؟ هنا اود ان اوضح وجهة نظري التي تتلخص بأن السعي انما يكون في العمل على خلق الظروف الثقافية والعاطفية المؤاتية للشعر، او بالأحرى لإمكانية ان تجيء اللحظة الشعرية على نحو تلقائي، وأن يتحقق التعبير الشعري عند ذلك دون عناء. 

إذا كان التوقف عن الكتابة الشعرية لانشغال في تهيئة الظروف المؤاتية لها، فإنما هو توقّف غني، بل هو مطلوب لتفادي الوقوع في التكرار او العادة. اما اذا كان هذا التوقف مجرد انتظار للشعر، دون عمل أي شيء يستدرجه او يستدعيه، فإنما يكون في هذه الحالة نوعاً من الثبات او الجمود، وفي مثل ذلك ما قد يؤدي الى نضوب الخاطر وانكماش القريحة. 

هذا في مستوى شخصي. اما لو أردنا ان ننظر الى الكتابة الشعرية والى مسألة التوقف او عدم التوقف عنها في مستوى عام، او بالأحرى حيال وضع للكتابة كهذا الذي نشهده اليوم، فيمكننا ان نميل الى الشكوى من كثرة ما يُكتب دون طائل، يمكننا ان نقول إن الكميات الهائلة مما يكتب باسم الشعر لا تفتقر الى النوعيات الجيدة فحسب، وانما تطمس في الغالب هذه النوعيات، لتدرجها في سياق من الاسفاف والاستسهال والتخبط. وقد يراودنا في مثل هذه الحالة سؤال طريف: ماذا لو جرى التوقف عن الكتابة الشعرية بشكل عام؟ ما الذي نخسره لو تمّ ذلك ونحن نرى ما نراه في واقعنا الشعري؟ قد لا نخسر الكثير، ولكننا مع ذلك لا يمكننا ان ندعو الى اي توقف او تقنين. فلنجرّب الى ما لا نهاية، وليستمر بحثنا عن الشعر، وسعينا في سبيل الاجمل والارقى. 
 

عقل العويط:
التهديد الدائم

     هل يكون الكاتب كاتبا حقيقيا إذا لم يطرح على نفسه، كل يوم، سؤال الكتابة نفسه، جدواها، معناها، ضرورتها، ومدى وجود الكاتب او معنى حياته بدونها؟ مثل هذه الأسئلة، وغيرها كثير، يجد مكانه اليومي على الطاولة في الغرفة حيث أكتب وأقرأ وأتأمل. وهي، أي الأسئلة تقدم نفسها بقوة، كظلال حقيقية وقوية لفعل الكتابة نفسه. 

كأن الكتابة لا تتحقق إلا موسومة بهذا “التهديد” الدائم الذي يرافقها والذي يشكّل جوهراً عميقاً للتأليف الأدبي وذريعة لإتمامه. 

أريد من هذا ان أقول اني أواجه على الدوام احتمال التوقف عن الكتابة، لا بسبب النضوب او القحط او الجدار المسدود او أزمة اللغة، وإنما بسبب الخوف: خوف الكتابة. 

هذا الخوف بالذات هو الذي يصنع الكتابة أحياناً، وهو الذي يمنحها شرعيتها، بل كأن لا شرعية للكتابة إلا إذا كانت معمّدة بهذا النوع من الخوف. 

على مستوى آخر، أنا لا أكتب إذا لم يكن في جوهري اللغوي ما يدفعني الى الكتابة. فاللغة، أي ما أحسن انه جديد فيها، هو الذي يحملني على المحاولة من جديد. 

اللغة هي التي تطلب مني ان أكتب، وهي التي تقول لي بالتوقف إذا كانت ليست جديرة بالخروج الى العلن. 

ثمة أشهر، وربما سنوات، تعبر وتكون صالحة فقط للعيش والتأمل والقراءة، ولا أشعر خلالها ان ثمة شيئاً في باطني يطلب مني الخروج الى الحياة في اللغة وبها. عرفت هذا الأحساس، مرارا وتكرارا، لكني كنت أعرف في الوقت نفسه، انه عابر وموقت وضروري، بل لا بد منه لمواصلة عملية الكتابة، وكأنها عندما تعود ستعود كما لو انها تتحقق للمرة الأولى. 

على مستوى ثانٍ، قد أتوقف عن الكتابة فعلياً عندما أشعر انه لم يعد عندي شيء أكتبه. في الحقيقة، لم يهددني مثل هذا الشعور، قط، حتى الآن، وأقول بكل شجاعة إني سأتوقف عن الكتابة عندما أشعر انه لم يعد لها أي مبرر لديّ، وعندما أجد اني قد ارتطمت حقاً بجدار مسدود. 

في مثل هذه الحال، لا بد من التوقف بل يجب ان يحصل هذا التوقف لأن الكتابة ستكون آنذاك نوعاً من التكاذب اللامجدي. 

في تلك الحال، يعرف الكاتب في قرارة أعماقه ان “سلاح” الكتابة صار ضده ولا يجدر به ان يشهره بعد الآن. 

ربما لا بد من هذه الكأس، ومتى فرضت نفسها على طاولة الكتابة، فسأرضخ لإرادتها وأنصرف الى شجون أخرى. 
 

بسام حجار:
شقاء الورقة البيضاء

     الشقاء الحق لا في امتناعك عن الكتابة او امتناعها عنك، بل في جلوسك ساهيا عاجزا أمام الورقة البيضاء. ما من تعذيب للنفس أشد من ذلك، لذا أراني غير راغب في الكتابة في معظم الأحيان، وان جلست الى الطاولة كتبت كل ما أريد دفعة واحدة، كأنني أرفع عن كاهلي عبئاً يثقل علي. 

غير اني في الأغلب، أعشق ان أصغي وان أقرأ (الروايات) وان أرى. وأحسب اني لو ملكت البصر حاسة وحيدة لرضيت بحظي منها، ولم يقلقني يوما ان أروي ما أرى. لذلك ربما لا أشعر بأني متوقف عن الكتابة حين أكون، وغالبا ما أكون، بل أشعر بأني لست مجبرا على العبارة عما أرى، عما أحس وأحيا. 

مسألة أخرى ان تكون شاعرا وتريد ان تحيا كشاعر؛ أي ان ترغب بقوة في العبارة عن اللحظة تلو اللحظة، عن المشهد تلو المشهد، عن اللاشيء تلو اللاشيء الذي هو خبرك القليل في اتساع هائل من الأمكنة والظواهر والكائنات. 

وهو زعم كبير غير مؤكد ان تحسب لنفسك تلك القدرة الخارقة على القول كلما أحسن القول وفادتك. وزعم أكبر منه ان الأشياء قاطبة بمتناول لغتك. كل ما استطعته وتستطيعه هو ان تجمع، أحيانا وفقط أحيانا، تلك الشذرات المنثورة في أرجاء عيش هائل الاتساع، ولا تملك منه إلا رؤية حسيرة. 

لا أكتب في الأغلب لأن ليس لدي ما أقوله؛ او لأن ما لدي ليس لأقوله؛ ولأن الشعر ليس هاجسي. 

لا أدري منذ متى وأنا اكتب ما لا أحسبه شعراً. أو منذ متى كفّ الشعر عن كونه الشكل المفترض لما أكتبه؛ وهذا بأية حال ليس شاغلي الآن او في ما بعد الآن. فحين تكون مهنَتك الكتابة، كيف يمكنك ان تجعل لكل نوع منها او غرض، حظاً. أنت تكتب بما تعيش وبما ترى وبما تلمس وبما تشعر، فما الحد الذي يجعل بعض ما تكتب شعرا وبعض ما تكتب نثرا وبعضه الأخير كتب (بفتح الكاف وتسكين التاء) معيشة؟ هل يدري أحد منا أحكام هذا الحد؟ 

لن أقول إن خواء من حولي جعلني أكتفي بما أدرك صنعته وهو قليل؛ كأن أجمع شتات ذاتي كل مساء وأجلس مطمئناً الى أحاديث طفلي عن اللعب من دون لغة، وعن اللعب باللغة، وعن ملمس الحياة وروائحها التي تحجبها اللغة. 

وأحياناً أقول إن أشياء كثيرة يكتبها آخرون وأودّ، حقاً، لو أكون كاتبها، فأتوقف عن الكتابة مدة لا أدري الى متى تستمر. وأقرأ بشغف العاجز عن الكتابة. 

هل يكفي ما سبق لأقول لماذا ما عدت أكتب الشعر؟ أم ان هذا كله لأقول بأني لا أدري بماذا أجيب عن سؤالك؟ وللمناسبة ما هو سؤالك؟ 
 

عبده وازن:
الصمت جزء من الكتابة

     مأزق الكتابة الشعرية او ما يسمّيه الشاعر الفرنسي مالارميه مأزق “الصفحة البيضاء” امر في غاية الصعوبة والتعقيد. يجد الشاعر نفسه في أحيان عاجزاً عن كتابة سطر شعري واحد. وقد يستمر هذا العجز فترة قصيرة او طويلة. اعتقد ان سر الشعر يكمن هنا. لا يحس الشاعر مهما بلغت ملكته اللغوية انه قادر على السيطرة على اللحظة الشعرية او على اصطناعها او اختلاقها. هذه اللحظة تحل حين يجب ان تحل: انها شبيهة لحظة الوحي او الإشراق او الكآبة... فجأة يجد الشاعر نفسه يكتب بل يفيض كنهر. يكتب من غير توقف او حذر وغير آبه لما يُسمى “مأزق الورقة البيضاء”. 

لعل المثل الذي يمكن الاخذ به هنا هو عجز الشاعر الفرنسي بول فاليري عن الكتابة زهاء 15 سنة. لكن ثمرة هذا الصمت المريع والقسري (او هذا العجز عن الكتابة) كانت قصيدته الطويلة الرهيبة “بارك الشابة”. هذا شأن فاليري المعروف كأمهر الشعراء لغة وتقنيات. وهو يعترف ان الوحي لا يأتيك الا بأول بيت شعري اما القصيدة فعليك انت ان تصنعها. ومهما أصرّ مالارميه على القول: ان الشعر تصنعه الكلمات، فإن الشعر في أحيانٍ يعصى الكلمات. تظل الورقة بيضاء امامك ولا تقدر ان تكتب كلمة واحدة. يصمت الشاعر أو تخونه الكلمات في وقت يشعر أن عليه ان يكتب. 

مسألة “صمت الشعر” مسألة عميقة جدا. وهي تعيدنا الى ميتافيزيقية الشعر او وجدانيته. صحيح ان الحداثة استطاعت ان تحرر الشعر من اسر “الوجدانية” والعفوية والتلقائية لكنها لم تستطع ان تجيب على مسألة الوحي ومسألة الصمت او العجز عن الكتابة. ينبغي ربما ألا نستعيد حكاية ربات الشعر التي ركّز عليها الاغريق ليجعلوا من الشاعر نبياً ولا حكاية “شيطان” الشعر الذي تحدثت عنه العرب. ولكن ينبغي ان نعترف ان ثمة سرا يكمن في صميم الشعر. لا يستطيع الشاعر ان يكتب ساعة يشاء. بل: لا يستطيع الشاعر ان يكتب الا عندما تحين ساعة الكتابة. يشعر ان ألماً ما يعتريه وربما يشعر ان حالة غامضة تنتابه وتدفعه الى الاضطراب الداخلي. يشعر ايضا ان السماء انفتحت امام عينيه وان كنوزا تلتمع على مرأى منه... لوعة ما، احتراق ما، حنين غامض... كل هذه تدفعه الى ان يكسر رهبة الورق البيضاء ويكتب. 

حتى الكتاب الآلية التي نادى بها السورياليون تحتاج الى تلك “اللحظة” الروحية والنفسية التي تتيح للشاعر ان يكتب. حتى الشعر الواقعي جداً او الشعر اليومي او الشعر الملتزم والمناضل يحتاج الى هذه اللحظة. والا فإن القصيدة تستحيل مقالة او بياناً. وحينذاك يفقد الشعر معناه وفضاءه ولغته. 

في أحيان يلجأ الشاعر “المأزوم” الى بضعة مواضيع او افكار جاهزة كي ينطلق منها وفي ظنه انه يكسر هكذا مأزقه الشعري او صمته او عجزه امام الورقة البيضاء. لكن قصائده المكتوبة عنوة تغدو مصطنعة او مكررة وخالية من اللمعة الشعرية ومن السر والسحر... ونلاحظ ان شعراء كثيرين يصرون على الكتابة كما لو انها عمل منتظم، او وظيفة او حرفة. لكنهم لا يدركون ان ما يكتبونه لا يضيف جديدا ولا يأتي بأي جديد. حين تصبح الكتابة الشعرية فنا للكتابة تفقد جوهرها وسرها. آنذاك ليكتب الشاعر نثرا عاديا كالمقالات والتأملات وسواها. 

أعتقد ان صمت الشعر والعجز عن كتابته ومأزق الورقة البيضاء هي جميعها جزء من الشعر نفسه. انها الناحية الخفية من الكتابة الشعرية. انها ما يمكن تسميته ما وراء الشعر او ذاكرته الغائبة. 
 

يحيى جابر:
التجاوز شرط

     بعد “خذ الكتاب بقوة” آخر مجموعاتي التي أصدرتها لم أنشر أي مجموعة شعرية. وأعلنت يومها أنني شاعر سابق ولكني ما زلت أكتب حيث أكتشفت أن كلمة “كاتب” أجمل من “شاعر”. لا أعرف إذا ما كنت أكتب شعرا، ولكني ما زلت متمسكا بالأداة السحرية التي هي الكتابة. لدي كتاب منذ أربع سنوات ولم ينته بعد، ويعود ذلك لخوفي الدائم من النشر برغم أنني أنشر كتبا أخرى مسرحيات ومقالات. لا زلت أعتقد أن هناك بؤسا عاما بين الكاتب والناشر والقارئ حيث لا جدوى من أي شيء ولا جدوى من طبع الكتاب الشعري تحديدا إذا لم تكن قد تجاوزت الآخرين ولا أقصد العالم العربي فقط، وهذا يقودك الى أنك لم تتجاوز نفسك. ولهذا قررت هذه المرة الانسحاب أكثر ألا وهي العودة الى الجذور. أنا انسحبت من المدينة نهائيا وليس حتى الشعر فحسب وأصبحت سائحا في المدينة. أنا رجل وحيد الآن بكل معنى الكلمة، أستعيد طفلا بعيدا عن هذا المحيط الأدبي والسياسي والاجتماعي. 

أنا مُقال ومطرود من مكاتب الشعراء، لا حضور لي ولا دوام في أمسية أو ندوة أو حالة نقدية معينة وهذا يعود لأسباب يعلمها الله! وأنا أيضا بالمقابل قدمت استقالتي من الكائنات البشرية التي تتعاطى الشعر بشكل حقن ملوثة. وهذا خلاف خاص وما زلت مصرا أنني خارج هذا السرب من المافيوزية القديمة والجديدة روّادا وحدثانا وفتيانا وأغرارا. ثمة صدام يعنيك وحدك وانسحابي استراتيجي للحفاظ على بيئتي الشعرية من هذا الكم الهائل من المخدرات الشعرية، أحاول تنظيف قصيدتي من هذا السم الذي يدعى الشعر العربي مفردة وجملة وإيقاعا وترتيبا وبحورا ومحيطات ومستنقعات. وهذا لا يعني بالضرورة أن أكتب تحت طلب أحد ناقدا أو قارئا أو ناشرا. ولكنني أكتب وحين تنضج بضاعتي أعرضها في السوق. 
 

يوسف بزي:
الآخرون عاجزون أيضاً وفن القصيدة يحتضر

     سنتان تقريبا، انصرمتا، ولم اكتب قصيدة واحدة. هذه، على الارجح، ليست “أزمة صمت” معتادة، أو عابرة. الشعور بالانقطاع عن الشعر بات حقيقياً، وقد تجاوز حتى هلع المرحلة الاولى وقلقها. بل لنقل اني ما عدت فزعاً من فكرة صوت الشاعر في داخلي. ربما هذا قد يعني انني لست بشاعر أصلاً او صانع شعر. ومن دون قلق اقول: لا همّ، إن كان ذلك صحيحاً. 

يخالجني شعور، منذ تجربة العيش لثلاث سنوات في دول الخليج، ان الصحراء ابتلعتني.. وان ليس في احشائي الا عاصفة رملية، مداومة على تجفيف كل بئر ورطوبة. لكن، اذا كانت هذه حالي، فلماذا اذا الشعراء الآخرون عاجزون ايضاً عن صنع القصائد والعبارات المتوهجة؟ لماذا تبدو سماء الشعر خالية من البروق، صافية تماماً، معتمة، بلا قمر وبلا نجوم؟ الآخرون، الشعراء، باتوا مثلي إذاً؟ هذا يعزيني قليلا. 

لا، الامر لا يتعلق بقلة القصائد القوية، المؤثرة، الباهرة.. فحسب، بل ايضا بندرة القصائد المكتوبة (أياً يكن مستواها)، وأجزم ان السنوات الخمس هي الأكثر شحة وقحطا منذ انطلاقة حركة الحداثة الأدبية في اللغة العربية، بل وأكثرها صمتا بالاطلاق. 

نحن نتكلم عن شعراء بالجملة، يغادرون مواقعهم الى مطارح اخرى ليست بالضرورة مطارح كتابة.. او فن. انهم، هكذا، معتزلون قسرا او طوعا او عجزا. 

الشعر مريض، والشعراء مرضى. أكاد أجزم في قولي هذا. فما معنى هذا الاعياء، المثير للشفقة ونحن نرمق عناوين المجموعات الشعرية الجديدة.. حتى العناوين باتت باهتة، جاهزة، مسلوقة، ونيئة، ومترهّلة.. ومبتذلة؟ وما معنى هذا الفقر في الخيال الذي يجعل الشعر المتداول وكأنه “فوتوكوبي” من آلة معطلة ومغبرة لقصيدة ممجوجة؟ وما معنى هذه الضحالة التي تصدر عن كل محاولة منّا، عندما نعاند ونحاول الكتابة، نحن الذين، ظننا سابقاً أننا بتنا متمكنين من “حرفتنا” ومن “إبداعنا” ومن “لغتنا”. 

الشعر مبحوح الى درجة الخرس، وغاشٍ الى درجة العمى، وساهٍ الى درجة الصم. الشعر بات إحياؤه صعبا وربما مستحيلا. بات، بالنسبة لي، مُضجِرا، و”ثقيل الدم”، وعتيقا، اقول إنها اللغة، وأقول إنه الانسان، او المخيلة، او القلب، او العقل، والأصح انه الشعر نفسه وقد هجرنا هجرة قاطعة وموغلة في البعد. 

اني اترك الباب مفتوحا، لعله يعود من غير ميعاد. هذا تفاؤل خفي، ومريح. لكني أضيف الى هذا تأملا آخر، او تأويلا مختلفا ما عدت مقتنعاً بحقيقة واحدة كأن اقول ان المشكلة في “فن القصيدة” وليس في الشعر، والشعرية، والشاعرية. اي المعضلة في الإنشاء اللغوي الساعي الى الشعرية. فهذا الانشاء يبدو انه استنفد قدرته على التقدم، على الكشوفات الجديدة، وبات يحكم ارثه الثقيل، وشروطه الذاتية المتكاثرة، مشلولا ورازحا تحت عبء تواريخه وتجاربه. فليس صدفة ان ينتهي حال الشعر الى مآله هذا بالتزامن مع انصرام القرن. فالحس التاريخي لا بد ان يساعدنا، هنا، على فهم هذه المشكلة: موت نوع من التعبير الشعري. أقصد “فن القصيدة” كما هو اليوم. على كل حال فن القصة سبق وأن دُفن، وتلك هي تراجيديا المسرح راهناً، كما هي مأساة “اللوحة”، ثم ان الرواية نفسها، رغم فورتها الكمية، باتت في العقد الأخير ساقطة في رتابة وجودية محبطة. 

في المحصلة أقول “فن القصيدة” يحتضر حقاً امام أشكال لم تولد بعد. هذه قناعتي الشخصية.. فليرجمني المؤمنون! 
 

سامر أبو هواش:
خوف أن لا تكون شاعراً

     السؤال حول امتناع الكتابة او احتمال هذا الامتناع هو سؤال دائم وشبه يومي بصرف النظر عن تصور الشاعر عن نفسه وعن شعريته. وهذا الشعور القلق هو على ما أظن من محفزات الكتابة ايضا. تشعر احيانا انك ما عدت رومانسيا كالسابق فتبادر مثلا الى شراء وردة لمن تحب وكذلك في الشعر. فشعورك الطاغي ليس فقط بأنك قد لا تتمكن من الكتابة بل بأنك لست بشاعر اصلا وأن ما سبق لك وكتبته هو من قبيل الحظ او الصدفة، كما في الحب كما في الشعر، لا نحب ان نشعر اننا معشوقون او عشاق بسبب الحظ وحده. فذلك ينتقص من كبرياء ما عندنا، كذلك في الأدب عامة. لكن هذا الشعور وإذ يولّد شبقاً للكتابة لا يولّد كتابة بالضرورة، سرعان ما يكتشف المرء ان للكتابة اوقاتها وغرائزها التي قد لا تلبي او تتماشى دائما مع غرائزه هو. 

عرفت تجربة اختفت فيها الكتابة عني وقتا طويلا وشعرت بأنني صدفة شاعر فرحت اكتب بعصبية على الورقة اي شيء، فقط لأملأ الورقة. وكانت النتيجة هذيانا كتابيا، لكن هذه التجربة التي تكررت عدة مرات عرفتني، بما لا يحتمل الشك، ان الكتابة لا يمكن ان تفرض فرضا لا منك ولا من خارجك. يحتاج الأمر الى ما يشبه نمو عناصر الطبيعة احياناً. فإذ ترتبك امام حبيبتك لأنك لا تعرف ما ينبغي ان تقوله افضل بكثير من ان تبدو محترفاً. الشعر يحتاج الى هذه الهواية والى هذا الاحساس العميق بالفشل. وحين نعمد مثلا الى ان نقرأ اصدقاءنا ما كتبناه توا فذلك من قبيل الاطمئنان من جهة الى أننا ما زلنا شعراء ومن جهة اخرى الى ان ما كتبناه ما زال يختزن هذه البراءة الأولية الخاصة بالدهشة، فأنت تقول ضمنا لمن تقرأ عليه قصائدك: انظر، أنا ما زلت طازجاً كما عرفتني وتنتظر من عينيه ان تقولا لك ذلك وإلا شعرت بالخيبة. 

اكتب الآن بغزارة نوعاً ما. وأحسب أنها الغزارة والاندفاع الناتجان عن زمن انقطاع الكتابة عني، فكما يبذل الصوفيون أجسادهم وشفاههم في الاقتراب من الآلهة على نحو هستيري مخافة انهم إذا توقّفوا فستنقطع صلتهم بالسماء، هكذا اشعر بإقبالي المحموم على الكتابة، تماماً كعلي بابا اذ دخل الى المغارة وكان عليه ان يحمل قدر ما يستطيع من كنوز في وقت ضيق قبل عودة اللصوص. تشعر حين لحظة الشعر انها فانية وتحاول ان تغرف، بالتالي، قدر ما تستطيع قبل ان تفنى. 

هذا الشعور يأتي من قراءتك في زمن من انقطاع الشعر عنك لما كتبته، فحين تقرأ ما كتبته سابقا وتحبه وترى أنك الآن غير قادر على الاتيان بمثله تفكر تلقائيا انه كان عليك وقتذاك ان تستفيد من لحظة الشعر اكثر وأن لا تعتبرها ثمرة متاحة دائما. وفي هذا الوقت تشعر انك حقيقي فلا يعود الفرق ان تكون شاعرا معترفا به من أحد بل ان تتصالح انت نفسك مع ذاتك وأن تحبها، وهنا لا تستطيع الا ان تكون حقيقياً قدر ما تستطيع لأنك تعرف انك في وقت لاحق ستحاكم نفسك وبقسوة اذا ما استهنت بشأن الشعر سواء في عدم الإتيان به او في إتيانه بالقوة.

 

§ وصـلات:

 
 

 
    
Home - English Contact Us Bint Jbeil Guide Op-Ed Bint Jbeil E-mail Bint Jbeil News Home -  Arabic